مع نهاية عصر النمو السهل... الفوز حصراً للمصلحين!
اليوم توجد 35 دولة فقط من الدول الـ185 التي رصدها صندوق النقد الدولي ضمن البلدان المتقدمة، أما البقية فكانت «ناشئة» بصورة دائمة، ومن النادر أن تتمكن الدول الناشئة من تحقيق نمو مستدام بأكثر من 5 في المئة حتى لعقد واحد من الزمن لا عقدين أو ثلاثة.
خلال الطفرة الاقتصادية التي شهدها العالم في العقد الماضي عمد العديد من الخبراء إلى اعتماد النظرة القائلة إنه بسبب هيمنة الصين والهند على اقتصاد العالم في القرن السابع عشر، فإنه في وسعهما القيام بذلك من جديد في القرن الحادي والعشرين، ومع تجاهل القرون العاصفة التي حفلت بها تلك الفترة. يبدو أن الخبراء يقولون إن أداء القرن السابع عشر يمثل ضماناً لحدوث نتائج المستقبل، غير أن تلك، على أي حال، ليست الطريقة التي تعمل من خلالها الدورات الاقتصادية التي يشهدها العالم، فمن الطبيعي أن ما نراه ساخناً في أحد العقود ربما يبرد ويكمن في العقد التالي، وهذا ما نشهده في الدول الناشئة اليوم.وبعد عقد حافل متقد يعيش العالم الناشئ فترة برود مقارنة مع العالم المتقدم، كما أن دول "البريكس"- البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا- تعيش مرحلة من الفتور مقارنة بدول جديدة مثل الفلبين ونيجيريا والمكسيك.مرحلة الفتور هذه سوف تكون دراماتيكية بشكل خاص بسبب مدى الطفرة التي شهدها العقد الأخير ووتيرتها، ومع انطلاق سياسة التكيف النقدية الأميركية في عام 2003 في استجابة للطفرة التقنية، شرعت موجة جديدة من التيسير المالي التي خلقت حماسة زائدة لدى المستثمرين للاستثمار في الدول الناشئة التي فتحت أبوابها ويسرت إجراءاتها في أعقاب أزمات متتابعة عصفت بالعديد منها في التسعينيات من القرن الماضي. وشهدت السنوات الأربع التالية قفزة في متوسط النمو السنوى للناتج المحلي الإجمالي في الدول الناشئة ليتضاعف إلى 7.5 في المئة، وبحلول عام 2007 حققت جميع اقتصادات الدول الناشئة نمواً، باستثناء 3 اقتصادات منها صغيرة، وحقق أكثر من 100 اقتصاد نمواً بأكثر من 5 في المئة، وهذا النوع من الطفرة العالمية المتزامنة لم نشهده من قبل، بحسب سجلاتنا، ومن غير المرجح أن يحدث ثانية.زيادة الطلب ومكافحة الانكماشوقد اعتبرت الأزمة المالية التي ضربت الاقتصادات العالمية في عام 2008 بمنزلة إشارة وتحذير لوقف الحركة الدؤوبة بين الاقتصادات الناشئة، ثم ولفترة من الوقت بدت الدول الناشئة في وتيرة مخالفة للتباطؤ الاقتصادي العالمي، حيث اعتمدت على إجراءات تحفيز ضخمة من أجل زيادة الطلب ومقاومة الانكماش في نمو الصادرات، وبحلول منتصف سنة 2009 كانت الاقتصادات الناشئة تنمو بمعدلات وصلت إلى 10 نقاط مئوية أسرع من اقتصادات الدول السبع الكبار، ولكن منذ بلوغ الأزمة ذروتها تراجعت تلك الفجوة لتصل إلى 2 نقطة مئوية فقط خلال هذه السنة، مع تلاشي أثر التحفيز وغدت مشاكل النمو الهيكلية واضحة في العديد من الأسواق الناشئة، كما أن عودة الحيوية الى الولايات المتحدة واليابان قلصت من حجم المعروض من الأموال السهلة في الأسواق الناشئة.