كردستان بين حكمة رئيسها وشطحات معارضتها
"هنا وكاحترام لأصوات أغلبية الكتل البرلمانية ولعدم إحراجها أعلن لشعب كردستان الحبيب أنني سأقوم بأداء المهام الملقاة على عاتقي بصورة مؤقتة لحين مباشرة الدورة الرابعة لبرلمان كردستان بعملها، والتوصل إلى توافق، ومنذ الآن أطالب رئاسة الدورة المقبلة لبرلمان كردستان بالعمل بصورة سريعة على ضوء الرسالة التي أرسلتها الى رئاسة الدورة الحالية لبرلمان كوردستان في 12/ 6/ 2013.ولإيجاد آلية خلال أقل من عام للوصول إلى توافق لتعديل الدستور وآلية لانتخاب رئيس إقليم كردستان".هكذا وبحكمته المعروفة عنه تناول مسعود البرزاني إشكالية تمديد ولايته لعامين مقبلين بعد أن وازن بين التزاماته الأخلاقية في الالتزام بالاتفاقيات بين حزبه وحزب الاتحاد الوطني وأيضا التزامه حيال الأمن القومي الكردستاني، وحرصه على عدم خلق ثغرات دستورية وقانونية قد ينتج عنها بؤرة مشاكل يتسلل منها من يحاولون بناء أحلامهم على تبعات أخطاء الآخرين. لم يرفض السيد رئيس الإقليم قرار البرلمان الكردستاني تمديد ولايته لعامين مقبلين لكنه في الوقت نفسه لم يوقع عليه كي لا يفسر بأنه تشبث بالسلطة في الوقت الذي لا تمثل السلطة عنده مغنمة بقدر ما يهمه أن يبقى في صفوف البيشمركة يقدم عطاءه لهذا الشعب الذي ضحى من أجله بالكثير، وطلب من رئاسة الدورة المقبلة للبرلمان الكردستاني العمل بشكل سريع للتوصل إلى توافق بشأن آلية انتخاب رئيس الإقليم.وكما عودتنا المعارضة في كردستان فقد خرجوا للإعلام يهددون ويتوعدون باتخاذ إجراءات لم يعلنوا عنها إلا أنهم أكدوا أن جميع الاحتمالات واردة... ولا ندري هل هي هفوة إعلامية منهم ام هو خيار سياسي يفكرون به؟ فتعبير جميع الاحتمالات مفتوحة لا يقال في مواقف سياسية مثل هذه ومقابل هذا الموقف المرن من قبل مسعود البرزاني ولا أرى أن لهذا التشنج في التصريحات ما يبرره خصوصاً أن هذا التعبير يستعمل لمشاكل غير قابلة للحل أو لأزمات سياسية تهدد صميم الأمن القومي لأي مجموعة وليس لأزمات حاولت فيها أحزاب الحكومة عمل المستحيل من أجل إرضاء المعارضة.لكن يبدو أن ما قلناه عن المعارضة المتمثلة بحركة التغيير في كردستان كان صحيحاً من أن كل ما تعلمته من دروس المعارضة السياسية هي ردود أفعال متشنجة تفتقر إلى الحكمة السياسية هدفها وضع العصا في العجلة وتوتير أجواء الحراك الديمقراطي الذي يتمتع به إقليم كردستان، ويعكس أداء لا يرتقي للدور السياسي الذي يجب أن تمثله أي معارضة هدفها إصلاح ما تراه سلبيا كي تتحشد خلفها الجماهير.