بين المبالغة في حب الذات وافتقاده
حب الذات عاطفة دفينة تميز شخصية الإنسان الذي قد يكون عرضة لافتقادها أو للمبالغة فيها. وتنهمر الانتقادات أحياناً على هذه الشخصيات المسماة بالضعيفة التي لا تتمتع بما يكفي من حب الذات، أو بشكل أكبر على تلك التي فقدت السيطرة على نفسها لأنها بالغت في حب ذاتها، بعدما رسمت لنفسها صورة غير متكافئة. أما السن فليست دائماً مرادفاً للحكمة في هذا المجال.يؤدي حب الذات دور الدافع الممتاز أحياناً. إذا كنت تتحلى به، فمن المؤكد أنه لن يخيب أملك في نفسك بتاتًا. من هذا المنطلق، ما هي أفضل الحوافز التي تساعد على التقدم وحتى على التفوق؟
قبل كل شيء، عليك التحلي بقدر مناسب من حب الذات. بالتالي، الحفاظ على التوازن الأمثل. لكن، يحدث أحياناً أن تفتقد شخصيات معينة هذه العاطفة أو أن تبالغ فيها، ناهيك بالغالبية العظمى التي تتقلب بين الفئتين من دون إتقان السيطرة على هذه العاطفة التي تقودها غالباً من دون وعي.عندما نفتقدهمهما كانت أسباب افتقاد حب الذات، اعلم تمامًا أن نتائجه حقيقية وملموسة للغاية. فذلك يعني أنه من السهل التلاعب بالشخص المعني إلى أبعد الحدود، وهذه مشكلة فعلية، ينظر إليها المراهقون على أنها عادية. فعلاً، الافتقاد لحب الذات واحترامها يجعل غالبية الأشخاص المعنيين يقعون ضحية الأحداث التي تعترضهم ويؤدي بالأقلية إلى عدوانية غير مناسبة.ملف شخصي للضحيةالرجل والمرأة اللذان لا يتحليان بقدر كاف من حب الذات، يشكلان هدفًا مثاليًا للأشخاص الذين يجيدون التلاعب بالآخرين. إذا كان الشخص المعني رجلاً، فهذا يعني أنه منحرف يجيد التلاعب بمشاعر الآخر ببراعة مدهشة. كذلك قد يكون مشرفًا، رجلاً كان أم امرأة، فيستغل الفرصة لاستخدام الضحية المحتملة وإساءة معاملتها أحيانًا. هذا نتيجة حب الذات الذي يحث الشخص على التمرد ورفض الخضوع.في العلاقات الغرامية والعلاقات المهنية على حد سواء، يجد الشخص الذي يستخف بذاته أنه عاجز إجمالاً عن استجماع قواه الضرورية للتعبير عن سخطه أو على الأقل حماية نفسه ضد الهجمات الغادرة أحيانًا.تطور ممكنمن الضروري غالبًا أن يتدخل طرف ثالث بشكل فاعل لمساعدة الشخص المعني على تذليل العقبات وتحسين نظرته إلى نفسه تدريجًا. فيعي الشخص قيمة نفسه ويدرك حجم المهارات التي اكتسبها مع مرور الوقت. كذلك، يتنبّه أحيانًا إلى التأثير الضار الذي تسبب به بعض الأشخاص الذين سبق وسيطروا عليه في الماضي أو في الطفولة، فيصبح بإمكانه الشعور بمزيد من الثقة بالنفس للمطالبة بحقوقه. في مرحلة التغيير هذه، يبدأ العمل على إظهار بعضً من حب الذات أو تعزيزه، بالتالي وضع حدود للتعديات الخارجية. أحياناً، قد تكفي العلاجات السلوكية ليتمكن المريض من التفاعل وإجراء التمارين على مستويات مختلفة. لكن في بعض الحالات الأخرى، تكون الصدمة بالغة والذكريات أليمة فتستدعي حالة المريض اللجوء إلى العلاج النفسي.كل ما زاد عن حده نقص في المقابل، من يبالغ في حبه لذاته قد يشكل عائقًا فعليًا. في الواقع، يحق لكل شخص أن يشعر ببعض الفخر حيال ذاته وما توصل إليه، ويشكل هذا الشعور درع حماية في وجه التعديات والانتقادات غير المبررة، من دون التسرع في الغضب بالتأكيد.