نمط الحياة الغربي يخلّ بتوازن الجسم الجرثومي

نشر في 03-10-2012 | 00:02
آخر تحديث 03-10-2012 | 00:02
No Image Caption
تؤدي تريليونات من البكتيريا التي تعيش في الجسم البشري وعليه دوراً حيوياً في الحفاظ على الصحة. لكن تبين أن الولادة القيصرية، والمضادات الحيوية والنظافة المفرطة أمور تضرّ بالتوازن الميكروبي في جسمنا وقد تساهم في أمراض الأمعاء، والسمنة، والحساسية ومرض التوحد. يورغ بليش كتب الحقائق التالية في «شبيغل».
في حوض الأمازون العميق، حيث ما زال الصيادون التقليديون يعيشون، أعطى الباحثون السكان الأصليين درساً في علم الأحياء. استخدموا الملصقات ليشرحوا لسكان الغابات المطيرة أن الإنسان لا يعيش وحده أبدًا، فتعيش على أجسامنا وداخله مخلوقات صغيرة غير مرئية، تعرف باسم البكتيريا وقد تكون مفيدة للغاية.

شكَّل الدرس جزءًا من مشروع البحث في بكتيريا السكان المحليين. ماريا غلوريا دومينغيز بيلو من جامعة بورتوريكو واحدة من علماء الأحياء المشاركين في البحث، قالت في هذا المجال: «عندما طلبنا من الناس عينات من برازهم، ضحكوا». لكن نجح الباحثون في اكتساب ثقتهم، وسمح لهم سكان 10 أكواخ بأخذ عينات، ليس من البراز فحسب، ولكن أيضًا من اليدين والقدمين، والأنف والفم.

يهدف البحث عن الميكروبات إلى إلقاء الضوء على طبيعة النبيت الجرثومي البشري الأصلي. لم يسبق أن حصل أي اتصال بين الأشخاص الذين سيخضعون للاختبار والحضارة الخارجية. فالبكتيريا التي يحملونها هي نتاج شبه نقي من التطور. يُشار إلى أن الكائنات الدقيقة تساعد على هضم الطعام، إمداد الجسم بالفيتامينات وتدريب جهاز المناعة، ودرء مسببات الأمراض الضارة.

لكن، كيف تتفاعل هذه العناصر الصغيرة المفيدة عندما يتعرض المضيف إلى نمط حياة غربي؟ للإجابة عن هذا السؤال، لم يأخذ الباحثون فقط عينات من السكان التقليديين الذين يعيشون في الغابات المطيرة، ولكن أيضًا من أشخاص يعيشون في أماكن على درجة عالية من التطور في حوض الأمازون، في مستوطنات كبيرة، في إكيتوس عاصمة مقاطعة البيرو، وفي ماناوس، المدينة البرازيلية التي يبلغ عدد سكانها ما يقارب مليوني نسمة.

لا يزال تحليل العينات الـمئتين التي جُمعت مستمرًا في مختبر أميركي. لكن، قد تشير النتائج إلى أن نمط الحياة الغربي يضرّ بالمستعمرين الجرثوميين. في الواقع، استخدام المضادات الحيوية إلى جانب ارتفاع عدد الولادات القيصرية، والشعبية المتزايدة لتكوين الأسر الصغيرة والنظافة المفرطة تهدد المساعدات المجهرية. وتقول دومينغيز-بيلو: «نعتقد أن هذه التغييرات (في التنوع الميكروبي) قد تكون وراء بعض أكثر الأمراض شيوعًا والمرتبطة بالحداثة».

يعبِّر مارتن بليزر عن مخاوف مماثلة، وهو أستاذ علم الأحياء الدقيقة في جامعة نيويورك في مانهاتن، شارك أيضًا في بعثة إلى منطقة الأمازون. يقول في هذا السياق: «لم تحتوِ أجسادنا على البكتيريا من قبيل الصدفة، لا بد من سبب لوجودها». «إلا أن بعضًا من هذه العناصر المفيدة يختفي. نتيجة لذلك، يتغير علم وظائف الأعضاء البشرية وبالتالي تتغير صحة الإنسان».

