صدمة الولايات المتحدة

نشر في 22-12-2012 | 00:01
آخر تحديث 22-12-2012 | 00:01
No Image Caption
هل تغيّر مجزرة نيوتاون الأخيرة القوانين؟

أودت المجزرة التي وقعت في المدرسة الابتدائية في نيوتاون، كونيتيكت، في الولايات المتحدة الأميركية بـ 27 ضحية معظمهم من الأطفال. طوال سنوات، منعت جماعات الضغط المؤيدة لاستعمال الأسلحة في الولايات المتحدة تمرير تشريع فاعل للحد من الأسلحة. لكن هل ستؤدي الجريمة المأساوية التي وقعت أخيراً إلى تغيير الوضع؟ «شبيغل» ألقت الضوء على الموضوع.
حين تعرض جميع الشاشات التلفزيونية صوراً جوية لمشهدٍ تظهر فيه أضواء زرقاء وامضة على الأرض وحين يُستعمَل شريط الجرائم الأسود والأصفر الشهير للإحاطة بمبنى معين داخل بلدة صغيرة تبدو هادئة ظاهرياً، يدرك معظم الأميركيين أنهم يوشكون على مشاهدة قصة مرعبة أخرى. في 14 ديسمبر الجاري، جاءت تلك القصة من مدرسة ساندي هوك الابتدائية في نيوتاون، كونيتيكت، حيث قُتل 20 ولداً وستة راشدين على يد شاب فقد صوابه قبل أن يعود ويطلق النار على نفسه.

جاء الشاب إلى المدرسة بعد الساعة التاسعة والنصف صباحاً وكان يحمل الأسلحة. قبل أن يبدأ بإطلاق النار عشوائياً، كان قد قتل والدته في المنزل الذي يقيم فيه. كانت أمه تعمل في روضة الأطفال هناك. وسط وابل من الرصاص، قتل الشاب المسلح المدير وطبيباً نفسياً يعمل في المدرسة و18 طفلاً تترواح أعمارهم بين السادسة والسابعة، وكان بعضهم يحضر صف والدته. ثم توفي طفلان آخران لاحقاً في المستشفى بسبب إصابتهما البالغة. توفي أيضاً القاتل الذي تعرفت إليه الشرطة باسم آدم لانزا (20 عاماً)، فقد أطلق النار على نفسه حين حاصر أول المستجيبين للحالة الطارئة ساحة الجريمة. كانت الأسلحة مسجّلة باسم أمه. كان لانزا أصغر من أن يسجل الأسلحة باسمه. تبدو هذه القصة المأساوية أشبه بمغامرة جهنمية قاتمة.

كانت هذه الحادثة مأساة وطنية حقيقية، لا سيّما وأنها حصلت بهذه الطريقة المشينة قبل فترة قصيرة من عيد الميلاد. أعلنت صفحات الشبكات الاجتماعية الحداد وقد غصّت بالصلوات وتعابير الصدمة وأصدق الأمنيات لعائلات الضحايا.

تبلّغ الرئيس باراك أوباما بالحادثة في العاشرة والنصف صباحاً، أي بعد أقل من ساعة على وقوع عمليات القتل، وقد فقد صوته في مناسبات عدة خلال مؤتمره الصحافي حول حادثة إطلاق النار وكان يمسح الدموع من زوايا عينيه. كانت تلك الصورة مأساوية بالفعل.

سلسلة صادمة من المجازر

بما أن أحداً لا يبدو مستعداً لمتابعة الجدل القائم في هذا المجال بدل تأجيله، وبما أن جميع الرؤساء لا يتمتعون بالشجاعة اللازمة لتغيير قوانين الأسلحة في البلد، ستُضاف حوادث كثيرة إلى السلسلة الطويلة والصادمة من المجازر في المدارس الأميركية. شهدت الولايات المتحدة حوادث مماثلة عدة خلال تاريخها الحديث. وقع بعضها خلال الثمانينيات، لكن لم تركز وسائل الإعلام عليها بجدية حتى التسعينيات، حين أصبحت جزءاً من الجدل العام المتعلق بقوانين الأسلحة وتمجيد العنف في أفلام الحركة وألعاب الفيديو.

كانت أول مجزرة وقعت في إحدى المدارس ونقلتها وسائل الإعلام العالمية عبارة عن إطلاق نار جماعي على يد مايكل كارنيل (14 عاماً) في مدرسة هيث الثانوية في ويست بادوكا، كنتاكي، في ديسمبر 1997. كان الشاب قد هرّب أنواعاً من الأسلحة وخبّأها في حقيبته، ثم وضع كارنيل سدادات في أذنيه وقتل ثلاث طالبات وجرح خمسة طلاب آخرين. بعد إطلاق ثماني طلقات، ترك المسدس وسلّم نفسه للمدير.

لكن ربما وقعت أسوأ الجرائم الجماعية الوحشية في مدرسة كولومباين الثانوية في ليتلتون، كولورادو. قُتل 12 طالباً وأستاذ وجُرح 21 آخرين حين اقتحم إريك هاريس (18 عاماً) وديلان كليبولد (17 عاماً) المدرسة في 20 أبريل 1999 وهما يرتديان الأقنعة ويحملان الأسلحة والمتفجرات قبل أن ينتحرا في النهاية.

