رسائل في الشوق والفراغ

نشر في 16-06-2012 | 00:01
آخر تحديث 16-06-2012 | 00:01
No Image Caption
الطاولات والكراسي، الكؤوس والشوك والملاعق، الأسرّة والأغطية، تتغير في أوقات مختلفة في اليوم الواحد.

العمال والنـُدل، مباشرو النشاط الوظيفي في الفنادق، يهرعون من الصباح الباكر عبر الحافلات والسيارات والقطارات، إلى مزاولة أعمالهم وتأدية الواجب المناط على عاتقهم، لاستلام المرتبات آخر الأسبوع أو الشهر.

جيش الموظفين يهرع كل صباح وكل مساء...

وجيوش السيّاح والوافدين على المدن والفنادق، المطاعم والمقاهي، يَفدون في كل الأوقات من بلدانهم البعيدة والقريبة لدوافع مختلفة. مدفوعين في الأساس بحلم التغيير والتجديد من حياة أضحتْ خانقة وضاق أفقها مهما كان واسعا ذا قبل، جعلته العادة والنمط لا يطاق ولا بد من كسر جموده. وذلك لا يتأتى إلا بالسفر والترحل إلى بلد آخر وطقس آخر. وغالباً يقع هذا البلد وهذا الطقس، خارج الحدود الجمركيّة والسياديّة للأوطان التي تربي الفرد والجماعة على أناشيدها وثقافتها، من أكل وشرب وتاريخ وجغرافيا، في الواقع والمتخيّل المثالي الذي تحتاج إليه الأوطان المختلفة لحقن مواطنيها وسكانها وشعوبها بجرعات الولاء والصِلة والمصير.

يتوافد السياح والمسافرون عبر عَتمات الدروب الطويلة التي يمتد طولها لخمس عشرة ساعة وأقل وأكثر، متحملين مشقة الطرق الجويّة المتقلبة والبريّة الصعبة التي تمتد لأيام وليالٍ لا ينام فيها المترحل والمسافر إلا خِلسات كرى مُنتزعة من غابة الهواجس والتوقعّات...

ليس للمسافر من حدود لأحلامه، فهو يريد أن يفترس المسافة والمتعة قبل أن يفترسه الزمن وتقلب الأحوال... هناك من بلغ عِتيّا من تراكم سنوات العمر، تراه أكثر نشاطاً في تكديس أحلام المسرّات والمناظر المبهجة للنفس، وما تبقى من حياة. وغالباً هؤلاء من الأقوام الأوروبيّة ذات القامة الحضاريّة العالية التي تحسب لكل مرحلة من العمر حسابها الخاص.

أما الأقوام الأخرى التي يسحقها العوز وخراب الأحوال، فالأمر لديها على عكس ذلك تماماً...

السفر بالنسبة لمعظمها، هو الرحلة اليوميّة في البحث عن لقمة العيش أو (الستر) ستر العراء الوحشي الذي ترفس في أتونه، هذه الشعوب...

في الأماكن المختلفة من العالم، في برهة العصر الذي نعيش، تستقبل هذه الأماكن المخصصة، زوارها ومريديها وتستقبل عشّاقها ومحبيها، كل بمزاجه وتصوره الثقافي، للرحلة والتغيير. تتجدد دورة الحياة براً وجواً وبحراً حتى توشك على الانفجار من فرط الحركة وكثافتها معلنة كل لحظة حبلى بالتغير العاصف.. كل لحظة جديدة وكل موت قديم..

* * *

أيهما أكثر فظاعة ً ووحشة ً؟

صحارى الصقيع الجليديّة

أم صحارى القيامة الرملية؟

القطب الجنوبي

أم الربع الخالي؟

الأجدر أن نوّجه السؤال إلى حفّاري الأعماق البشريّة،

أولئك المتألمين بقسوةٍ عبر التاريخ.