بهدف عرض هذه المخلوقات المتناهية الصغر كالكائنات الممرضة، استخدم الأطباء وعلماء الأحياء عصيات تزن 0.000000000001 غرام فقط ولكن يمكنها قتل إنسان يزن 100000 غرام. لكن اعترف العلماء بالأهمية الحيوية لهذه الكائنات الحية الدقيقة التي ترافقنا يوميًا. فالتوازن بين هذه العناصر المقيمة الدائمة ومضيفها الإنسان أمر حاسم للحفاظ على ما نسميه صحة جيدة.

بحسب ويليم دي فوس، خبير في علم الأحياء الدقيقة في جامعة فاغينينغين في هولندا: «لطالما بحثنا في العناصر المضرة». «لكن الآن، نحن نبحث في العناصر المفيدة لفهم كيفية الحفاظ على صحتنا».

الكائن الحي الخارق

حتى وقت قريب، لم يكن الباحثون قد اكتشفوا بعد الكائنات كافة التي تزحف داخل أجسامنا وعلى سطحه. وبما أنه لا يمكن زراعة عدد كبير من الكائنات الحية الدقيقة في طبق بشري، ظلت مجهولة. لكن يمكن الآن تعريف هذه الكائنات المستعمرة على أساس عينات صغيرة من المواد الوراثية. وبفضل وسائل متطورة، يمكن أن يستخدم علماء الأحياء المجهرية أصغر آثار من الحمض النووي، كما هي الحال في بقعة من الجلد أو على لوحة الأسنان، لتحديد أنواع مختلفة من البكتيريا.

في أوروبا والصين والولايات المتحدة، فهرس الباحثون الكائنات المستعمرة المأخوذة من مئات من الناس، وتبين وفقًا لهذه النتائج أن كل إنسان يعيش في فقاعة ميكروبية، وبالإضافة إلى الفيروسات والطفيليات والفطريات، يستعمر أكثر من 100 تريليون من البكتيريا، التي تنتمي إلى أكثر من 1000 نوع، سطح الجلد وطبقاته في أجسادنا. أنها تمتلك جينات أكثر بمئة ضعف من التي يحتوي عليها المضيف الكبير.

من وجهة نظر خبير في الميكروبيولوجيا، الإنسان العاقل ليس فردًا ولكن، بدلا من ذلك، هو كائن حي خارق يزدهر فقط لأن أفراد هذه الجماعة عاشوا معًا منذ العصور البدائية. تساهم البكتيريا المعوية بنسبة 36 في المئة من الجزيئات الصغيرة الموجودة في دم الإنسان. تعالج هذه الكائنات الدقيقة جزيئات السكر النباتي وبالتالي توفر 10 في المئة من متطلبات السعرات الحرارية لنظام الإنسان الإيكولوجي. يشكل مجموع سكان الجسم، أي مجهريات البقعة لدى الإنسان، عضوًا مستقلاً. يبلغ وزنه كيلوغرامين لذلك هو أثقل من الدماغ، ويمارس نشاطً كيماويًا حيويًا مماثلاً لنشاط الكبد.

تطور هذا الكائن الحي الخارق على مدى ملايين السنين، ولم يتفق مع بعض الابتكارات في العالم الحديث. فقد تدمِّر المضادات الحيوية مثلاً البكتيريا الخطيرة، لكن للأسف، تؤثر أيضًا على البكتيريا المفيدة. يكفي تناول اثنين فقط من دورات العلاج بسيبروفلوكساسين، المضادات الحيوية الاصطناعية، لتوجيه ضربة موجعة إلى مجهريات البقعة. ورغم أن نمو البكتيريا المعوية يتراجع، فإن من المعروف الآن أنها لا تستعيد درجة تنوعها الأصلية.

مع ذلك، لا تزال المضادات الحيوية توصف للمرضى بلا مبالاة. في الولايات المتحدة، تبين أن الطفل يتناول المضادات الحيوية من 10 إلى 20 مرة قبل أن يبلغ من العمر 18 عامًا. وقد دفع هذا الباحث مارتن بليزر المقيم في نيويورك إلى أن يتحدث عن «مجهريات البقعة لدى الإنسان التي تختفي». في المجلات الطبية، حذر الأطباء من أن التكافل الصحي الطبيعي في الجسم، يتحول في حالات كثيرة إلى اختلال التوازن الميكروبي الموهن.

