خاتون سلمى في آخر نزلاء القمر... تتعدّد في وحدتها وتجترح الآخر منها

نشر في 20-03-2012 | 00:01
آخر تحديث 20-03-2012 | 00:01
No Image Caption
يضمّ جديد الشاعرة خاتون سلمى الشعريّ «آخر نزلاء القمر» ستّ قصائد، بعضها مجهول مكان الكتابة والآخر معرَّف عنه مكاناً: «أتلانتا – سولت لايك سيتي – بوسطن». غير أنّ جملة سلمى، على امتداد الديوان، تنتمي إلى مكان واحد هو القمر الحميم الذي يتقن الألم رسم دائرته في أعماقها.

يحرص بعض الشعراء على إثبات اسم المكان الذي كتبوا فيه القصيدة، وكأنّ الأمكنة تنجز بذكرها إضافات إلى النصوص. بينما يشعر القارئ أنّ قصائد الديوان الواحد كُتِبَت في مكان واحد وهو الشاعر الفائض على المكان بظلاله، وأنّ أسماء الأمكنة المتعدّدة تظهر عجز الجغرافيا على تعدّدها عن التأثير في جغرافيا الشاعر الأولى التي تجتاز الماديّ إلى ما هو طاعن في الوجدان وقادر على التنقّل في حقيبة الشاعر من بلد إلى آخر.

تستهلّ خاتون سلمى بوحها في «آخر نزلاء القمر» محاصَرة بذاتها، محاوِلة أن تحدّد هويّتها على شرفة الخطاب: «هل كنتُ المتكلّم/ أم المخاطَب؟/ هل ما زلتُ الجرح يعبث بصدإ الشَّفرة؟»، فالألم جعلها جرحاً وفيّاً لشَفرة يلهو بصدئها ولا يستطيع اجتيازها إلى ما يمكن أن يكون بعد الألم: «كنبيّ الطيور المهاجرة/ ألوّح بسياط العناصر»، إلاّ أنّ راعي الطيور المهاجرة أسيرُ شرفة الشوق والهذيان: «وكي أقوى على هذا الاقتراف/ ما زلت على شرفة الشوق أَهذي»... مسمَّرة هي الشاعرة، تلوّح بيديها وعينيها، وتستمرّ قدماها عاجزتين عن الخطو لأنّهما تمتدّان عميقاً في تراب الحزن: «أهكذا يولَد الحزن/ على أسرَّة الغرباء/ فوق بلاط مرقَّط/ والطفلة تعيد يدي الدمية/ إلى وجع المساء؟».

إنّها الطفولة تحطّ على كتف خاتون طيراً لم يأخذ منقاره حصَّته من ماء العاطفة، فالطفلة التي تستحضرها الشاعرة منقوصة الأصابع، وعلبة الحروف في لغتها غربال لم يحتفظ من الحروف بما يكفي لصياغة حضن دافئ: «لم يكن لديها من الأصابع ما يكفي/ كي ترسم غيماً/ لم يكن لديها من الحروف ما يكفي/ كي تسمّيه حضناً».

وخاتون تحترف التعدّد في وحدتها، تجترح الآخَر منها، تملأ من ذاتها فراغ ذاتها: «... أن تمدّ يدك ليدِك/ تلوّح ماضياً نحو اللاشيء»، وتفتح شراعها نحو شاطئ لن يكون، وتمضي وهي واقفة تحت سماء عارية إلاّ من الحنين على رغم أنّها واحدة من نسل الرّيح: «أبناء الرّيح كنّا/ أنجبتنا شمس لا تعي حرائقها/ أرضَعَنا القمر أثداء الذئاب/ لنكبر»... فهل ترثي خاتون بهذا الكلام براءة افترَسَها العمر معترفة بأنّ حليب الذئاب الحرام ملأ كأس الحبّ الحلال؟! وإلى الرمزيَّة اللمّاحة على غير وضوح تلجأ الشاعرة للغمز من قناة السياسي والدينيّ فتذكر: «مهرّج البلاط» المخبِّئ في الضحكة خبث الحزن، و{الشيخ» الذي: «فرّ بالهدايا/ بالقمر والنجمة/ بشمع الزوايا». وتحت قرميد الفجيعة تعود خاتون إلى ذاتها لترتديها وتواصل تأليف الحياة وتدجين الوحدة في غرفتها النائية: «مكتسية بي/ أجيد الحياة/ قصيدتي ندبة من ورق/ غرفة نائية/ لآخر نزلاء القمر».

