ليس بإسقاط المالكي وحده يحيا العراق
على الرغم من تأكيد الأطراف السياسية المشاركة فيه على مضيهم قدماً في إجراءاتهم لسحب الثقة عن المالكي، فإن اجتماع النجف أظهر التردد الواضح في مواقف بعض المشاركين للقيام بمثل هذه الخطوة، نتيجة لتخوفات مرحلة ما بعد سحب الثقة، ولوجود ضغوط إيرانية على بعض الأطراف السياسية المشاركة لإثنائهم عن الاستمرار في ضغوطهم في هذا الاتجاه.المعطيات السياسية تشير إلى أن الأطراف السياسية الثلاثة («التحالف الكردستاني» و«العراقية» و«التيار الصدري») لا تشترك فيما بينها في مبررات سحب الثقة عن رئيس الوزراء؛ فالتيار الصدري رغم الاختلاف من حيث المنطلقات فإن اتهام الهاشمي في تورطه هو وجماعته في عمليات إرهابية جعل التيار يعيد حساباته مرة أخرى تحسباً من أن يقوم المالكي بفتح الملفات الممكنة كافة ضد خصومه السياسيين، بغية إضعافهم أو استبعادهم والتخوف من فتح ملف مذكرة إلقاء القبض الموجهة ضد رئيس التيار الصدري مقتدى الصدر واتهامه بقتل عبدالمجيد الخوئي سنة 2003، وما أثار حنق الصدريين على المالكي أكثر هو إدخاله «جماعة عصائب الحق» المنشقة عن التيار إلى العملية السياسية، الأمر الذي اعتبره التيار تحدياً له لما تشكل «العصائب» من إحراج حقيقي للتيار وتهديداً لمكانته عند مقلديه.أما «القائمة العراقية» ورغم أنها قد تبدو الأكثر تصلباً في مواقفها تجاه المالكي، فإن المشاكل التي بينها وبين المالكي لا تتعدى موضوع الخلاف حول المناصب الحساسة في الدولة، وفي الحالتين («التيار الصدري» و»العراقية»)، فإن باستطاعة المالكي فتح باب الحوار معهما والتوصل إلى تطمينات وحلول نهائية معهما، الأمر الذي يمكِن المالكي من التخلص من قضية سحب الثقة عنه وبشكل نهائي... وأنا على يقين بأن المالكي حال تأكده من جدية الأطراف في سحب الثقة، فإنه مستعد لتقديم جميع التنازلات للطرفين «الصدري» و»العراقية» من أجل بقائه على سدة الحكم في بغداد.ومن هذا المنطلق، نستطيع أن نقول إن المشاكل الحقيقية هي تلك التي تتعلق بـ»التحالف الكردستاني» مع المالكي، والتي تتعلق بقضايا ما تسمى بالمناطق المتنازع عليها وكذلك صلاحيات الحكومة المركزية والإقليم فيما يخص الصناعة النفطية، والقوات المسلحة، وملف البيشمركة، وملفات أخرى كثيرة والتي تتعدى موضوع المناصب والمصالح الشخصية بين الطرفين.وفي حقيقة الأمر، فإن هذه الملفات لا تتعلق بشخص المالكي، فحتى لو أُسقطت حكومة المالكي فإن هذه المشاكل ستستمر بين المركز والإقليم مهما تعاقب الأشخاص على رئاسة الوزراء في العراق، لذلك فإن الجهد الكبير لتحركات «التحالف الكردستاني» يجب ألا ينصب في سحب الثقة عن المالكي، وإنما يجب أن يبذل في اتجاهات أخرى تكون حلولاً لتداعيات مشاكل الملفات العالقة وليست حلولاً للملفات العالقة نفسها بين المركز والإقليم.وسواء بقي المالكي في السلطة أو أسقط، فإن من أهم النقاط التي يجب على الإقليم التركيز عليها في هذه المرحلة ترتيب أوراق تحالفاته المستقبلية في الداخل العراقي واتجاهاته؛ هل هي باتجاه «العراقية» وأحزابها أم باتجاه «التحالف الوطني» وأحزابه وتكتلاته؟ ولا أظن أحداً ينكر أنه وبالرغم من مضي تسع سنوات على تغير النظام البعثي في العراق وبدء العملية السياسية، فإن «التحالف الوطني» لم يكن جاداً في حل المشاكل العالقة بين الإقليم والمركز، خصوصاً ما يتعلق بالمناطق المستقطعة. وهذا التأخير لم يكن لأسباب فنية مثلما يدّعي ساسة «التحالف الوطني»، بل كان الأمر مقصوداً لاستمرار المشاكل هذه والتي تخص في حقيقتها المكون السنَي العربي والمكون الكردي، وأن أي حلول نهائية لهذه الملفات تعني حلاً للمشاكل بين الجانبين والذي يعني بدوره تحالفاً متوقعاً بين الطرفين (المكون السنّي العربي والمكون الكردي) مقابل «التحالف الوطني» وأغلبيته السياسية في الحكومة، وهذا ما لا يصب في مصلحة المكون السياسي الشيعي.وانطلاقاً من هذه النقطة، فإن «التحالف الكردستاني» مدعو لمكاشفة الطرفين السنّي والشيعي في العراق ووضعهما أمام مسؤولياتهما في ضرورة حل هذه المشاكل، ومن ثم التحرك على أساسها لبناء التحالفات وليس العكس.وللأسف، فإن ما يحدث الآن هو أن «التحالف الكردستاني» ينجرف بعيداً في اتخاذ مواقف من هذا الطرف أو ذاك من دون أن تكون هناك مواقف واضحة لهذه الأطراف حيال الملفات الكردية.النقطة الأخرى التي على التحالف الكردستاني (والمتحالفين معه) الاهتمام بها، أكثر من اهتمامه بسحب الثقة عن المالكي، هي الحفاظ على العملية الديمقراطية في العراق والحيلولة دون رجوع أي نوع آخر من الدكتاتوريات، سواء كانت دكتاتورية شخص أو دكتاتورية طائفة، وسواء كان الديكتاتور هذا هو المالكي أو غيره من مشاريع جاهزة للدكتاتورية في العراق. وهذا لا يتحقق بسحب الثقة عن المالكي فحسب، بل بصب الجهد الدبلوماسي والسياسي لتحديد فترة رئاسة الوزراء بولايتين فقط وحشد الأصوات في البرلمان لهذا الشأن. وبذلك، فحتى لو بقيت الملفات الكردية بدون حلول أو تم التسويف بشأنها بين المركز والإقليم، فإن بقاء الديمقراطية في العراق سيمنع تهديد المنجزات الكردية والمكتسبات الكردية وكذلك المنجزات التي حققها العراق على هذا الطريق.علاوة على ذلك، فمن الضروري أيضاً العمل على إخراج المؤسسات الأمنية والعسكرية من نطاق التبعية لأي حزب سياسي أو طائفة سياسية بخطوات عملية وليس فقط بمقترحات نظرية، وإخراج العناصر التابعة للمالكي والمعروفة بولائهم له، ممن أدخلوا لهذه الأجهزة بشكل مخطط بغية السيطرة على كل المفاصل الحساسة في الدولة، بمعنى ضرورة تطبيع المؤسسات هذه كما كانت عليها قبل اقتحام المالكيين لها في الفترة الأخيرة.* كردستان- العراق