* * *

مرت أيام لم أكتب لكِ حرفا أو كلمة. مشاغل يومية أخذتني في سياقها ولم تأخذني من القراءة المتقطعة لأكثر من كاتب وكتاب. أريد أن أكتب شيئاً ما، أن أعبر بالكلمات الناقصة والمشاعر المضطربة دوماً.

أعماقي ترزح تحت هذا الهاجس الذي يجعل الكلمات تتوافد عليّ في نومي وتوقظني لأكتبها، وحين يسحبني النوم إلى جزره البعيدة، لا أتذكر في الصباح إلا ضباب عبارات هاربة، لا يمكن القبض على أي منها، كما جاءت في المنام مشوشة غامضة وعدوانية...

إرادة الكتابة لا تجعل منها على الدوام أمراً ممكناً وإلا ستكون عملية إكراه فظّة، خالية من الوقود النضِر اللازم للكتابة.

أريد أن أكتب عن ذلك الطائر الأحمر القاني الذي رأيته بالأمس في الحديقة المليئة بأصناف الطيور والحيوانات من كل بيئة وجنس ولون.

ذلك الطائر، قطعة النار اللاهبة وسط بحر الخضرة والطيور المحلقة والناعسة على منعطف الممرات والأشجار.

حتى حين انهمر المطر مدراراً غزيراً كان الطائر الناري يشعل فضاء الغابة بغزارة الدم القاني، الدم المسفوك في كل جهات الأرض، وعلى ضفاف سماء المغيب. كان لونه المتطاول المتمادي على صغر حجمه وهو يْلبد على غصن الشجرة العملاقة، كأنما يلتهم كامل الفضاء والمكان...

كانت مشاعري تجاهه، وهو يجرفني في دوامة ضيائه الحارق، تتوزّع بين الدم المراق على امتداد تاريخ الكائن وبين اللهب الخالد لنار (هيروقليطس) التي هي أصل الوجودِ واليها يعود... وما لا يوصف من ذكريات نار المواقد لبدوٍ مترحلين عبر الصحارى والجبال...

كان ذلك الطائر الذي أشعل الفضاء وأشعل الأعماق أنظر إليه على نحو من خفر وحزن أزلي، حزن الطائر، الذي لم يفقد وحشية البراري والأكمات. ولم تدجنه اليد البشرية كباقي حيوانات الحديقة ووحوشها.

حتى الأسود والنمور وأنواع النسور، بدت مستكينة لـَقـَدرها، من غير خيال ولا مخالب وأسنان، بدت كدليل وعلامة على الهزيمة المذلة وانقراض السلالة النبيلة...

وحده الطائر، حديقة الدم القانية المشعة عبر الأرجاء والآماد.

* * *

اليوم 25/4/2010 تناسيت نفسي في السرير متقلباً برفاهية العطالة وأحلام اليقظة التي تتقاذفني أمواجها إلى البعيد البعيد... الطفولة الغائرة في قيعان بحار مرجانية وأخرى مأهولة بكافة الضواري البحرية التي تتحول عبر الفعل الخارق لأحلام الطفل إلى كائنات رحيمة تلعب معها بألفة وحميميّة...

هناك حيث تسكن أسماك القرش، جنة القرش في سواحل بحر العرب أو في المحيط الهادي حيث تزدهر وتتكاثر ذريته بشكل لا نظير له في كافة البحار والمحيطات.

أسماك القرش في المحيط الهادي أكبر المحيطات في العالم، وأكبر من الأرض اليابسة، وحده المحيط الهادي أكبر من أرضنا ببلدانها ومدنها وحضاراتها وبشرها قاطبة.

صحوت مستعيداً بعض تلك الظلال الفردوسية بوحشية الكون الأولى...

