عشر سنوات من الحماقة الغربية قضت على كل أمل في أفغانستان
تسود سحابة من الشكوك والمخاطر فوق كابول، وهي كثيفة بقدر السحب الناجمة عن التلوث الذي يخفي المنظر الأخاذ في الجبال المحيطة بالمدينة. بعد 11 عاماً على التدخل الغربي العسكري، بدأ انسحاب القوات الأميركية والبريطانية والدولية، لكن لا أحد يعلم ما إذا كان رحيلها سيؤدي إلى تعزيز الاستقرار أو نشر الفوضى في بلدٍ غارق في الحرب الأهلية منذ 40 عاماً تقريباً.يعبر معظم الأفغان عن سعادتهم لمغادرة القوات الأجنبية، لكن يشعر عدد كبير منهم بالقلق من الفراغ الذي ستخلّفه تلك القوات على الرغم من الوعود الدولية بتوفير مليارات الدولارات خلال العقد المقبل. خلال سبع زيارات إلى ذلك البلد منذ إسقاط حكم طالبان، لم ألحظ يوماً مزاجاً قاتماً وتشاؤمياً لهذا الحد بين الأفغان.يسود شعور عام بالخيبة والمرارة. لقد تبخرت نهائياً الآمال المرتفعة التي أنتجها تغيير النظام في عام 2001. لم تنفذ القوى الخارجية معظم الوعود التي أطلقتها. تحولت كابول إلى معقل لجدران الإسمنت وأبراج المراقبة التي يخرج منها الدبلوماسيون الخارجيون وهم داخل مركبات مدرعة حصراً لإجراء لقاءات رسمية. يشعر الصحافيون والعاملون في المنظمات غير الحكومية والغربيون المستقلون الذين عاشوا هناك طوال سنوات بتنامي مزاج الغضب، وقد امتنع معظمهم عن الذهاب إلى كابول خوفاً من النظرات العدائية، والإهانات التي يهمسها الناس في داري أو باشتو، أو من رمي الحجارة عليهم.يلوم الأفغان المسؤولين الحكوميين على صرف معظم أموال المساعدات، ولكنهم يلومون الجهات المانحة الغربية أيضاً لأنها لا تقوم بالكثير لتقليص حدة الفساد. كذلك، يتهم البعض القادة العسكريين الأميركيين الذين سلّموا الأموال النقدية لتنفيذ مشاريع سريعة بالتشجيع على الفساد.يشعر بعض الدبلوماسيين حتى الآن بالتفاؤل الحذر بشأن "التطور ولو كان هشاً"، بينما تُسلّم الولايات المتحدة وبريطانيا المسؤولية العسكرية إلى قوى الأمن الوطنية الأفغانية التي تدربت خلال فترة قصيرة. يشاركهم عدد قليل من الأفغان ذلك التفاؤل. ينقل الأثرياء الجدد أموالهم أو عائلاتهم إلى دبي ودول خليجية أخرى. يعمد الكثيرون إلى عرض منازلهم للبيع كي يحصلوا على الأموال النقدية اللازمة لمغادرة البلد. تشير تقارير وكلاء السيارات المستعملة إلى أن عدد الباعة يفوق عدد الشراة.يعلن الخطاب الرسمي أن قوى الأمن الوطنية الأفغانية تتولى دوراً قيادياً متزايداً في ساحة المعركة، لكن من الواضح أنها تفتقر إلى الخبرة والمعدات. في مناطق كثيرة، لم يعد القادة الأميركيون يوفرون دعماً جوياً مكثفاً أو تسهيلات الإخلاء الطبي إلى الوحدات الأفغانية المحاصرة: إنه مؤشر حاسم على أن الأفغان أصبحوا وحدهم في هذه المعركة. وفق إحدى النظريات المتعلقة بارتفاع عدد الاعتداءات التي تشنها القوات الأفغانية على حلفائها الغربيين، ينجم هذا الوضع مباشرةً عن زيادة العمليات المشتركة. يساهم العمل عن قرب مع القوات الغربية في منح الأفغان خبرة مباشرة و"ثقافة" معينة. هم يبغضون وحشية حملات القصف التي يُطلَب منهم المشاركة فيها ضد الأحياء العائلية. كان انسحاب القوات الأميركية يعني أصلاً خسارة الأرض التي كانت تنتشر فيها. في المحافظات التي أغلقت فيها الولايات المتحدة قواعدها الناشطة، عادت "طالبان" وجماعة