شاب هادئ

كان القاتل آدم لانزا (20 عاماً) شاباً هادئاً جداً ومنطوياً على نفسه، وكان في العادة يجيب عن الأسئلة بكلمات مقتضبة. لم يتقبل طلاق والديه، نانسي وبيتر لانزا، بحسب قول الجيران والأقارب. قال أحد الجيران إن لانزا كان مريضاً أيضاً. وصرح راين كرافت الذي يقيم في الجوار لصحيفة «واشنطن بوست» بأن لانزا كان يتناول الأدوية بسبب إصابته بأحد أنواع مرض التوحد.

درس فرانك روبرتس، رئيس «معهد برلين لمنع العنف والجريمة التطبيقية»، ملفات القتل الجماعي عالمياً، بما في ذلك ملف المعتدي الذي هاجم مدرسة ثانوية في جنوب غرب بلدة وينندن الألمانية في عام 2009، ما أسفر عن مقتل 16 شخصاً. وفق روبرتس، كان تاريخ معظم المعتدين حافلاً بمحاولات الانتحار ومشاعر الاكتئاب. في معظم الحالات، كانوا يخططون بحذر لتنفيذ تخيّلاتهم العنيفة.

في بعض الأحيان، يتأثر القتلة الجماعيون أيضاً بمن سبقوهم. قبل مذبحة جامعة فرجينيا للتكنولوجيا، حضَّر سيونج هوي تشو فيديو يشيد فيه بالمعتدين في مجزرة كولومباين ويعتبرهم «شهداء». في الفيديو الذي أرسله إلى شبكة NBC التلفزيونية خلال الحادثة، قال تشو: «كانت لديكم مئات مليارات الفرص والطرق لتجنب ما حدث اليوم. لقد حاصرتموني ولم تتركوا لي أي خيار آخر. تلطخت أياديكم بالدم الآن ولن تتمكنوا من تنظيفها مطلقاً».

وابل إشاعات على الإنترنت

تسلّط مجزرة نيوتاون الضوء أيضاً على دور الإنترنت في نشر الإشاعات المفبركة.

بعد وقوع أعمال القتل بفترة وجيزة، اعتُبر راين لانزا من هوبوكين، نيوجرسي، القاتل على صفحات «فيسبوك». فجأةً، انتشر رابط صفحته على «فيسبوك» في كل مكان وترافق الأمر مع أسوأ أنواع العبارات والشتائم.

ثم كتب القاتل المزعوم على صفحته عبارة: «لا دخل لي، كنت في العمل». لكن كانت قناة CNN وشبكات تلفزيونية أخرى قد أعلنت أن راين لانزا هو القاتل. حصل الأمر نفسه على موقع «تويتر».

استمر هذا الوضع لفترة طويلة، فناقش المستخدمون المصدر الذي يجب تصديقه وسط هذا الوابل من الإشاعات التي ساهموا في نشرها بأنفسهم، ثم ظهر فيديو على موقع «يوتيوب»، يظهر فيه ذلك الشاب النحيف الذي يضع النظارات واسمه راين لانزا. في الفيديو، يتحدث راين لانزا عن النفوذ السياسي للبرامج التلفزيونية مثل The Daily Show. هل كان ذلك الشاب شخصاً آخر يحمل اسم راين لانزا أم أنه الشخص نفسه الذي كتب على «فيسبوك»؟

ثم ظهر شخص آخر يحمل اسم راين لانزا وكتب على موقع «تويتر» في الثامنة صباحاً من يوم الجمعة، قبل ساعة ونصف على حادثة إطلاق النار: «إنه يوم اللعبة الكبرى يا رفاق». لكن سرعان ما أُجبر هذا الرجل على كتابة: «أنا لم أقتل أحداً. يصادف أن اسمي هو راين لانزا».

في وقت معين من عشية يوم الجمعة، اتضح أن القاتل ليس راين لانزا بل آدم لانزا، وهو الشقيق الأصغر لأحد الأشخاص الذين يحملون اسم راين لانزا. يوم الجمعة، حقق مكتب التحقيقات الفدرالي مع والد آدم، بيتر، وهو مدير تنفيذي في شركة GE Capital، ومع شقيقه راين (24 عاماً) لساعات عدة. لا أحد يشتبه بأن واحداً من الرجلين متورط بأعمال القتل.

لكن لم يتمكن أي منهما من شرح السبب الذي دفع آدم إلى هذا الحد من الجنون لدرجة أن يقتل والدته ويقضي على حياة أطفال أبرياء. لكنّ هذا الجزء الغامض من القصة هو الذي يثير الرعب. لقد تعرضت الولايات المتحدة لجريمة مريعة أخرى قبل وقت قصير من عيد الميلاد وعاد الهدوء ليخيّم مجدداً على بلدة صغيرة في مقاطعة نيو إنغلاند.

back to top