نجمة الإغراء تدخل عرين وزير الداخلية
في هذه الأوراق، تصادف قتلة ومجرمين وقطاع طرق، ربما تعثر على بعض السكاكين والمسدسات وكثير من العدوانية، لكنك أيضاً ستعثر على أسباب غريبة للجريمة، وعلى ما لا يمكن أن تجده لدى المحللين والخبراء وصناع القرار... إنها أوراق حقيقية من أجندات ضباط مباحث، أتاحوها لقارئ «الجريدة» بما تضمه من وقائع وصور وذكريات مطارداتهم لتلك اليد الخفية، التي عرفتها البشرية منذ الأزل، وهي يد القاتل.
يعرف ضباط مباحث كثر أن مستقبلهم يكون على «كف عفريت» حين يتعلق الأمر بالعمل مع نجوم المجتمع، فبينما يمثل الضابط دولة القانون يكون مضطراً إلى العمل بحرص شديد مع ملفات النجوم، التي تكون دائماً «ملتهبة» وقابلة للانفجار في أي لحظة، يعرف ذلك معظم الضباط الذين عملوا في فترة الثمانينيات من القرن العشرين في مصر، خصوصاً مع وزير داخلية ذائع الصيت آنذاك زكي بدر.ذات يوم، أمر وزير الداخلية بضبط سيارة النجمة السينمائية الكبيرة «ص.ع» من أمام الفيللا التي يملكها أحد أكبر رموز النظام في مصر، خلال فترة الثمانينيات!وقالت التعليمات إن إدارة المرور المختصة ستحتفظ بالسيارة مع عدم الإعلان عن مكانها أو حتى الكشف عن أنها في حيازة وزارة الداخلية، ولا يتم تسليمها إلا بإذن خاص وتصريح من السيد اللواء زكي بدر.الضابط الذي توجه إلى عنوان الفيللا، لم يكن يعرف أكثر من أنه بعد سحب عليه تسليمها إلى قائده من دون أن يفتح فمه بكلمة، وقائده عليه أن يسلمها إلى أحد مساعدي الوزير في الإطار نفسه من السرية، ثم يبلغه مساعد الوزير بمكان السيارة مع تقرير كامل برقمها وحالتها.في الساعة الواحدة صباحاً، تحرك الونش التابع لإدارة مرور القاهرة نحو فيللا المسؤول الكبير «أ.أ» ورفع الضابط السيارة بهدوء شديد تحت الأمطار الهادرة والبرد الشديد واتجه بها إلى المكان الذي حدده له قائده. هكذا، تم تنفيذ الأمر بحذافيره، بينما كانت النجمة الكبيرة ما زالت داخل الفيللا غافلة عما يحدث خارجها، ربما كانت في لحظة دافئة تنجو بها من لسعات البرد التي تنخر عظام فقراء كثيرين في أيام شتاء لا يرحم.المكان الذي رُفعت السيارة منه كان يُسمَّى «منطقة الفيللات»، في إحدى أرقى مناطق القاهرة، وكانت المنطقة كلها حديثة البناء، بل كانت فيللا المسؤول الكبير هي البناء الوحيد في الشارع الذي ترتفع على جانبيه الأشجار، لا صوت في المكان سوى تلاطم الأغصان بقوة الرياح، وضرب كرات الثلج على أغصان الشجر... الشارع الهادئ مظلم، الفيللا مضاءة، الأبواب مغلقة، والخفير بعدما تصل النجمة السينمائية الكبيرة يدخل حجرته وينام حتى تطرق بابه مع أول ضوء للفجر ليفتح لها الأبواب المغلقة. بعدها بلحظات، غادر المسؤول الكبير الفيللا إلى مكتبه أو بيته حسبما رتَّب ودبَّر، فلم يكون تحت مرمى البصر أو مثيراً للشك من عائلته.