لا مفر أمام الثوار السوريين من التعامل مع الأسد
شكلت روسيا العقبة الكبرى أمام الخطوات الدولية الموحدة لإيجاد حل للمأزق السوري، ومن الواضح أن نظام بشار الأسد لن يخفف من حدة اعتداءاته العنيفة أو يدخل في أي عملية تسوية سياسية، مادام ينعم بهذا الغطاء الدولي.
لا شك أننا جميعاً نمقت التعامل مع حاكم مستبد، لكن بعد مرور سنة على الانتفاضة السورية، يُظهر الواقع المرير أن بشار الأسد مازال الأقوى، وأن المعارضة (وداعميها الدوليين) مضطرة إلى عقد صفقة معه، إن أرادت تخفيف معاناة الشعب السوري.نجح النظام السوري، من خلال عمليات القمع العنيفة والتعبئة الطائفية الماكرة والدعم المتواصل من روسيا وإيران، في إحكام قبضته على زمام السلطة في البلاد. صحيح أن الأسد خسر مصداقيته وأن اقتصاد بلاده بدأ يتداعى، لكن نظامه لن ينهار قريباً على الأرجح مادام محافظاً على تماسكه الداخلي ودعمه الخارجي. أما ما تحدثت عنه الصحف أخيراً عن انشقاق أحد نواب الوزراء غير النافذين فلم يحقق أي هدف غير تسليط الضوء على الصراع الذي تواجهه المعارضة.إذا استثنينا التدخل الأجنبي المباشر، الذي لايزال مستبعداً حتى اليوم، يكون أسوأ سيناريو قد يواجهه الأسد حرباً أهلية مطوّلة، خصوصاً إذا عمدت القوى الأجنبية إلى تسليح المعارضة، كما طالب المجلس الوطني السوري والجيش السوري الحر. ولكن من دون الدعم المدفعي والجوي، من الصعب أن يتبدل ميزان القوى بسرعة. علاوة على ذلك، قد تساعد عملية التسليح هذه الثوار في تحقيق النصر العسكري، إلا أنها ستعزز أيضاً مكانة الأسد بين داعميه في الداخل والخارج، لأنها تقدّم مبرراً للجوئه إلى العنف. ويبقى التطور الوحيد المؤكد في هذا الإطار تزايد حصيلة الضحايا باطراد، تماماً كما حدث خلال الحرب الأهلية في العراق ولبنان، علماً أنها بلغت راهناً أرقاماً مخيفة.إذن، من الملح من وجهة النظر الإنسانية التوصل إلى حل سياسي. يعاني المدنيون في أنحاء سورية المختلفة لهب اعتداءات الأسد، التي لن تنتهي قريباً، حسبما يبدو، لكن المقلق أيضاً تأثير ما يحدث في المعارضة بحد ذاتها. فقد اتضح أن العنف يخدم الأسد، إذ يدعم روايته المختلقة عن أعمال المعارضة الإرهابية وتفوقها العسكري، ما يساعده في حشد مؤيديه. نتيجة لذلك، يعتبر كثيرون اليوم الأسد أكثر قوة مما كان عليه قبل ستة أشهر، حين كانت أعمال العنف أقل ضراوة. على الرغم من موقف روسيا المعارض راهناً، فإنه ما من سبيل إلى إحراز أي تقدم في المسار السياسي إلا باللعب وفق شروطها. شكلت روسيا العقبة الكبرى أمام الخطوات الدولية الموحدة، ومن الواضح أن النظام لن يخفف من حدة اعتداءاته العنيفة أو يدخل في أي عملية تسوية سياسية، مادام ينعم بهذا الغطاء الدولي.لا شك في أن روسيا (شأنها في ذلك شأن الصين وإيران) لن ترضى بتبديل مسارها والضغط على الأسد للقبول بوقف إطلاق النار، إن لم توافق المعارضة على الحوار المباشر مع النظام من دون الاشتراط مسبقاً رحيل الأسد الفوري أو مغادرة قوات النظام المدن والمراكز السكانية. من المؤكد أن هذا المخرج بغيض، وسيكون له في البداية تداعيات تدعم موقف النظام على الأرض. ولكن ما من وسيلة أخرى لوقف إراقة الدماء، وإن قبل الأسد بوقف إطلاق النار، فسيُهمّش على الصعيد الدولي، حتى لو بقي في السلطة. وقد يطأطئ رأسه إن تعرض لضغط كبير. كذلك، قد يسهّل هذا الوضع دخول المساعدات الإنسانية البلاد، فضلاً عن فريق جديد من المراقبين الأكثر كفاءة.علاوة على ذلك، ستمهد هذه الصفقة لعملية سياسة قد تنجح، رغم ما ستواجهه من صعوبات، في تبديل ميزان القوى بما فيه مصلحة المعارضة. فبعد أربعة عقود من القمع، يبدو الشعب السوري المتحمس والمعبأ سياسياً مصمماً على رسم مستقبله بنفسه. فقد تبددت حالة الخوف. ولا شك في أن الأسد لن يتمكن من مقاومة هذه القوة إلا من خلال العنف. نتيجة لذلك، قد يكون المسار السياسي الوسيلة الأضمن لإنهاء النظام الحالي.من الممكن أن يجدد النظام أعمال العنف، لكن التزام داعمي سورية، خصوصاً روسيا والصين، بالمسار السياسي، فضلاً عن مواصلة الضغط السياسي والاقتصادي الغربي، سيصعّب على الأسد الخروج من هذا المأزق. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للعملية السياسية أن تسلب الأسد داعميه في الداخل بإقناع كبار المسؤولين العلويين بتأييد الخطة الانتقالية التي طرحتها جامعة الدول العربية والتي تقضي بتنحي الأسد. ولا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن الخطة الانتقالية في اليمن لم تنجح إلا على أسس التحاور مع الرئيس علي عبدالله صالح.صحيح أن المجلس الوطني السوري والجيش السوري الحر يرفضان الدخول في أي محادثات مع النظام، إلا أن سوريين كثراً، بينهم ناشطون، يظنون أن الحوار السياسي الوسيلة الفضلى لتفادي حرب أهلية مدمرة. ويجب أن يكون هذا الحوار أيضاً خيار الغرب الأول.* باحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أمضى في دمشق ثلاث سنوات ونصف السنة.