أسطورة اسمها ليتل إيجبت
كلما قرأ المرء في الكتب أو تأمل اللوحات الفنية التي تصنف في الخانة الاستشراقية سيكتشف المزيد من النساء و(الجواري) الشرقيات والمغربيات والتركيات المتخيلات أو هن من ابتكار الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير كما في رحلاته، أو هنري ماتيس في لوحاته.في خلال قراءتي لكتاب «سياحة الليل... سياحة النهار» للكاتبة ليسا ون، لاحظت أنها تتحدث عن راقصة وهمية اسمها «ليتل إيجبت» أو المصرية الصغيرة، وثمة من قال إنها سورية الأصل.
قبل الحديث عن «المصرية الصغيرة» ينبغي تقديم عرض موجز لكتاب ليسا ون التي اعتمدت في بحثها على تجربتين في مصر: تجربة السياح الغربيين الذين يأتون بحثاً عن اكتشاف الأهرامات في النهار، وتجربة السياح العرب في شارع الهرم، حيث يمضمون الليل فيه حتى الصباح. بين التجربتين، ولدت الصور النمطية عن مصر، صور نتجت عن علم المصريات، وصور أخرى كانت من «ثمار» الرقص والسهر في الملاهي.تحاول المؤلفة إلقاء الضوء على هاتين التجربتين المتوازيتين، أي التجربة العربية وتلك الغربية مع مصر بوصفها طريقة للتأمل والتفكير في الاختلافات والتشابهات. يفترق العرب عن الغربيين في نظرتهم إلى مصر، فما يرونه يتأثر بثقافة كل منهم ودينه ولغته وتاريخه وسياساته. شكلت هذه الصورة المتباينة عن مصر، صورة لمصر عن ذاتها التي هي عبارة عن هويات ذات مستويات متداخلة. فمصر هي أرض الفراعنة وهي الأهرامات والمومياءات، إنها قلب السينما العربية والموسيقى العربية والرقص الشرقي أيضاً. لقد أنجبت قروناً من الحوار العابر للأمم، طبقات من خيالات وصور عن مصر، وتكشف هذه الرؤى المتباينة عن مصر الكثير عن الغربيين والعرب بقدر ما تكشف عن مصر نفسها. بحسب المؤلفة فالافتتان الغربي بمصر الفرعونية لا يمكن أن يفهم من دون معرفة الطريقة التي انضفر فيها علم المصريات مع تاريخ الإمبريالية الأوروبية. والصورة النمطية المصرية عن العرب وهم يمضون الليالي وجه آخر ولون آخر.أما {ليتل إجيبت} فهي صورة أو صور أخرى متعددة، غريبة وخيالية. تقول الرواية المتخيلة إن ليتل كانت محط جاذبية كبيرة في مهرجان شيكاغو العالمي في عام 1893 حيث فتنت الجمهور الأميركي وصدمته بحركاتها الراقصة، عدّها الجمهور الأميركي إيحاءات «خلاعة».درست الباحثة دونا كرلتن أسطورة {ليتل إيجبت}، وأظهرت اللبس الذي أحاط بها، وقالت: «تفاجأتُ حين علمتُ أن «ليتل إيجبت» وارتباط اسمها بذلك المعرض الشهير ما هما إلا أسطورة شعبية غالباً ما ردّدها الأميركيون، شأنها في ذلك شأن سائر القصص عنها. على سبيل المثال، لم يُصَب مارك توين بنوبة قلبية عندما رآها ترقص، ولم يصورها توماس إديسون. ما من دليل معاصر واحد، مقال من صحيفة، صور، إعلان، أو كتاب تذكرات يعود إلى عام 1893 يثبت أن «ليتل إيجبت» رقصت في المعرض الكولومبي العالمي في شيكاغو. فمن غير المعقول أن تكون نجمة المعرض، كما أُوحي إلينا، ولا تُنشر لها الصور ويُروّج لعرضها. اللافت أن القصص كافة التي تربطها بذلك المعرض تعود إلى ما بعد هذا الحدث العالمي بسنوات. بناء عليه، فإن «ليتل إيجبت» هي صورة أيقونّة بحسب بودريار تختصر خيالاً محدداً عن النساء، والرقص والشرق الأوسط والمهرجانات العالمية».وأسطورة «ليتل إيجبت» انتحلتها راقصات أميركيات كثيرات رقصن في برامج منوعات تحت الاسم ذاته، وباتت لها صورها الاستشراقية وكتبت دراسات عنها... كأننا أمام امرأة تشبه تلك التي يخترعها الشعراء العرب في قصائدهم.