تذكار عُمر الأنسي في بيروت... شاعر النور
دعا «مركز التراث اللبناني» في الجامعة اللبنانية الأميركية إلى لقاء بعنوان «كي نتذكر عمر الأنسي.. ريشة النور اللبناني». والذي سيقام مساء الاثنين 11 يونيو الجاري في القاعة 904، يفتتحه مدير المركز الشاعر هنري زغيب ويشارك فيه الناقد فيصل سلطان بمداخلة بعنوان «تحوّلات لوحة المنظر في فن الأنسي»، الباحثة إلسا غصوب: «لوحة الجنّة... وسائر العري»، والفنان التشكيلي جوزف مطر: «ذكرياتي مع عمر الأنسي». سلسلةَ الأَنشطة الدَّورية 2011 – 2012 للجامعة اللبنانية الأميركية ختامها مسك مع الرسام اللبناني عمر الأنسي (1901 ـ 1969) صاحب اللوحة عارية الألوان إذا جاز التعبير، وهذا التكريم ليس الأول للرسام فسبق أن افتتحت حديقة عمر الأنسي في شارع الكبوشيّة في بيروت، بين الحائط الشرقي لمبنى السراي الحكومي ونافورة الماء الموجودة ضمن الرصيف العام للشارع نفسه، وقد توسطها تمثال نصفي لهذا الفنان صاحب مدرسة مميزة في الانطباعية أثرت في الأجيال المتعاقبة، ولا تزال بصمتها حاضرة في تقنية الريشة واللون إلى اليوم.
نفذ التمثال الذي نصب فوق قاعدة رخامية في الحديقة التي حملت اسم عمر الأنسي النحات اللبناني نبيل حلو، وهو من البرونز بالحجم الطبيعي لقامة كاملة لرجل يبلغ طوله 172 سنتمتراً. ولا ضرر في القول إن مشهد تمثال الأنسي في شارع الكبوشية يعتبر من المشاهد الأرقى في بيروت، إذ يجمع بين الثقافة والطبيعة والهدوء ويخلو من الاستفزازات التي يحملها بعض التماثيل الضخمة، وهو يتسم بالحياد. ربما لا يعرف كثر من زوار تلك المنطقة عمر الأنسي، هذا الرسام الذي أطلق عليه لقب «شاعر النور»، والذي باتت لوحاته في قبضة مالكيها أو هي مشتتة ولا تعرف الأجيال الجديدة شيئاً عنها، أو لنقل إن بعضها تحول إلى «كارت بوستال» فيه من الرونق ما يكفي. ويتزامن تذكار الأنسي في بيروت مع معرض يقيمه العالم العربي في باريس بعنوان «الجسد المكشوف» يتضمن لوحة للأنسي بعنوان «درة الجلجول».الواقع والحلماشتهر الأنسي في استعمال الألوان المائية، ولم يجاريه في هذا المجال فنان لبناني آخر. أحب المرأة، ورسمها، فكان العري بالنسبة إليه رمزاً لجمالية فنية، وليس مصدراً لإيقاظ الغرائز. لذلك، غالباً ما كان يرسم المرأة العارية، بعيداً عن الإباحية، ومستترة الوجه. وقد تميزت ريشته في هذا المجال، كما في رسم الطبيعة بالشفافية وبالألوان النورانية التي تضفي هالة سامية على المنظر الطبيعي أو على المرأة العادية. أحب بيروت إلى حد العشق والذوبان فيها، فرسم بيوتها، وسراياتها، وساحاتها، وأسواقها، وبحرها الساكن حيناً والهائج حيناً آخر. ومنها، انطلق، متسلحاً بهذا الهوس، يرسم الجبل الشامخ، وسهل البقاع، وصخور كسروان، وعيون السيمان، وغابات الأرز، والفلاحين، وبائعي الحليب، ومشاهد أخرى من عمق التراث.ولد عمر الأنسي في بيروت عام 1901، والده الدكتور عبد الرحمن الأنسي، وجده الشاعر عمر الأنسي، أحد شعراء النهضة في القرن التاسع عشر، وصاحب ديوان «المورد العذب». بدأ في مطلع شبابه دراسة الطب، إلا أن حبه الرسم دفعه إلى ترك مهنة والده والانكباب كلياً على الرسم.في عام 1920، ارتاد محترف الفنان خليل الصليبي وتتلمذ على يديه، وسافر في عام 1922 إلى الأردن حيث مكث خمس سنوات عند ابن عمه محمد باشا الأنسي، رئيس الديوان الملكي ومدير الثقافة والمعارف، درّس خلالها الأمير طلال اللغة الإنكليزية، وقد تأثر كثيراً بطبيعة الأردن وفلسطين ورسمهما. زار بلاد الشام، وجال في ربوعها، وأقام فيها، فكان لطبيعة أبنائها ومعالمها الأثرية والتاريخية وأسواقها وجوامعها ومناخها، وقساوة باديتها الأثر الكبير على رسومه، فخلدها واتقنها.عام 1928، سافر الأنسي إلى باريس وأقام فيها ثلاث سنوات، ارتاد خلالها الأكاديميات الفنية (جامعة سان جوليان)، واشهر المحترفات، وهناك، تعرف إلى النحات يوسف الحويك الذي تبناه وأقام له معرضاً في العاصمة الفرنسية، باع خلاله جميع لوحاته. وتخليداً لإعجاب الحويك بفنه، أنجز تمثالاً نصفياً له، وهو موجود حالياً في منزل منصور الأنسي. في باريس، رسم الأنسي الطبيعة، وركز على رسم العاريات. شارك في معارض في لبنان وفي الخارج ونال أوسمة عدة منها وسام الأرز الوطني (1956) في عهد الرئيس كميل شمعون.قالوا فيه«عمر الأنسي فنان وفيلسوف، وله الأسبقية في رفع مستوى الفن التشكيلي المشرقي». يوسف الحويك«لوحة الأنسي أكثر حرية من لوحة مصطفى فروخ، ولا تعترف إلا بدستورها الإنساني والوطني».رفيق شرف«لنجرب للمرة الأخيرة الماء والزهور والصخور، المرأة، الرجل، الطير، الغزال، التفاحة، الدار، الحديقة، الساقية، النبع، البحر، الشاطئ، الجبل، الأزرق، الأصفر، الأخضر، البني، الأصفر، الليلكي، الحب، البغض، السلم، الحرب، الشرق، الغرب، الأمل، اليأس، الحب، الحب، الحب.. عمر الأنسي».أمين الباشا«يرتبط فنّ عمر الأنسي بالطبيعة اللبنانية، متأثراً بالانطباعية التي شهد مجدها لدى زياراته محترفات باريس وروما. وهذه الانطباعية هي التي دفعت الأنسي إلى جعل المنظر الطبيعي موضوع لوحاته، متعمّداً فيها بلوغ مواصفات لونية تلتقطها العين في الطبيعة اللبنانية. لذلك تتّصف ألوانه بشفافية تتزاوج مع الانفعالات الشعورية والانطباعات البصرية، فتكتب القماشة العابرة اللون في مراحل مختلفة وفق تأثر المنظر الطبيعي بالضوء المشرق الذي يتبدّل عابراً من الصباح إلى المساء، ومختلفاً بحسب دورة الفصول.بهذه وبسواها، تتركّز أعمال عمر الأنسي في صميم الفن اللبناني الهوية، فيرتبط موضوع لوحته بواقعها اللبناني في محاولة تشكيلية جادة ببناء صياغة لبنانية للريشة، ولغة لبنانية للوحة، وأبجدية لبنانية للفن».نزيه خاطر