الصراع السوري وماراثون إبرام التحالفات الدولية

نشر في 01-05-2012 | 00:01
آخر تحديث 01-05-2012 | 00:01
No Image Caption
يبدو أن السوريين عالقون في سباق من التحالفات المبنية على منطق مزدوج: تحالفات تتبع الانتماءات الطائفية التي تطبع السياسة الخارجية الإيرانية والسعودية والقطرية، وتحالفات استراتيجية ترتكز على ضمان مصالح وطنية خاصة كتلك التي تفسّر الموقف الروسي، فضلا عن التخبط الأميركي والأوروبي.

بدأت الاضطرابات في سورية منذ 13 شهراً. وقد انطلقت في الأساس، لأن 15 ولداً من مدينة درعا الجنوبية الغربية استوحوا من الانتفاضات التونسية والمصرية وسخروا علناً من النظام من خلال التعبير عن معارضتهم له بطريقة مبتكرة. عندما اعتُقل هؤلاء الأولاد وتعرضوا للتعذيب، انطلقت شرارة التظاهرات المعادية للنظام. فانتشرت الاحتجاجات من درعا إلى دمشق وحمص وحماة ومدن أخرى. منذ ذلك الحين، عزز النظام حملته القمعية، فاستهدف القرى التي تضم المحتجين والمقاتلين المسلحين. حتى الآن، سقط حوالي 9 آلاف قتيل، وهُجّر 200 ألف شخص داخل البلد، وهرب 40 ألف سوري تقريباً إلى دول مجاورة، تحديداً تركيا ولبنان والأردن.

لابد من التركيز على حدثين أساسيين لفهم وضع المراوحة الدبلوماسية في المرحلة الراهنة. تسلط الخيارات المطروحة الضوء على العواقب الإنسانية والسياسة المختلفة التي تطبقها القوى الإقليمية والدولية.

وقع أول حدث في الصيف الماضي، عندما أصبحت أعمال النظام ضد الانتفاضة عنيفة ودموية. فانقسم المجتمع الدولي في ما بينه لتفسير الأحداث الميدانية وتداعياتها. بينما طرحت موسكو جميع الخيارات الممكنة مع تجاهل الحل الذي يمس النظام والعلويين عموماً، بدأت الدول الخليجية تفكر في طرق فاعلة لدعم المعارضة السورية. على صعيد آخر، أصبحت السياسات الأوروبية والأميركية المعلنة أكثر صرامة ولكنها بقيت غير فاعلة. كانت بعض المصاعب في تبني موقف واضح ترتبط بوضع المعارضة السورية التي أطلقت في البداية انتفاضات مدنية، لكن سرعان ما تحولت إلى أشكال مسلحة من المقاومة قبل أن تندلع حرب العصابات الواسعة التي نشهدها راهناً. توحدت أجزاء من المعارضة حول الجيش السوري الحر، ولكنه لا يمثل رغم ذلك جبهة معارضة موحدة ضد النظام. كذلك، امتنعت الأقليات (مثل العلويين والدروز والمسيحيين والأكراد) عن الانضمام إلى المجلس الوطني السوري (الهيئة السياسية التي يُفترض أن تمثل المعارضة). أدى ذلك إلى التشكيك في أن المنطق الطائفي سيحدد مسار المعارضة، ما أخمد زخم المجلس الوطني السوري والجيش السوري الحر. على نطاق أوسع، عبّر الكثيرون في العواصم الغربية عن المخاوف التي أعلنتها روسيا، بمعنى أن سورية بعد عهد الأسد ستتحول إلى منطقة عازلة بين القوى الإقليمية (إيران من جهة والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى)، وستسود فيها اضطرابات داخلية دائمة، مع احتمال أن يمتد الصراع إلى الدول المجاورة بشكل كارثي.

أما الحدث الثاني، فقد وقع في نيويورك، في شهر فبراير الماضي، داخل مجلس الأمن. طرحت الولايات المتحدة وأوروبا قراراً بشأن سورية، بدعمٍ من جامعة الدول العربية وبقيادة قطر تحديداً. كانت الفكرة الأساسية تقضي بمحاولة التوصل إلى حل شبيه بالحل اليمني، مع فرض استراتيجية مقبولة من الأسد للخروج من الأزمة.

دعا القرار إلى إدانة العنف، وتنحي بشار الأسد، وفرض عملية انتقالية سياسية سريعة بقيادة شخصية من النظام تدير شؤون البلد حتى إجراء انتخابات مبكرة. لكن روسيا والصين استعملتا حق النقض في 4 فبراير.

تبدو دوافع الصين واضحة: يلتزم هذا البلد على المستوى الايديولوجي والسياسي بمبدأ السيادة الوطنية ويرفض منطق "مسؤولية الحماية". تسمح "مسؤولية الحماية" بانتهاك سيادة أي دولة إذا اتُّهمت بانتهاك حقوق الإنسان ضد شعبها.