فالفرق في الإحساس بالمسؤولية الذي أظهرته أحزاب حكومة الإقليم وبين الأداء السياسي الفاشل لأحزاب المعارضة والتهديدات المبطنة التي يطلقونها بين الحين والآخر أعطت انطباعاً عند الشارع الكردستاني أن هؤلاء ليسوا بالجهة التي يستطيع الشعب الكردي أن يضع ثقته فيهم ليقودوه في هذه الظروف الحساسة التي يمر بها الإقليم. إن نزول الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني عند رغبة المعارضة في عدم عرض دستور الإقليم على الاستفتاء الشعبي كان موقفاً نابعاً من إرادة حقيقية لحلحلة الأزمة على الرغم من إيمانهم بأن الاستفتاء الشعبي هو الذي سيحل هذه الأزمة باعتبار الشعب هو مصدر السلطات والقوانين، وبما أن المعارضة الكردستانية تعرف حجم تأييدها الصغير في الشارع الكردستاني فأصروا على طرح موضوع ولاية رئيس الإقليم في البرلمان، وبعدما وافق البرلمان على تمديد ولاية رئاسة الإقليم لعامين مقبلين خرجت علينا المعارضة بتصريحات تهديدية غير مسؤولة.تصريح المعارضة بان الباب مفتوح على جميع الاحتمالات يعطي انطباعا بأنها مستعدة لاستيراد تجربة دول الربيع العربي إلى الداخل الكردستاني في ما إذا رأت الارضية المناسبة لذلك، وهو تماماً ما حاولوا أن يفعلوه بشكل فعلي قبل سنتين مستغلين بعض السلبيات الموجودة في حكومة إقليم كردستان لإشعال الوضع الداخلي واختلاق أزمة خطيرة كادت تطيح بكل المكتسبات الكردستانية، ولولا حرص القيادة في حكومة الإقليم وتعاملها الحكيم مع تلك الأحداث لكانت كردستان الآن تمر بنفس الظروف التي تمر بها الدول العربية حالياً.إن المعارضة في كردستان تعمل وفق مبدأ المعارضة من أجل المعارضة ومن أجل تضعيف بنية العمل السياسي فيه وخلخلة الوضع كي يفرز وضعاً جديداً يمكنهم من تمرير مآرب معينة.ويبدو أن هذه الحقائق قد اتضحت ليس للشعب الكردستاني فحسب بل حتى لأعضاء بارزين في حركة التغير بعد أن ظهر لهم الفرق بين الشعارات التي تطرحها الحركة كنظريات سياسية وحقيقة الممارسة السياسية لها، وهكذا فقد شهدنا انسحابات لكوادر مهمة فيها أخيراً، بينما في الجانب الآخر فإن الطرح الواقعي والواضح لأحزاب الحكومة أدت إلى أن تزداد ثقة الجماهير الكردستانية بهم خصوصا ًبعد البيان الأخير لرئيس مسعود البارزاني الذي كان واضحا فيه إحساسه الكبير بالمسؤولية تجاه شعبه وتجاه الظروف التي تمر بها المنطقة.نريد هنا أن نوجه سؤالاً مهماً للمعارضة الكردستانية خصوصا لحركة التغيير هو ألا تكفي تجارب الدول العربية ونتائج ما سميت بربيعها بأن تنظر أحزاب المعارضة للوضع الكردستاني برؤية أكثر وعياً وإدراكاً لمسؤولياتها؟ فعندما تتجنب طرح أي استفتاء على الجماهير ليقينك بصغر حجمك جماهيرياً وعندما يكون حجمك في البرلمان لا يساعدك على تمرير ما تراه مناسباً من توجهات سياسية... أليس الأحرى بك أن تعرف أن هناك خطأً ما في طرحك عليك علاجه؟ خصوصاً وقد علمتنا تجارب دول الربيع العربي أن الصوت العالي المعارض ليس بالضرورة أن يكون هو الصوت المعبر عن حقيقة الشعب، وما حصل في مصر دليل على ما نقول.هذه مجرد تساؤلات نضعها أمام المعارضة الكردستانية لعلهم يجدون لها أجوبة لنضع أيادينا سوياً ونعمل في جو مستقر سياسياً لبناء كردستان أجمل وأكثر ازدهاراً.* كردستان العراق – دهوك