اختلالات ميكروبية خطيرة

غالبًا ما يكون الأشخاص المتضررون من هذه الاختلالات الميكروبية عرضة لاضطرابات الحساسية، والالتهاب المزمن في الأمعاء الدقيقة، وسرطان الأمعاء، وداء السكري من النوع الثاني والسمنة المرضية. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن النبيت الفقير قد يشكِّل حتى عاملاً مساهمًا في ألزهايمر والباركنسون والتصلب المتعدد ومرض التوحد.

عند الولادة، تتوضح طبيعة الحياة الميكروبية المعقدة والدقيقة. عندما ينزلق الوليد من خلال قناة الولادة، يتم تلقيحه تلقائيًا من البكتيريا المكونة من مهبل الأم، على وجه التحديد البكتيريا التي يتطلبها الرضيع لإكمال عملية هضم حليب الأم.

لكن خلال الولادة القيصرية، لا يمكن لهذا الاستعمار الطبيعي أن يحدث. يتم استعمار الطفل عشوائيًا، وغالبًا من خلال البكتيريا المحمولة جوًا من الأسطح داخل غرفة الولادة.

تختلف مجهريات البقعة لدى الأطفال الذين خضعوا لولادة قيصرية عن أقرانهم المولودين بشكل طبيعي حتى بعد سبع سنوات كاملة على الولادة. ويقول بليزر: «اختفاء الميكروبات التي تؤدي أدوارًا فسيولوجية في وقت مبكر من الحياة أمر مثير للقلق».

فضلاً عن ذلك، أشارت دراسة أجريت على 1255 زوجًا من أم وطفل في ولاية ماساشوستس الأميركية إلى زيادة في وزن الجسم. من الأطفال الذين ولدوا بطريقة طبيعية، كان 7.5 في المئة يعانون السمنة المفرطة في سن ثلاث سنوات بالمقارنة مع 16 في المئة من الأطفال الذين ولدوا بطربقة قيصرية.

استنادًا إلى التجارب على الحيوانات، اكتشف بليزر أن الاستعمار الجرثومي غير الطبيعي قد يسبب الوزن الزائد. أطعم الطبيب الفئران جرعة قليلة من المضادات الحيوية لأسابيع عدة، ثم درس أنماط استعمارها. غيرت الأدوية تكوين البكتيريا المعوية وبالتالي غيرت أيضًا تمثيل الحيوانات الغذائي. وتبين أن البكتيريا لدى الفئران التي عولجت نشَّطت جينات أكثر تحول السكر إلى دهون.

المزارعون على دراية بهذه الظاهرة، فقد خلطوا المضادات الحيوية في أعلاف البقر والدجاج لتعزيز النمو وتسمين الحيوانات بسرعة أكبر وهي ممارسة محظورة الآن في ألمانيا. يفترض بليزر أن لهذه الأدوية التأثير نفسه على الأطفال، وأضاف: «بدلاً من إعطاء جرعات منخفضة من المضادات الحيوية بشكل مستمر في المزرعة، نعطي أطفالنا جرعات عالية»، وجاء ذلك في مقال في Nature Reviews Microbiology في عام 2009.

كذلك توصلت دراسة أجريت على 11000 طفل نشرت في المجلة الدولية للبدانة إلى النتيجة نفسها. وفقًا للنتائج، الأطفال الذين عولجوا بالمضادات الحيوية خلال الأشهر الستة الأولى من حياتهم معرضون بنسبة 22 في المئة أكثر من غيرهم إلى السمنة في سن الثالثة.

بالإضافة إلى زيادة وزن الجسم، يمكن أيضًا لاختلال التوازن الميكروبي أن يكون متصلاً بالتعرض لاضطرابات الحساسية والتهاب الأمعاء. يحتاج الجهاز المناعي إلى الاتصال بالبكتيريا المعوية كي يتمكَّن من التمييز بين الخلايا الخارجية وخلايا الجسم نفسه. إذا تقلص تنوع البكتيريا، يتعلَّم الجهاز المناعي الدروس الخاطئة. ويصنف خلايا الجسم نفسه على أنها خلايا خارجية، تطلق الحساسية.

