عودة كفاحي في ألمانيا... النازية ما زالت بيننا

نشر في 03-05-2012 | 00:02
آخر تحديث 03-05-2012 | 00:02
No Image Caption
ذكرت وكالات الأنباء أن من المفترض أن تسقط حقوق ملكية كتاب «كفاحي» الذي ألفه أدولف هتلر خلال فترة سجنه في عام 1924، بعد محاولة انقلاب كان قد قام بها آنذاك. وفي نهاية عام 2015، أي بعد 70 عاماً على وفاة هتلر (ولاية بافاريا هي الولاية الوحيدة التي كانت مخولة بحقوق ملكية الكتاب)، سيصبح نشر الكتاب متاحاً، وفي الإمكان طباعته وتوزيعه في ألمانيا قانونياً في حدود عدم الحث على الكراهية أو العودة إلى تمجيد النظام النازي المحظور.

لا شك في أن كتاب «كفاحي» علامة عار في التاريخ الإنساني، وهو أحد الإصدارات الأيديولوجية القاتلة التي انتشرت بقوة في خضم صراعات الأمم والأيديولوجيات والقوميات والأعراق. يقول البعضهم إنه لا يوجد كتاب قاتل بل ثمة قتلة! تؤخذ وجهة النظر هذه في عين الاعتبار، لكن مسارات البشرية تقوم على الثقافات والأديان والأفكار والأيديوجيات، وحين تقدر الدعاية «الغوبلزية» - الهتلرية على فرض «أفكارها» القاتلة، يصبح من البديهي الحديث عن «الكتب القاتلة»، والأفكار القاتلة التي ذهب ضحيتها ملايين الأشخاص، تارة باسم الإنسانية وتارة ثانية باسم التفوق العرقي وطوراً باسم الجهاد المقدس والثورة المجيدة والمظفرة.

تزدهر المكتبات العربية والعالمية بالكتب القاتلة أو التي تحمل في طياتها دعوات غير مباشرة إلى فعل القتل، والبشر أصحاب النزوات مهيئون لكل أنواع البشاعة والعنف، يستعملون الغرائز الدفينة حين تحضر الأفكار والأيديولوجيات التي تشجعهم أو تشكل غطاءً لهم. ألم يستطع بن لادن أن يعيث بالعالم خراباً من أفغانستان إلى نيويورك باسم الجهاد فيما قتلت الخمينية الكثيرين باسم «تصدير الثورة»؟

لماذا الحماسة الكبيرة لدى الشعوب تجاه الكتب القاتلة؟ كأنها تعبر بذلك عن سؤال الوجود ومأزقه وخواء يلف البشر. كأن الكتب إشارة إلى وهن البشر من جهة ووحشيتهم من جهة ثانية، ومسار «كفاحي» دليل على ذلك، فمن غير المنطقي أن ينتشر هذا الكتاب بقوة على طول أوروبا وعرضها ويمتد إلى البلدان العربية، ومن غير المنطقي أن ينضوي فيلسوف مثل هايديغير مع النازيين على رغم أنه أحب الفيلسوفة اليهودية حنة آرندت. وتقوم «فلسفة» كتاب «كفاحي» على الجمع بين عناصر السيرة الذاتية والشرح التفصيلي لنظريات هتلر النازية، ترادفت شخصية السلطة في زعامة هتلر بنوع حقيقي من التأليه، بالعودة إلى إحياء أشكال قديمة جداً لسلطة الملوك- الآلهة. والزعيم، وفق هذا المنظور، عالم بكل شيء وكل ما يقوله هو الحقيقة، وكل إرادة تصدر عنه هي بمثابة قانون للحزب والدولة.

الكيان القومي

مع هتلر تغدو حقيقة العالم هي حقيقة العرق الجرماني الآري في مقابل الأعراق الأخرى، ومن هنا معاداته للسامية- اليهودية جنباً إلى جنب مع معاداته للشيوعية باعتبارها أحد تجليات اليهودية المتلبسة بالشيوعية؟ ذكر هتلر في «كفاحي»: «العقيدة اليهودية المعبر عنها في التعاليم الماركسية لا تعتبر بالمبدأ الأرستقراطي وتضع كما تنكر أهمية الكيان القومي والعنصري، مجردة البشرية من العناصر التي لا بد من وجودها لاستمرارها وبقاء حضاراتها. فإذا اعتمدت هذه العقيدة كأساس للحياة، فإنها ستقرض كل نظام وتعود بالجنس البشري إلى عهد الفوضى واختلاط العناصر مما سيؤدي إلى انقراض البشر، وإذا قدر لليهودي من خلال إيمانه الماركسي (...) أن يتغلب على شعوب العالم فلن يبقى للبشر من أثر على سطح الأرض». هذه هي أفكار هتلر النازية، القومية العنصرية: نقاء العرق، الأرستقراطية، فلسفة القوة... وقد ترافقت هذه السياسة بالدعوة إلى الاستعمار والتوسع بذريعة إقامة مجال حيوي للأمة لو على حساب الشعوب الأخرى. لكن هتلر، خسر في «لعبة الأمم».

لم أستسغ يوماً قراءة كتاب «كفاحي» ولم أفكر في اقتنائه في مكتبتي، لكن اطلعت عليه عرضياً في أحدى المناسبات. كان كافياً أن أقرأ مساوئ النازية في العالم لأنفر من كتاب مؤسسها، والغريب أن ثمة حماسة لدى الجمهور العربي في قراءة كتاب «كفاحي»، خصوصاً بعض القوميين السوريين والذين يريدون «رمي اليهود في البحر»، واللافت أن بعض المكتبات يطبع كتاب هتلر ويضعه في الواجهة باعتباره أيقونة.

لا تنحصر القضية في الإقبال على هذا الكتاب، فالكتب تبقى من الأمور البسيطة مقارنة بحضور شبح النازية في العالم وفي أفعال معظم الطغاة من العالم العربي إلى أميركا اللاتينية وأسيا وأفريقيا... إنها النازية بلباس مختلف.

أوروبا التي دفعت ثمناً باهظاً جراء الأفكار النازية لا تزال تنتج أحزاباً تحمل مثل هذه الأفكار أو ما يشبهها، ولعل الفوبيا من التمدد الإسلامي في الغرب جزء من هذه الأفكار. وفي بعض البلدان العربية برزت تيارات سياسية دينية أو فاشيات جديدة، تختلف مع النازية أيديولوجياً ولكنها تلتقي معها من حيث الأفعال المشينة، وثمة شعراء نافذون يقدمون أفكاراً لا تبتعد كثيراً عن أفكار النازية.

الجدال دائر حول كتاب هتلر باعتباره «الرمز» لزمن وقعت فيه أشنع أنواع الطغيان في التاريخ، والفادحة في الواقع الراهن حيث ما زالت «أحلام» النازيين بيننا، تنفذها مجموعات باسم الدين أو أنظمة باسم الممانعة أو طائرات حربية باسم الديمقراطية أو ترتكبها كيانات باسم الدفاع عن النفس. على ما يبدو يشكل بعض البلدان العربية حقل تجارب لأفعال النازيين الجدد.

back to top