على صعيد آخر، تُعتبر روسيا القوة التي تؤيد استمرار وضع المراوحة، لكن يمكن حثها على تغيير موقفها عند عرض المكافآت المناسبة على طاولة المفاوضات. في البداية، كان مبرر الفيتو الروسي يتعلق بتردد البلد في قبول تغييرات السياسة الإقليمية التي يمكن أن تُضعف سياسات التحالف. ينطبق هذا الأمر على دولة حليفة قديمة في هذه المنطقة الحساسة على المستوى الجيوسياسي. في ما يخص سياسة القوى العظمى، تريد موسكو (كما حصل في معظم فترات الحرب الباردة) أن تكون إحدى السلطات الضرورية التي تصبح الملجأ الأخير لحل شؤون الشرق الأوسط. بفضل قوة حق النقض والتحالف مع الصين، ربما حولت روسيا الصراع السوري إلى حرب بالوكالة.

يكمن الحل للمعضلة السورية في تعزيز التفاعل الحيوي بين السياسات الإقليمية والدولية. فمن المعروف أن سورية تهم مجموعة كبيرة من الدول الإقليمية والدولية.

في هذا الإطار، يمكن التمييز بين أربع جبهات على الأقل: أشرس مناصري بشار الأسد الذين يدعمونه لمصلحتهم الشخصية (جمهورية إيران الإسلامية و"حزب الله" في لبنان)؛ ومناصرو الأسد الذين يكونون منفتحين على إيجاد حل سوري داخلي يشمل العلويين (روسيا والصين)؛ والغرب المنقسم بين الدعوات إلى تطبيق مبدأ "مسؤولية الحماية" والتقييمات الواقعية للمخاطر التي يطرحها هذا السيناريو المعقد وتداعياته المحتملة؛ وأخيراً الأطراف التي تدعم الثوار مالياً وعسكرياً مثل المملكة العربية السعودية وقطر.

يمكن تقييم مواقف القوى الإقليمية والدولية المختلفة في الشأن السوري استناداً إلى العوامل التي حددت أو يمكن أن تحدد طبيعة تحالفها مع سورية.

أنشأ البعض تحالفاً مع سورية بناءً على نقاط الشبه الايديولوجية مثل الانتماءات الطائفية. تدخل المملكة العربية السعودية وقطر وإيران ضمن هذه الفئة. يشكل الانقسام السنّي الشيعي المحور الذي يؤثر على التوجهات الوطنية. يبدو "الهلال الشيعي"، الذي تحدث عنه الكثيرون في عام 2003 والذي يتألف من إيران والعراق الجديد ولبنان، هشاً اليوم. من جهة أخرى، زادت قوة الجبهة السنّية بقيادة المملكة العربية السعودية بفضل انتفاضات عام 2011. حتى الاحتجاجات الشيعية البحرينية التي سحقها النظام الحاكم لم تقلب الوضع ضد الدول الخليجية.

عمد آخرون إلى إنشاء علاقات مع سورية بناءً على المصالح المشتركة والتبادلات الاقتصادية المحتملة. إنها حالة تركيا التي تُعتبر اليوم أبرز شريكة تجارية لسورية وأهم مصدر لاستثماراتها الخارجية. يتشارك السوريون ماضياً عثمانياً مع تركيا. منذ عام 2009، يتشارك البلدان أيضاً منطقة حرة لا تستلزم تأشيرة دخول، وقد شمل هذا التدبير العراق وإيران في عام 2011.

على المستوى الدولي، أنشأت بعض الدول تحالفاً استراتيجياً مع دمشق. فدعمت روسيا سورية الأسد منذ السبعينيات وبادلتها دمشق بمنح موسكو حق الوصول إلى البحر المتوسط من خلال إنشاء قاعدة بحرية في طرطوس. إن مرفأ طرطوس هو القاعدة البحرية الوحيدة التي تملكها روسيا اليوم في "المياه الدافئة"، وهو هدف كان يطمح إليه القادة الروس منذ عهد كاثرين العظمى، وتحمل تلك القاعدة أهمية رمزية واقتصادية في آن.

لا يمكن التوصل إلى أي حل من دون أن تلعب الدول والمؤسسات الإقليمية دوراً فاعلاً في هذا المجال، وهو ما تشدد عليه الولايات المتحدة باستمرار. لكن لا يعني ذلك بأي شكل أن تلك القوى الإقليمية تمثل جبهة موحدة، أو أن القوى التي استعادت نفوذها مثل روسيا تلتزم بقواعد جديدة. يبدو أن السوريين عالقون في سباق من التحالفات المبنية على منطق مزدوج: تحالفات تتبع الانتماءات الطائفية التي تطبع السياسة الخارجية الإيرانية والسعودية والقطرية، وتحالفات استراتيجية ترتكز على ضمان مصالح وطنية خاصة كتلك التي تفسّر الموقف الروسي. بينما تتخبط الولايات المتحدة وأوروبا بين سياسة خارجية مبنية على مبادئ معينة (مثل مبدأ "مسؤولية الحماية" بتفسيراته المختلفة)، واعتبارات المصالح الوطنية الخاصة (مخاوف من انتشار الفوضى في سورية كما حدث في العراق)، يبدو أن تركيا فازت بهذه الجولة على المستوى الأخلاقي، وهو ما كانت تطمح إليه جميع القوى الدولية الأخرى. لكن للأسف لم يتضح بعد ما إذا كان هذا الأمر كافياً للتوصل إلى حلول تكون مقبولة بالنسبة إلى المعنيين المختلفين بهذا الملف.

back to top