كنا نحصل على هذه المعلومات بصعوبة فائقة، وبدافع من حب الفضول مع احتفاظنا بالسرية التامة، فإذا تسرَّب أي خبر وتم الوصول إلى من أباح به، فسيتعرَّض للتنكي من دون أن يعرف السبب. المهم أن الصدفة وحدها هي التي أخذتني إلى كشف أسرار هذا اللغز بعد عام من عملي في مباحث أمن الدولة، فماذا حدث؟المسؤول الكبير كان انتقد بشدة بعض الألفاظ التي يتفوَّه بها السيد وزير الداخلية زكي بدر، ووصفها بأنها بذاءة لسان! بل قال في إحدى جلساته مع بعض الوزراء إنه لو كان رئيساً للجمهورية لأقال هذا الوزير فوراً، وأضاف أنه لا يعرف سرَّ صبر رئيس الجمهورية عليه، على رغم علمه بأنه شتم وسب وقذف كثيرين من رموز الدولة وأطلق الرصاص على أعضاء من الجماعات الدينية واغتال كثيرين منهم؟ يبدو أن كل ما نطق به المسؤول الكبير قد وصل إلى زكي بدر فآثر الصمت حتى يدبِّر خطة محكمة للانتقام. ولم يكن الانتقام صعباً على اللواء بعدما كان مكتبه يتلقى تقارير يومية عن تصرفات الوزراء وكبار المسؤولين من مكتب خاص بمباحث أمن الدولة، يشرف عليه الوزير شخصياً, وهذا ما فسَّر صمت بعض كبار المسؤولين على تجاوزات الوزير وسلاطة لسانه، بعدما عرفوا أن بعض ما كانوا يقومون به وهم يظنونه سراً كان يصل مكتب وزير الداخلية بالصوت والصور. مثلاً، عندما احترق مكتب وزير الإعلام آنذاك صفوت الشريف، في أحد الطوابق العليا في مبنى التلفزيون في ماسبيرو، وقف زكي بدر أسفل المبنى بينما كانت قوات الإطفاء تتعامل مع النيران والتف الصحافيون حوله يسألونه عن سبب الحريق فكان رده غير المتوقع وبصوت مرتفع بأن الأماكن التي فيها «مسخرة} يجب أن تأكلها النيران بلا سبب. حينما علم السيد صفوت الشريف برد زكي بدر ابتسم واكتفى بالقول بأنه خفيف الظل.تجرَّأ زكي على جميع المسؤولين، ما عدا هذا المسؤول الكبير صاحب المنصب الرفيع، حتى جاءت هذه الواقعة التي انتقد فيها المسؤول الكبير زكي بدر بمنتهى الشراسة.نعود إلى حكاية سيارة النجمة السينمائية الكبيرة، التي رُفعت بالونش من أمام فيللا صاحب المنصب الرفيع. نزلت الفنانة مع نسمات الفجر من الفيللا فلم تجد سيارتها الفارهة، التي لم يمض على شرائها لها أكثر من شهر، ودفعت فيها سبعمئة ألف جنيه. كادت تفقد صوابها، عادت إلى المسؤول الكبير تبكي وتبلغه أن الخفير أخبرها بأن ونش المرور هو الذي رفع السيارة ومضى بها، وراحت تعاتبه لأنه لم يكن يسمح لها بإدخال سيارتها إلى ممر الفيللا المشغول بسيارتين للمسؤول صاحب المكانة السياسية المرموقة، ورد عليها بهدوء شديد أن السيارتين يبدل فيهما حينما لا يكون ممارساً لمهام عمله الرسمي، وأن الاحتياطات الأمنية هي التي تفرض عليه هذا وتجعله حريصاً على ألا تكون سيارة أي امرأة غريبة داخل الفيللا، ونصحها بالهدوء والاحتكام إلى العقل والبعد