أرتدي ملابسي بسرعة، أفتح شباك الشرفة الأرضية كي أختصر الطريق نحو قهوة الفندق التي توشك على الإغلاق. أمضي لألبس حذائي الذي تركته في الشرفة نفسها، حين رأيت ما يشبه مشهداً سينمائياً، ظننته لأول وهلة قادما من عالم الأحلام والهلوسات، أو أن الرؤية ما زالت تحمل طحالب النوم، رأيت حيّة تنسلُّ من داخل الحذاء حيث كانت على ما يبدو نائمة طوال الليل، تنسل بخفة ورشاقةٍ ما إن سمعتْ صوتا يتجه نحو ملاذها الليلي الآمن والعابر. راقبتها تزحف بتؤدة بين ظلال أشجار الحقل حتى وصلت إلى ما يشبه الدغل الصغير واختفت في جروفه المظلمة لتواصل نومها الهادئ الطويل.

فكرت أنني أزعجت هذا الكائن الوديع وأقلقت راحته رغم أنني لا أحب الحيات أو الثعابين. فقد كانت تقضُ نومي بأشكال كابوسية متنوعة... وشاهدتها طفلاً في القرى والوديان الغائرة بين الجبال العالية، تزدرد العصافير واليمام بريشه لقمة واحدة، كما تزدرد الصحراء الفصول. شاهدت اليمام يستسلم لأنياب الوحش من غير مقاومة، يستسلم لحتفه القاسي والأكيد...

لكنني الآن في البلاد التي تشكل امتداداً للحاضنة الصينية الكبرى التي تصخب معتقداتها الميثولوجية بحب هذه الأنواع الزاحفة. وخاصة أعظمها خِلقةَ وشكلاً (الدراجون) الذي يرمز لديها إلى نماء الحياة والخصب والانتصار. على عكس بعض المعتقدات الشرقية وغيرها التي ترى في هذا الحيوان الأسطوري وأشباهه، رمزاً للشر والخراب، يجري التخلص منه على يد رمز الخير والانبعاث، لتعود الأرض اليباب إلى النماء، ويتدفق الأمل في شرايين الحياة من جديد.

ربما أصبحتُ صينيا في هذه اللحظة العابرة، وأنا أشاهد الحية بحبٍ وحزنٍ، وهي تزحف وتتوارى هاربة نحو جروفِ الدغل.

* * *

يذكرني نهرُ (ميري) الذي يشق البلدة من الأقصى إلى الأقصى متابعاً طريقه ليس باتجاه نهر (الميكونج) الكبير الذي ينام في أحضانه الشاسعة عددٌ من دول الشرق الآسيوي وتتفرع منه الأنهار والقنوات والدلتيات الكثيرة «منذ ملايين السنين ونهر الميكونج يثري الحضارات ويضم أحد أكثر عوالم الأسماك والنباتات تنوعا في العالم»... فـ(ميري) بصفتها جزءاً من الجغرافية الاندونيسية التي تشكل ذلك الأرخبيل الكبير من الجزر، سيكون اتجاه نهرها أقرب إلى تلك الجزر والأنهار والبحيرات..

يذكرني نهرُ (ميري)، في نقطة التقائه ببحر الصين، بنهر (أبي رقراق) في الرباط حين يلتقي في مصب المحيط الأطلسي، ويذوب النهران كما الأنهر الأخرى، في مياه البحار وأمواجها المتلاطمة...

نقطة الالتقاء تلك هي آخر ملمحٍ من ملامح الأنهارِ وهويّتها المائية قبل أن تُبتلع وتضيع.

نقطة الالتقاء تلك هي آخر محطةٍ للأنهار في سفرها الطويل عبر المدن والقرى، الغابات والمروج...

هل تنقطع ذاكرتها وتُبترُ في خضم ذلك العناق القاسي مع البحار والمحيطات الذي ينتهي بالذوبان والضياع؟ أم تبقى شظايا متناثرة تتقلب فوق أديم الموج والزبدِ وهياج الأعماقِ والحيتان الغاضبة؟

back to top