متمردة أخرى، "الحزب الإسلامي"، لسدّ ذلك الفراغ. من المتوقع أن تتنامى هذه النزعة في عام 2013، حين يرتفع عدد المناطق المتنازع عليها في الأرياف الأفغانية بين "طالبان" والقوات النظامية، فيظن البعض أن كابول ستسقط سريعاً، لكن ستسيطر طالبان على مئات المراكز في الجنوب والشرق حيث تنتشر قبائل البشتون. ستواجه حركة السير على الطرقات الرئيسة مجموعة من حواجز التفتيش، وقد تسيطر على بعضها قوى الأمن الوطنية الأفغانية، أو "طالبان"، أو مقاتلون محليون آخرون، أو عصابات إجرامية مسلحة. بالنسبة إلى الأفغان العاديين، سيتدهور الوضع الأمني بشكل ملحوظ.بعد عشر سنوات من الحملة الدعائية المتواصلة ضد "طالبان"، أنتج الأمن النسبي في كابول وتدفق الأموال إلى المدارس وتوسّع الجامعات جيلاً جديداً يحمل بعض التفاؤل في العاصمة. لكن يقرر بعض الشباب المغادرة أيضاً. قالت إحدى الصحافيات إن ابنها شعر بالاستياء لأن عائلات أصدقائه كانت تدّخر الأموال لدفعها إلى المهرِّبين كي ينقلوهم إلى أوروبا، لقد شعر بالعزلة والإحباط لأنه لن يذهب معهم. في مكاتب المنظمات غير الحكومية في محيط كابول، يتابع الناشطون الشباب، في العشرينيات أو الثلاثينيات من عمرهم، إنفاق أموال الهبات على مجموعة مشاريع تتراوح بين تمكين المرأة وإنشاء مراكز الصحة العقلية وتطوير وسائل الإعلام المستقلة. هم يعرفون أن تلك الأموال ستتوقف قريباً.على صعيد آخر، من المنتظر أن يرتفع مستوى البطالة إلى معدلات قياسية، إذ سيتقلص عدد المترجمين والسائقين والطبّاخين الذين يخدمون قوات الاحتلال خلال السنة المقبلة، وستقفل فِرَق إعادة الإعمار المحلية أبوابها (إنها القواعد التي يجلس فيها المستشارون الخارجيون ويراقبون عمليات تسليم المساعدات). نتيجةً لذلك، ستنهار المشاريع بشكل دراماتيكي لأن الجهات الخارجية لن تعود قادرة على الإشراف عليها.يظن المتفائلون في النخبة الأفغانية أن الفرصة لا تزال سانحة كي تكسب الحكومة التأييد الشعبي خلال السنتين المتبقيتين قبل مغادرة القوات الخارجية. هم يريدون أن يضمنوا نزاهة الانتخابات الرئاسية وانتخابات مجالس المحافظات المقررة في عام 2014. سيؤدي ذلك إلى إضعاف ادعاء "طالبان" بإرساء العدل بفاعلية أكبر من المجرمين الذين يسيطرون الآن على الحكومة المحلية والمركزية. لكن يشك الكثيرون باحتمال حصول ذلك خلال سنة واحدة بما أن عقداً كاملاً من الزمن لم يحقق الكثير.خارج أفغانستان، انهارت المصلحة العامة. في أوروبا والولايات المتحدة، يريد الناس أن تخرج بلدانهم من ذلك الصراع حتى لو اعتُبرت تلك المغامرة هزيمة. كان من اللافت أن تلعب الحروب الخارجية هذا الدور الثانوي في الانتخابات الأميركية. لن يطالب الكثيرون بمحاسبة صانعي السياسة على إخفاقاتهم بقدر ما حصل بعد تجربة العراق. كان الشعبان الأميركي والبريطاني متواطئَين في ما حصل لأن الاعتداء الانتقامي على أفغانستان بعد هجوم 11 سبتمبر حظي بتأييد واسع، أكثر من غزو العراق حتماً. في كابول، كان الترحيب بالمحتلّين الخارجيين أكبر بكثير من ترحيب سكان بغداد أو البصرة. وكانت "طالبان" تحظى بقاعدة دعم أصغر من قاعدة صدام حسين. لكن حين فشل بوش وبلير في توقع انهيار شعبية الجيوش الغربية بعد فترة قصيرة لأنها تغزو دولاً مسلمة، ولا مفر من تحميلهما ذنب ارتباك حماقة تساوي بحجمها حماقة حرب العراق.