يعاني كثر من مرضى التوحد مشكلة في السبيل الهضمي أيضًا. لا يعرف أحد السبب بالضبط، لكن يبدو أن الأفراد الذين يعانون التوحد يحملون بكتيريا معوية مختلفة عن الناس الأصحاء. مثلاً، يفتقدون إلى البكتيريا على شكل عصا. يعتقد الباحثون في جامعة كولومبيا، في نيويورك، أن هذا الأمر يسمح للميكروبات الضارة بالتكاثر. فحصوا النبيت المعوي لدى 23 طفلاً يعانون التوحد واكتشفوا في 12 من العينات بكتيريا تسمى Sutterella، لا تنتمي إلى حيث وجدت.

تخصيب النبيت الجرثومي

أكثر من 25 مرضًا ومتلازمة مختلفة، تتراوح بين ألزهايمر وتصلب الشرايين والروماتيزم والاكتئاب، تم ربطها بالنبيت المجهري غير الطبيعي.

إنه خبر سار للصناعة الغذائية، التي تبيع فعلاً ما يسمى بالمشروبات والزبادي البروبيوتيك والتي تحتوي على بكتيريا حمض اللبنيك، ويزعم مصنعوها أنها تحسن النبيت المعوي. لكن تقول دراسات مستقلة إن هذا هراء، لأن البكتيريا التي يتم تناولها مع الغذاء عادة لا يمكن حتى أن تستعمر الأمعاء. وقد أظهرت التجارب على البشر، بغض النظر عن تناول الزبادي البروبيوتيك يوميًا أم لا، أن هذه المنتجات لا تتمتع بأي تأثير على تكوين مجهريات البقعة لدى متناولها.

تتمثل طريقة واعدة في نقل البكتيريا من براز شخص سليم صحيًا وزرعها لدى المتلقي. خلال المعالجة بالجراثيم البرازية، يتم فحص المواد المتبرع بها للتأكد من خلوها من الطفيليات، مثل الديدان الشريطية، يتم تحريكها في محلول ملحي وتعطى عن طريق أنبوب أو حقنة شرجية. ويوصى باللجوء إلى هذه الطريقة لعلاج الإسهال المزمن. ويقول الباحثون إنه يمكن في أحد الأيام أن تستخدم أيضًا لعلاج السمنة والسكري.

أجرى ويليم دي فوس، من جامعة فاغينينغين أخيرًا دراسة على 18 رجلاً كانوا يعانون السمنة المفرطة، وتمثيل غذائي للسكر غير طبيعي. حقن الباحثون نصف المرضى ببراز مانح نحيل وسليم في أمعائهم. أما الآخرون فشكلوا مجموعة المراقبة وتم إعطاؤهم عينات من برازهم.

بعد ستة أسابيع، حصل الأشخاص الذين يعانون السمنة والذين تلقوا برازًا غريبًا على نبيت معوي أغنى. وأظهر ما لا يقل عن 16 سلالة بكتيرية نموًا قويًا. فضلاً عن ذلك، أصبح التمثيل الغذائي للسكر طبيعيًا أيضًا. في المقابل، لم تظهر أي تغييرات مماثلة بين الأفراد في مجموعة المراقبة.

يبحث دي فوس عن سلالات بكتيرية مفيدة خاصة، ينوي استخدامها لتطوير عملية زرع مجهريات البقعة الرائدة. يمكنه الاعتماد على مجموعة من أكثر من 5000 عينة. لكن هذه الجذوع تنتمي إلى أشخاص من دول مثل ألمانيا وفنلندا والولايات المتحدة وقد يكون دمرها نمط الحياة الغربي.

كان دومينغيز-بيلو وبليزر يبحثان في الموقع المناسب تمامًا. يأملان في أن تأتي الصيغة الفضلى للعلاج البرازي من الغابات المطيرة في أميركا الجنوبية.

back to top