بيد أن ذلك كله لا يعني أن قصة الأسواق الناشئة قد انتهت بصورة تامة، بل إنها عادت إلى وتيرتها العادية، وقد هبط متوسط معدل النمو بين الدول الناشئة بنسبة وصلت إلى 4 في المئة في هذه السنة، لتصل إلى 2.5 في المئة فقط في خارج الصين، واليوم أصبحت دول "البريكس" التي كانت الأكثر قوة خلال العقد الأخير بين الأكثر تراجعاً، كما أن الصين غدت في حالة انتقال من معدل نمو يفوق الـ10 في اقتصاد يتسم بتزايد الفقراء والشبان مسجلاً مستويات أكثر رصانة لاقتصاد يغلب عليه طابع الطبقة المتوسطة.وقد شهدت الصين هبوطاً في معدلات النمو إلى ما دون 8 في المئة خلال السنة الماضية، ونظراً للارتفاع السريع المثير للقلق في أعباء ديونها إلى أكثر من 200 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فقد تشهد الصين مرحلة تباطؤ في النمو تصل إلى ما بين 5 و6 في المئة خلال السنوات المقبلة. مصاعب النمو المستداموقد توالت هذه الدورات منذ الحرب العالمية الثانية على الأقل، واليوم توجد 35 دولة فقط من الدول الـ185 التي رصدها صندوق النقد الدولي ضمن البلدان المتقدمة، أما البقية فكانت "ناشئة" بصورة دائمة، ومن النادر أن تتمكن الدول الناشئة من تحقيق نمو مستدام بأكثر من 5 في المئة حتى لمدة عقد واحد من الزمن وليس لعقدين أو ثلاثة عقود، كما أن 6 دول فقط نمت بتلك السرعة لأربعة عقود متتالية.ومعظم الدول التي تحقق نمواً سريعاً لعقد من الزمن تصبح بعد وقت قصير راضية وقانعة، ومن ثم تتخلى عن الإصلاح وترجع الى حيث بدأت، وذلك هو السبب الذي يجعل متوسط الدخل في دولة مثل البرازيل- على شكل حصة من الدخل المتوسط الأميركي- ليس أعلى مما كان عليه في سنة 1960.وفي حقيقة الأمر حتى بعد طفرة العقد الماضي فإن الفجوة بين متوسط الدخل في الدول المتقدمة والناشئة كانت على السعة ذاتها في سنة 2011 كما كان حالها في الخمسينيات من القرن الماضي. وفي الوقت الراهن فإن البرازيل وروسيا وجنوب إفريقيا تنمو بوتيرة ليست أسرع من أميركا، وهو ما يمكن قوله إزاء نظرية العقد الماضي الشائعة حول "التلاقي" بين الأغنياء والفقراء.تعتبر النجاحات الاقتصادية المستدامة مسألة نادرة الحدوث، ومن هذا المنطلق يتعين على الخبراء تحليل الجوانب الاقتصادية بصورة مستقلة ومنفردة، ومع التباطؤ الذي شهدته الصين فإن الكلام الضبابي عن القرن الآسيوي المقبل يجب أن يتغير ليحل محله المزيد من التركيز على قدرة الدول على الازدهار خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة.نهاية النمو السهلالشيء الذي يعتبر جلياً بصورة متزايدة هو أن عصر النمو السهل الذي شهده العقد الماضي قد انتهى ولن تصبح كل الأسواق الناشئة دولاً خارج هذا النطاق، كما أن مسارها سيتباين بصورة كبيرة وسيتطلب الأمر قيادة إصلاحية جديدة من أجل خلق فائزين، كما شهدنا في الفلبين والمكسيك في الآونة الأخيرة فيما تتحول دول ذات قيادة مرهقة مثل روسيا والبرازيل إلى مواقع خلفية. وما من دولة تستطيع الانطلاق بحرية عبر رياح الظروف العالمية المواتية كما كانت حال العديد من البلدان في العقد الماضي، وعليها دفع ثقلها بنفسها، وأن تتذكر أن كل الأشجار لا تنمو لتصل الى السماء.* رئيس قسم الأسواق الناشئة لدى إدارة الاستثمار في "مورغان ستانلي"