عن أي تصرف يؤدي إلى «الشوشرة». سألته ماذا تفعل، فطلب منها أن تستخدم إحدى سيارتيه للعودة إلى بيتها، وفي الصباح تذهب إلى إدارة المرور وتسدِّد الغرامة وتسترد سيارتها. فعلاً، نفذت الفنانة الكبيرة ما طلبه منها صديقها الذي كان اسمه آنذاك ملء السمع والبصر. في العاشرة من صباح اليوم التالي، بدأت الفنانة رحلة مضنية بين إدارات المرور المختلفة، كل إدارة كانت تفتح ملفاتها ثم تبلغها أن سيارتها غير موجودة، ولم يتم رفعها عن طريق الونش التابع لها، فلم يتوافر أي إثبات في الأوراق الرسمية بأن السيارة في حوزة الأمن. كادت الممثلة الحسناء تفقد عقلها، وهي تروح يميناً ويساراً بحثاً عن سيارتها من دون جدوى. طلبت المسؤول الكبير على هاتفه الخاص، وراحت تبكي طوال المكالمة وتحثه على أن يتدخل ويطلب وزير الداخلية شخصياً ليشكو إليه اختفاء سيارتها، فردّ عليها بأنه لا يجد مبرراً معقولاً يقنع وزير الداخلية بأن يتدخل لأجل سيارة ممثلة. أنهت الفنانة المكالمة شاكرة لصديقها هذا الموقف السلبي واعتكفت في بيتها تبكي السبعمئة ألف جنيه ثمن السيارة التي ظنَّت أن عصابة انتحل أعضاؤها صفة رجال الشرطة واستخدموا ونشاً وسرقوها، لكن أصدقائها سخروا من هذا التفكير، فمن أين تأتي عصابة سرقة بونش مكتوب عليه إدارة مرور القاهرة؟! ولماذا يعرضون أنفسهم للخطر بهذا الشكل الغبي، أخبروها أن ضابطاً أساءت إليه هو الذي انتقم منها بنفسه، أو عن طريق زميل له في إدارة المرور، ولن تظهر سيارتها إلا إذا تدخل وزير الداخلية بنفسه وحقق في شكواها؟ لم تتردد الفنانة في الذهاب إلى وزارة الداخلية حيث طلبت مقابلة الوزير، فرحب بها وبعدما أحسن استقبالها غلبتها الدموع وراحت تحكي له عن سرقة سيارتها أو اختفائها عن طريق رجال المرور. ضحك الوزير بأعلى صوته ثم راح يهدئ من روعها وسألها فجأة:أين كانت سيارتك تقف؟!صمتت برهة، تذكرت خلالها تعليمات المسؤول الكبير بألا تنطق باسمه في أية مناسبة وألا تتحدث بأي علاقة تربطها به. لكن الوزير كرر سؤاله، وقد لاحظ ارتباك الفنانة التي قررت أن تذكر اسم الشارع فحسب. عاد وأطلق ضحكته المدوية وهو يسألها:وأين كنت في هذا الشارع؟! ليس فيه سوى فيللا « ... }، إنها الفيللا الوحيدة شبه المسكونة في هذا الشارع.احمر وجه الفنانة وتلعثمت ولم تجد رداً سوى أن تقرر أنها كانت في زيارة لهذا المسؤول الكبير ليقدم خدمة لأحد أقاربها. للمرة الثالثة دوت ضحكة الوزير وهو يهمس للفنانة:خدمة... في الفجر! أنا لا أحب من يتعمَّد الكذب، معلوماتي التي أثق فيها كما أثق في نفسي أنك صديقة لهذا المسؤول الكبير لدرجة أنك تنادينه «بمشمش»، وهو اسم الدلع الذي اخترتيه له من حروف اسمه مثلما اختار لك هو اسم «صفصف»!أطرقت الفنانة برأسها إلى الأرض خجلاً، لكن الوزير طلب إليها أن تطمئن ووعدها بأن تتسلم السيارة فوراً بمجرد أن يحدثه المسؤول الكبير ويقطع الفجوة بينهما.