فينيسيا 50 ... المشاهير مروا من هنا والحرب أيضاً
في إطار الاحتفالات بيوبيله الذهبي، أطلق فندق فينيسيا في بيروت كتابه «فينيسيا 50»، مجلد أنيق وفخم باللغتين الإنكليزية والفرنسية عن دار نشر «تاميراس»، بتوقيع تانيا حجي توما مهنا وإدارة فنية لفرانك ألكسندر ماندون. لا يروي الكتاب سيرة الفندق فحسب، بل أتى ليكون مرآة مدينة بيروت وتاريخها الحديث.
يتطرق كتاب «فينيسيا 50» إلى تفاصيل الحياة الثقافيّة والاجتماعيّة في لبنان منذ مطلع القرن العشرين، فحين أعلن عن تأسيس «لبنان الكبير» في مطلع العشرينيات من القرن الماضي، كان هذا البلد يفتقد إلى المرافئ الثقافية على رغم بروز وجوه النهضة الأدبية والفكرية من أحمد فارس الشدياق إلى جبران خليل جبران. لكن واقع مدينة بيروت كان يفتقر إلى المسارح والسينمات، وحتى الفنادق باستثناء فندق «أوروبا» 1849، لتنطلق موجة الفنادق لاحقاً، من «فيكتوريا»، «رويال»، «سان-جورج» الشهير في بداية الثلاثينيات على يد المهندس أنطون تابت، وصولاً إلى عام 1962 وافتتاح فندق «فينيسيا» لصاحبه نجيب صالحة، أحد أوائل وجوه الهجرة التجارية إلى المملكة العربية السعودية. فاحتذى الفندق الأنيق والناحل والملون بلون الحجر الرملي الفاتح، على حاله اليوم بعد عقد ونصف العقد على انبعاثه، على مثال راج في أنحاء العالم وقدم البساطة والخدمة العملية على المعايير الأخرى.ويهدي صاحبا فينيسيا (مازن ومروان صالحة) الكتاب لكل من وطئت قدماه يوماً الفندق، إما لدقائق أو ساعات، أو لليلة، ولكل مَن عمل للفندق ومعه، فبات على ما هو عليه اليوم، تزين صفحاته مجموعة ضخمة من الصور النادرة عن أبرز محطات الفندق وسهراته واحتفالاته، وعن ضيوفه اللبنانيين والعرب والعالميين، من سياسيين ورجال مال وأعمال، وفنانين ونجوم هوليوود، مختارة من أرشيفات الصحف والمجلات والكتب. تروي الصور الكثيرة في الكتاب محطات من حياة الفندق في عصره الذهبي وعهد مؤسسه نجيب صالحة، وتلفتك صور عن بيروت الخمسينيات وما بعدها، مروراً بصور حفلة افتتاح الفندق وما شهده من مناسبات أحياها نجوم عالميون، مروراً بنزلاء الفندق أمثال: بريجيت باردو، كاترين دونوف، كلوديا كاردينالي، شيرلي باسي، جاك بريل، جورج هاملتون، عمر الشريف، أم كلثوم، عاصي الرحباني، فيروز، بيليه، جوان كراوفورد، مروراً بنجوم اليوم العالميين أمثال: باميلا أندرسون، ميشال ديلبيش، سنوب دوغ، خوليو إيغليزياس، أنجلينا جولي، شاكيرا. فضلاً عن صور كبار الشخصيات العالمية ممن مروا بالفندق أمثال المطران مكاريوس، كورت فالدهايم، الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، والرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر...الفندق الذي يحتفي بيوبيله الذهبي، كانت قد انطلقت ورشة بنائه في عهد الرئيس كميل شمعون عام 1956 على يد مجموعة من المهندسين من بينهم فرديناند داغر والمهندس العالمي إدوار ستون. واجه المهندسون بعض الصعوبات بعدما غمرت مياه البحر الطابق السفلي. وبعدما أوقفت أحداث عام 1958 أعمال البناء، انطلقت مجدداً الأعمال لينتهي بناء الفندق عام 1961، ويفتح أبوابه في 23 ديسمبر 1961، فيما افتتاحه الرسمي كان في 31 مارس 1962.زاوج فندق فينيسيا بين الباطون والحجر والحداثة مع الحفاظ على روح الشرق، ما جعله أسطورة الفنادق، ومع بدء التوتر الأمني في لبنان عام 1974، فاندلاع الحرب في 13 أبريل 1975، تحول محيطه الى منطقة حرب وشهد معركة ما سمي «حرب الفنادق»، ما اضطرت عائلة صالحة إلى تحصين الـ{فينيسيا» بالباطون، الذي لم يحل دون تعرضه للنهب والحرق. شهد عام 1977 محاولة أولى لإعادة الترميم أُجهضت في مهدها بسبب اغتيال السياسي كمال جنبلاط. توقفت الحرب الأهلية عام 1990، بيد أن الاستقرار الأمني والسياسي لم يعودا إلا تدريجاً، ولم تبدأ أعمال ترميم الفندق حتى عام 1998، بعدما شجع الرئيس الراحل رفيق الحريري الأخوين مازن ومروان صالحة على مواصلة مسيرة أبيهما.افتتح الفندق مجدداً أوائل عام 2000، وحاول القيمون عليه الحفاظ على هوية المبنى الخارجية (الحجر الزهري مع شرفات بيضاء). أما الداخل فتغيّر، وأعطيت الديكورات نفحة رومانية، وفي 14 فبراير 2005، دمّر انفجار ضخم، أودى بحياة الرئيس رفيق الحريري، واجهات المبنى الزجاجية، فتمزّقت الستائر والأقمشة، وكان إصلاح الأضرار مكلفاً، وعلى هذا يشكل هذا الفندق الشاهد على الزمن الذهبي للبنان وعلى ويلاته ومآسيه أيضا.