الأقليات في سورية... حتى الحياد ليس خياراً آمناً!

نشر في 01-08-2012 | 00:01
آخر تحديث 01-08-2012 | 00:01
No Image Caption
يُعتبر الحياد في سورية الأمل الوحيد بالنسبة إلى الفلسطينيين كي ينقذوا أنفسهم من الحرب الأهلية الجديدة التي تحاصرهم، لكن يعمد الجيش السوري الحر إلى زيارة مخيماتهم بشكل دوري ويدعوهم ذلك الجيش إلى القتال معه، كذلك، تعجّ مخيماتهم بـ«مخابرات» النظام السوري التي تدعوهم بدورها إلى القتال معها.

اليوم، وسط تفاقم المأساة في حلب، لا بد من تذكر الأقليات، إنهم الفلسطينيون الموجودون في سورية (أكثر من نصف مليون منهم)، و1.5 مليون مسيحي (يعيش أكبر عدد منهم في حلب)، وهم مواطنون سوريون ويبدو أنهم يجلسون الآن على فوهة بركان.

لا ترغب أي فئة من تلك الأقليات في "التعاون" مع نظام بشار الأسد، لكنّ اتخاذ موقف حيادي يؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان جميع الأصدقاء.

لم تحتج الأقليات إلى بيع رغيف خبز لشخص نازي في فرنسا المحتلة كي تُعتبر عميلة، ولكنها كانت تساعد في "دفع عجلة الأحداث" وفق المقولة الألمانية القديمة، فبشار الأسد ليس هتلر، لكن ما لنا إلا أن ندعو الله كي يحمي الفلسطينيين والمسيحيين في سورية خلال هذه الأوقات المريعة.

لا بد من استخلاص بعض الدروس في هذا المجال: حارب نصف مليون لاجئ فلسطيني في لبنان إلى جانب المسلمين اليساريين خلال الحرب الأهلية التي امتدت بين عامي 1975 و1990، لكن تمثّلت مكافأتهم بانتشار مشاعر البغض ضدهم، وارتكاب أعمال قتل جماعي بحقهم، واحتجازهم في النهاية داخل مخيّماتهم، ودعم اللاجئون الفلسطينيون في الكويت غزو صدام حسين في عام 1990 وتمّ إجلاء مئات الآلاف منهم إلى الأردن في عام 1991، وذُبح الفلسطينيون الذين أقاموا في العراق منذ عام 1948 أو طُردوا من البلد على يد "المقاومة" العراقية بعد الغزو الأميركي في عام 2003.

بالتالي، يُعتبر الحياد في سورية الأمل الوحيد بالنسبة إلى الفلسطينيين كي ينقذوا أنفسهم من الحرب الأهلية الجديدة التي تحاصرهم، لكن يعمد الجيش السوري الحر إلى زيارة مخيماتهم بشكل دوري ويدعوهم ذلك الجيش إلى القتال معه، كذلك، تعجّ مخيماتهم بـ"مخابرات" النظام السوري التي تدعوهم بدورها إلى القتال معها، لكن تخضع وحدتان فلسطينيتان عسكريتان لسيطرة النظام مباشرةً (هما منظمة "الصاعقة"، وهي واحدة من أكثر الميليشيات فساداً بعد التدخل العسكري السوري في لبنان في عام 1976، وجيش التحرير الفلسطيني)، فمنذ شهرين، اغتيل 17 عنصراً من جنود جيش التحرير الفلسطيني المدرّبين في سورية، ثم في الأسبوع الماضي، قُتل 17 جندياً آخر من جيش التحرير في دمشق.

قال لي شخص في منتصف العمر من كوادر الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين: "يقول البعض إن الجيش السوري الحر قتلهم لتحذيرهم وإبعادهم عن النظام، لكن يدّعي البعض الآخر أن النظام قتلهم لتحذيرهم وإبعادهم عن الجيش السوري الحر، وكل ما يمكننا فعله هو التمسك بالحياد، ويجب أن يتذكر الجميع أن بعض الفلسطينيين في المخيمات السورية ينتمون أيضاً إلى جهاز "المخابرات" التابع للنظام السوري، وقد أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة أنها ستقاتل إلى جانب النظام".

من المعروف أن معظم الفلسطينيين في سورية هم من المسلمين السُّنة مثل أغلبية الشعب السوري ومعظم أعضاء المقاومة،

والمسيحيون هم مواطنون في سورية ولا تضم أي قوة معادية للأسد أغلبية منتمية إلى هذه الديانة، ولا شك أن استقرار وضع بشار الأسد (لم يعد هذا الأمر مؤكداً الآن بأي شكل) هو ما تفضّله هذه الفئة المرعوبة من النظام الذي سينشأ بعد حقبة الأسد، فثمة 47 كنيسة وكاتدرائية في منطقة حلب وحدها، إذ يظن المسيحيون أن السلفيين يحاربون مع الثوار وهم محقون في ذلك.

ثمة دروس يمكن أن يستخلصها هؤلاء أيضاً، فعندما عمد جورج بوش الابن المسيحي إلى إرسال جحافله إلى العراق في عام 2003، أدت التداعيات الوحشية اللاحقة إلى تفتيت واحدة من أقدم الطوائف المسيحية في الشرق الأوسط: المسيحيون العراقيون، وكان البابا شنودة القبطي في مصر يدعم حاميه مبارك قبل يومين من سقوط الدكتاتور، ولن ينسى مسلمو مصر هذا الموقف، وبالتالي، ما الذي يستطيع مسيحيّو سورية فعله إذاً؟

عندما أعلن البطريرك الماروني اللبناني بشارة الراعي بعد بدء الانتفاضة السورية أن بشار الأسد يجب أن يحصل على "وقت إضافي"، أثار سخط المسلمين السُّنة في بلده، لكن يكفي أن نشاهد التلفزيون السوري لرصد الأداء المسيحي بكل سهولة.

في الأسبوع الماضي، جاء دور الأسقف الماروني في دمشق كي يخاطب السوريين، فما كانت كلماته الأولى؟ أراد أن يشكر التلفزيون السوري الرسمي لأنه سمح له بالتحدث، فأكد أن المسيحيين يحترمون شهر رمضان وأنهم تعلموا كيفية تجديد إيمانهم انطلاقاً من إيمان المسلمين في شهرهم المبارك (إنه تصريح منطقي جداً ولكنه صدر بكل وضوح في الوقت الذي يشعر فيه أتباع ذلك الأسقف الصالح بخوف شديد من هؤلاء المسلمين الذين تحدث عنهم).

ثم بارك الأسقف في نهاية عظته جميع "المدنيين والمسؤولين والجنود السوريين" فكانت العبارة قاتلة، إذ لا شك أنه يعني بكلمة "المسؤولين" هؤلاء التابعين لبشار الأسد، ويعني بالجنود جنود النظام.

أفترض أننا قد نضطر إلى تطبيق النصيحة المسيحية القديمة: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، لكن يجب ألا ننسى أن بشار الأسد ليس قيصر!

لكن كاتبا مسيحيا لبنانيا أطلق موقفاً صائباً عندما اعتبر أن المسيحيين السوريين يطبّقون على الأرجح نصيحة القديس بولس (تيموثاوس الأولى 2-1 ): "فأطلب قبل كل شيء أن تقيموا الدعاء والصلاة والابتهال والحمد من أجل جميع الناس، ومن أجل الملوك وأصحاب السلطة، حتى نحيا حياة مطمئِنّة هادئة..."، فمن غير بشار الأسد يمثل "السلطة" حتى الآن في سورية؟

back to top