عادت إلى بيتها ترتجف، ندمت على الخطوة التي قامت بها، لقد أصبحت بين رجلين من أكبر رجال الدولة وأكثرهم قوة ونفوذاً. رنّ جرس الهاتف في بيتها، فأجابت في زهق، فوجئت على الطرف الآخر من المكالمة بالمسؤول الكبير يعاتبها على طول خصامها له وشدة شوقه إليها، فانتهزت هذه الفرصة ووعدته بأن تسهر معه الليلة، وأن تعوِّضه عن كل ما فات من ليالٍ أدركت فيها كم تحبه! ذهبت إليه وهي في قمة أناقتها وذروة أنوثتها وروعة دلالها وكأنها عروس في ليلة زفافها، واستقبلها هو وقد تنازل عن هيبته وبلغ به الضعف مداه. كانت تفجر آبار أنوثتها التي لم يكتشفها سابقاً، وكان هو يزداد ضعفاً حتى تحيَّنت الفرصة، وهمست له بمقابلتها بأحد مساعدي وزير الداخلية في رحلة بحثها عن سيارتها فأشار عليها بأن يتصل أي مسؤول كبير بالوزير ويبلغه بشكواها وحينئذ ستظهر السيارة. أخفت خبر مقابلتها الوزير نفسه كي لا يقلق المسؤول الكبير، وانخدع الرجل بالكذبة التي اخترعتها صديقته! بل حرصت الفنانة المعروفة على أن يظل الرجل ضعيفاً بين يديها، حتى فارقته على وعد منه بأن يتصل بالسيد الوزير.في العاشرة صباحاً، نفذ المسؤول البارز وعده، اتصل بالوزير الذي ما إن سمع صوته حتى قهقه ضاحكاً وهو يقول له:* اسمع يا باشا... أنا عارف سبب المكالمة. الست صفصف تروح حالاً الإدارة العامة للمرور ولا تتحدث مع أحد وسيعطونها السيارة. أنا عارف حجم الود والمعزة بين سيادتك وبين الست صفصف من طريقة كلامها عن سيادتك وهي عندي في المكتب.شكره المسؤول الكبير وهو يتصبب عرقاً، أيقن أن وزير الداخلية بهذا التصرف أراد أن «يكسر عينه» ويبلغه رسالة بأن علاقته بالفنانة المعروفة وُضعت في ملف خاص، وأزعجه أكثر أنها كذبت عليه الليلة السابقة ولم تخبره بمقابلتها الوزير، وصار على يقين من أنها باعته بسبعمئة ألف جنيه. لكنه كان أمام موقف لا بد من علاجه بحكمة كي لا يخرج الأمر عن السيطرة. اتصل بها وطلب منها أن تذهب للإدارة العامة للمرور حيث سيقومون باللازم.لم تتأخر السيدة «صفصف» دقائق معدودات داخل الإدارة العامة، تسلمت سيارتها وغادرت المبنى وهي تكاد تطير من الفرحة. اتصلت بمعرض السيارات ليستلم منها السيارة التي استأجرتها خلال الفترة الماضية، ثم اتصلت بالمسؤول الكبير لتشكره، لكنها فوجئت بأنه لا يجيب. ذهبت إلى الفيللا في المواعيد التي كان متفقاً عليها، لكن الخفير كان يبلغها في كل مرة بأن الباشا غير موجود حتى فهمت في النهاية بأنها صارت ضيفة غير مرغوب فيها!الغريب أن السيد زكي بدر تمت إقالته فجأة، بعدما كان قد بدأ يتجرَّأ على هذا المسؤول الكبير في المناسبات التي يحضرها، وبعد فترة تمت إقالة المسؤول الكبير، بعدما نسبوا إليه علاقة بامرأة أخرى، غير الست «صفصف» طبعاً.