في أصول لبنان الطائفي لوضاح شرارة... الطائفيَّة وليدة نشأة الدولة الوطنيَّة

نشر في 22-04-2012 | 00:01
آخر تحديث 22-04-2012 | 00:01
No Image Caption
صدر عن دار «جداول» في بيروت كتاب «في أصول لبنان الطائفي/ خط اليمين الجماهيري» للباحث اللبناني وضاح شرارة، في طبعته الثانية بعد الطبعة الأولى التي صدرت في منتصف السبعينيات عن دار «الطليعة».

كتاب «في أصول لبنان الطائفي/ خط اليمين الجماهيري» شهادة بحثية مهمة كانت من ضمن ثمار النقاش حول الطائفية في مرحلة صعود اليسار اللبناني في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وكتبها وضاح شرارة الذي كان منتمياً غير تقليدي إلى اليسار واعتمد في تحليله على طريقة تتنافى وتتعارض مع الأطر الماركسية الكلاسيكية التي كانت سائدة في تلك المرحلة.

صدر كتاب شرارة ضمن موجة من الكتب من بينها «الاتجاهات الاجتماعية - السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي 1860 – 1920» للباحث وجيه كوثراني و{المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات» للباحث برهان غليون (دار الطليعة، بيروت 1979) و{الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية 1697 – 1861» لمسعود ضاهر (معهد الإنماء العربي، بيروت، 1981).

اليوم، يعيد وضاح شرارة إصدار كتابه مرة ثانية بعد مضي 36 سنة على إصداره الأول، يقول في تقديمه الجديد: «لم أحسب في مطلع السبعينات المنصرمة حين أردت تعقب بعض مصادر «لبنان الطائفي» وأصوله التاريخية العائدة إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، أن المجتمعات العربية المعاصرة، ولبنان في جملتها، كانت تستقبل حملة طويلة حبلى بحروب الجماعات والعصبيات والغرضيات الأهلية ونزاعاتها على أنواعها: الدينية والمذهبية والمحلية و{القومية» (الإتنية) والإقليمية والإيديولوجية والدولية». ويستعرض الكتاب العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سجّلت بداية الأزمة اللبنانية في القرن التاسع عشر، ويسعى إلى وضع الإطار التاريخي للتأييد الواسع الذي كانت أحزاب اليمين اللبناني وقواه الاجتماعية تنعم به في صفوف فئات يضعها التقسيم الماركسي التقليدي في صفوف اليسار.

يفند شرارة مقولات مجموعة من المثقفين اللبنانيين والأحزاب اليسارية في نظرتها إلى الطائفية والنظام الطائفي وأسبابه نشوئه. وعلى خلاف رأي غالب عشية 1975، انتهى كتابه إلى أن طائفية الجماعات الأهلية اللبنانية، واستطراداً العربية، ليست انبعاثاً مصطنعاً أو طبيعياً لعصبيات الجماعات القديمة والمزمنة، على ما رأى الخصوم أو الأنصار، وإنما هي وليدة نشأة الدولة الوطنية، الإدارية والتمثيلية والإقليمية المركزية، على أنقاض الولايات العثمانية ونظام السلطنة البائد، فنشأة هذه الدولة، على صورتها الحديثة أو الغربية، حملت الجماعات على النزاع، وطلب السلطة واقتسام الموارد ورعاية اللُّحمة الداخلية، من طرق وأوجه جديدة. وما يقوله شرارة في هذا الإطار بات مستنداً إلى كثير من الدراسات الحديثة التي تتطرق إلى الطائفية في النسيج اللبناني.

البنيان اللبناني

الكتاب نواة يمكن التأسيس عليها في قراءة البنيان اللبناني، سواء في تأريخه بعد حرب 1860 الجبلية اللبنانية أم تأريخ النسيج الاجتماعي والثقافي للأقيلات الإثنية والدينية والطائفية الهاربة من القمع العثماني والمملوكي وغيرهما والمتقوقعة في الجبل اللبناني، أم في قراءة نتائج تفكك السلطان والطغيان العثماني، وفي نتائج ثورات الفلاحين وتبدل جباية الضرائب وبروز الرأسمالية في مواجهة «المقاطعجية»، تزامناً مع بروز النفوذ الأجنبي الفرنسي تحديداً وتجارة الحرير في الشرق الأوسط وصعود دور الكنيسة المارونية وتأثيره في مختلف المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية، ناهيك بتراجع النفوذ الدرزي بسبب التحولات السياسية العالمية.

يعتبر شرارة أن الخط الطائفي تكون «داخل تناقضات لم يلغ عناصرها، بل إن تطوره العام قام على توسيع هذه العناصر وامتدادها إلى مجالات جديدة في الصراع الذي نشأ عنه الخط تبلورت أفكار أساسية مثل الاستقلال، وعامية السلطة، والتنظيم العسكري الشعبي، والعلاقات الرأسمالية (الفردية)... تبلورت هذه الأفكار في مواجهة أفكار أخرى شكلت يومها البنى القائمة والمسيطرة. فالاستقلال كان يعني الانسلاخ عن الطغيان التركي وعن التفاوت الذي يكرسه بين فئات تنتمي إلى أديان أو ملل متعددة. لذا كانت التنظيمات حدثاً سياسياً وإيديولوجياً يصعب اليوم تصور وقعه وانتشاره ألى أقاصي الأرياف. لكن الاستقلال كان يعني أيضاً، حركة واحدة الانضواء تحت قيادة القوى التي تشكل الند الفعلي للطغيان التركي».

يضيف شرارة: «لم يكن بمقدور فكرة الاستقلال هذه أن تنمو خارج الترابط مع قوى يستدعي نموها وانصارها أن تستقل هي نفسها، وأن تدعم استقلالها. ولا يمكن بالطبع استنباط هذه القوى. فهي قوى عربية، في منطقة يرتبط بها لبنان ارتباطاً عضوياً_ ولولا ارتباطه العضوي كان انفصل الجبل، كما خطط البعض قبل أن يكتشفوا أن الانفصال يعني ببساطة الموت». ويستنتج أن تاريخ الدولة والمجتمع اللبنانيين شهد فصولاً مختلفة من أحوال «النظام» الطائفي، شأن الدول والمجتمعات العربية، من بعد، وإلى يومنا؛ فتجدد مضامين «النظام» مع تجدد مضامين النزاع والصراع، وتعاقب الأدوار (الطوائف) وأصحابها، ومع تغير ملابسات الخلافات واندلاعها والتحكيم فيها، وإذا صح أن الطائفية هي نقيض الدولة الوطنية والمدنية فهي أيضاً صنع نشأتها المتعرجة والمجهضة في مجتمعات لم تطوِ مبانيها السلطانية الآسرة بعد. واليوم مع تولد الأزمات، برز لبنان في الواجهة وبات استعارة لكل ما يحصل في المنطقة، وهو ما أطلق في الوسط الإعلامي اللبننة، إذ بات صعود الجماعات جزءاً من التحول السياسي القائم.

جاء كتاب «في أصول لبنان الطائفي» لفهم الطائفية وفصولها في إطارها الواسع وليس الشعاراتي الذي يرفعه بعض دعاة إلغاء الطائفية في الشارع اللبناني.

back to top