المبالغة في حب الذات عيب في غاية الخطورة، فيصعب على المحيط تقبله والتأقلم معه. في الواقع، نلاحظ أن الشخص المعني قد رسم لنفسه صورة مبالغاً فيها لدرجة تجعل الانتقادات مرفوضة تمامًا. قد تعود الأسباب التي أدت إلى بناء شخصية مماثلة إلى تربية «الطفل الملك»، دائم الدلال. أو على العكس تمامًا، إلى تعريض الطفل إلى الهجوم الدائم: نتيجة لهذه التربية، بدلاً من أن يستسلم الطفل إلى هذه الضغوطات الخارجية التي تبث له صورة خاطئة، ينعكس رد فعله من خلال غريزة البقاء والمزاج الشخصي. ويظهر بوضوح أن أسباب هذه المبالغة في حب الذات مهمة، لأن تغيير السلوك لن يحصل حسب القواعد ذاتها.حالة «الطفل الملك»في هذه الحالة، نواجه مشكلة عدم الفهم حيال التعديات الخارجية والتي تؤدي بالتالي إلى الرفض. يميل الشخص الذي تلازمه حالة «الطفل الملك» إلى صدّ أي تطور. فيما يروح أصدقاؤه وزملاؤه يشعرون بغروره وكبريائه المتزايدة واعتداده بنفسه وأنانيته المفرطة. باختصار، يميلون إلى الحديث عن القابلية التي لا تسمح بإقامة حوار حقيقي وعميق ما إن تظهر ملامح التشكيك الشخصي عند المعني. غير أن المشكلة تكمن في شعوره بأنه تم التعدي على الأنا إذا ما وُجّهت إليه الانتقادات.لأجل التوصل إلى تغيير هذا السلوك، من الضروري العمل على الذات. ولن يحدث ذلك سوى بعد سلسلة تأملات ومراجعات تجبر الإنسان المعني على البدء في إعادة النظر في أمور كثيرة. إنه من الأساسي إذًا أن نلجأ إلى شخص نثق تمام الثقة فيه وألا نخشى من أن يؤدي حكمه علينا إلى انقطاع التواصل بيننا، إن كان من الأهل أو الأصدقاء. إذا لم يتمكن الشخص المختار من المساعدة، من الضروري عندئذ اللجوء إلى معالج نفسي لإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.مراجعة الذات تهز الإنسان ويجب ألا تؤدي بتاتًا إلى تدمير الثقة في النفس بل إلى التغيير. لذلك يجب مراقبة عملية المراجعة عن كثب، فالمريض يميل إلى التنقل من حالة مبالغ فيها إلى أخرى أو في النهاية إلى رفض أي تغيير في سير سلوكه.حالة الطفل المنبوذيكوّن صورة عن ذاته كرد فعل ولا يتحمل إذًا أي نوع من الهجوم، بل يختبره كمن يعيش صدمة نفسية. نشهد أحيانًا تطورًا في شخصية الولد المنبوذ قد يستغرق سنوات كثيرة، لكن عادةً ما يتمثل بقدرة المرء على إدراك حسناته وسيئاته بموضوعية كبيرة.ويصبح المرء واثقًا من قدراته، ما يسمح بتغير سلوكه. غالباً، يكون طموح المرء الذي يكون منبوذًا في طفولته أن يبرهن أنه الأفضل، ويصعب عليه أن يتقبل أي نوع من السلطة أو التسلسل الهرمي. ويعتبر النقد الذاتي كعملية بإمكانها أن تغذي ضعفاً ما أو تترك صدعًا في سلوكه المنظم بالدفاع عن النفس.عندما يحصل المرء على قدر كافٍ من الاهتمام على الصعيد المهني و/أو الشخصي، قد ينشأ لديه نوع من الرضا حيال صورته. فتحل العلاقات الحالية محل الملاحظات التي تلقاها بألم في طفولته. يمكننا إذًا التحدث عن قابلية ستبقى حية مهما حدث لأن الجرح والخوف من المعاناة ما زالا يتركان أثرًا لا ينسى، لكن يمكن لحب الذات أن يبلغ مستوى يسمح للمرء أن يتقبل الانتقاد من البيئة والتسلسل الهرمي، ما قد يتطلب سنوات طويلة ليتحول إلى واقع ملموس.فوائد المبالغةفي ظل جو من حب الذات المبالغ فيه، لن تواجه إلا الصعوبات. ولن ننسى أنه يؤدي إلى رسم صورة لأنفسنا بغاية الإيجابية، ما يوقعنا في عقدة التفوق، علماً أن ذلك يشكل دافعًا فعليًا عند بعض المراهقين أو الشباب.في الواقع، يميل هذا النوع من الشخصية إلى بذل قصارى جهده لعدم تخييب آمال الآخرين، خصوصاً نفسه. ليس بهدف البقاء على مستوى توقعاته بل آرائه المؤاتية. ولأجل التوصل إلى النتيجة الفضلى، يمكننا طلب المساعدة من شخص نثق به، ليس بهدف أن يتحكم بنا، بل ليساعدنا في عملية تطوير ذواتنا.