حكاية امرأة

في قصيدة «حين نظرت إليّ أديل» تروي خاتون بعضاً من حكاية مع امرأة، بعيداً من لبنان، اسمها «أديل» وهي بحسب سياق الكلام يهوديّة: «بوق وشمعدان وصورة حاخام/ إلهي على صليب كنتَ/ بين طيّات قرآن/ ساعدني كي أغفو على سرير أديل». وتحاول الشاعرة بهذه الرمزيَّة الدينيّة الجامعة أن تعلن عن انتمائها عميقاً إلى الإنسان، وأن تتخلّص من الإرث الشرقيّ الثقيل الذي جعلته السياسة الأميَّة والتعصّب الغرائزي ينظر بعين العنصريّة والثأر والحقد... لم تستطع خاتون أن ترى أديل حقيقة، لأنّها مثقلة بما يمنعها من ذلك، فبيتُها: «خرافة غافية» وهو مملوء بـ «الضباب الأخضر»، لكنّها نظرت إليها وإلى بيتها وأشيائها بعين تطارد التفاصيل الصغيرة كعيون المحقّقين ورجال الأمن: «مكنستها الصفراء أمام العتبة/ كرسيّها الخشبيّ الهزّاز/ أرجوحة للنوم/ رَسْمُ كلمات على طاولة القهوة»... بينما يخفق في صدرها قلب متفرّغ للحبّ، يحتفظ بالمشاهد ورحيقها مثلما تحتفظ العصافير بالأشجار بين أجنحتها: «أنا الشرفة العمياء/ غادرتني الغرف والأسرّة البيضاء/ وحدها العصافير تفهم/ تحمل الشجر وتختبئ بعيداً/ بعيداً في غابات القلب»...

ومع قصيدة «الأمير الصغير»، تعود خاتون إلى الحبّ بضباب موشوم بظلمة العَدَم، بكلّ ما لِلاّ وصول من ألوان قاتمة: «حدّ الزمن من دخانه/ ارسم لي نافذة/ لأرعى نومك». من نافذة مرسومة بريشة الدخان تطلّ الشاعرة على أميرها الصغير وتسوق قطعان النوم إلى عينيه المبحرتين عنها إليها. إلاّ أنّ هذه النافذة سرعان ما يصادرها قمر يفترس الحقيقة لأنّ دائرته مدينة لأنياب الذئب الساكن عويلَه خيمة في غابة الوهم: «ذئبُ منتصف الوهم/ استدار قمره/ هل رأيتم وردة الروح / وهي تهرول في أروقة المطارات؟».

وديان الحزن

و{في غفوة المنغوليا» تنزلق خاتون إلى وديان الحزن السحيقة، وتنسج من الضباب ثياباً غجريَّة بريئة من هذا العالم: «في غفوة المنغوليا/ خفرٌ حزنٌ/ عزفٌ/ لا يتقنه سوى غجر الروح»، وتسعى إلى الانسحاب من خريف مزمن يفترش بساط روحها بغسل وجهها بالأخضر: «ربيع يتساقط/ أمسح وجهي ببقايا الأخضر/ علّني أعود من جديد» فهل يستطيع الخارج المحمول على أجنحته الربيع غزو الداخل الذي لم يعد قادراً على الاحتفال بنعمة الاحتراق: «عبق الدخان في رئتيّ/ أين حرائقي؟/ من أطفأني؟» ولا تخفي خاتون أنّ اتّجاهاتها أمست متشابهة لأنّها فقدت كلّ ما يهدي إليها وعداً بالوصول: «بوصلة وجودي أصابها الدوار»، وهي تفقد بالتالي ملامحها الهشّة في هويّة نقدت طيور الغربة كلماتها، وتتحوّل واحدة من حريم القصور لا ينقصها سوى المرأة التي يجب أن تكونها، سوى أن تنجو من لعنة الرّقم الذي يفصلها عن ظلّها وصوتها ويديها: «من الغرفة رقم 456 /أتسلّل/ كحريم القصور/ بسجائري/ كهويّة برسم القيد/ دفتري المنهك/ دفء روحي/ وجمر يدي»... إلاّ أنّ الشاعرة، استغلَّت غفوة المغنوليا لتتحرّر، ولو قليلاً، من ماء حزنها وتنزل جرّتها، ولو تحت سماء الوهم، في بئر خرافيّة الخرير: «كيف خلعتُ أجسادي المتراكمة؟/ إلى نسيج جلدي/ أعدتُ رائحة الحبّ»... وسرعان ما تعود خاتون إلى شرنقتها الأولى، إلى قاموس ترتجف كلماته من صقيع الوجود: «وجعٌ قارس/ نفقٌ تلو نفق/ لقاءات موحشة/ تحرّك كجثث»... وكلّما عمّقت انتسابها إلى فردوس الضياع وعواصم اليأس والغربة كلّما أطلّ من رمادها جمر الحبّ بأعناق شهيّة: «نافذة تمضي بي/ هو في مكانه/ هم في المقعد الخلفيّ/ وأنا عائلة»...

في «آخر نزلاء القمر»، حاولت الشاعرة خاتون سلمى أن تقول الغربة والحنين، الحبّ واللاوصول، الانتماء والوطن المفقود... وذلك برمزيّة تترك للمتلقّي نوافذ يطلّ منها على حدائق المعنى وإن تكن هذه النوافذ، أحياناً، لا تتّسع للوجه وحده.

back to top