رحلت والدتي بقيت أمي

نشر في 15-09-2012 | 00:01
آخر تحديث 15-09-2012 | 00:01
No Image Caption
أتتني صديقتي الحميمة هبى في أحد الأيام، دخلتْ عيادتي، توجهت مباشرة إلى الكنبة المخصّصة لاسترخاء المرضى، تمدّدت فوقها، أخذت نفسًا عميقًا وقالت: «سأتعامل معك اليوم كمعالجة لا كصديقة، سأفرغ ما في قلبي وأنت لست غريبة عنه، لقد أُنهكتُ وما عاد باستطاعتي التحمّل».

- هات ما عندك، أنا مستعدة للإصغاء حتى ولو أنني أعرف مشكلتك جيدًا. أجبتها. فتابعت:

- البارحة مساءً خرجتُ من بيت والدتي مندفعةً كالإعصار لأتلافى انفجاري أمامها وأمام السيدة التي تزورها كل يوم لمؤانستها في فترة قبل الظهر وخلال السهرة. نهضتُ من مقعدي قبالتها، نتشتُ محفظتي وأسرعتُ نحو الباب الذي صفعته ورائي. ما إن أصبحتُ في الخارج حتى سمعتني أقول بصوت خفيض كي لا أتّهم بالجنون: «يا الله لم يعد هناك من حلّ وعليك أن تختار بيني وبينها، خذها أو خذني لأرتاح من هذا الجحيم الذي رميتني فيه من دون ذنب ارتكبته سوى أنني ابنة هذه الإنسى التي لا ترتوي». لكن سرعان ما تغيّرت نبرتي وكرجتْ على لساني كل أنواع الشتائم والسباب التي وجّهتها أولاً نحو الله، هذا الكائن، الذي إن وجد، فهو حتمًا أكثر الكائنات سادية وظلمًا. لعنتُ كل هذا الكون وكل ما فيه وصولاً إلى باريه، لعنتُ إخوتي ولم أتورّع عن لعن أبي الذي هو في دار الآخرة منذ عشرين سنة، وانتهيت إلى شتم الساعة التي وُلدت فيها.

صمتت هبى قليلاً ثم أكملت:

- ركبتُ سيارتي وتوجّهتُ آليًا نحو بيتي. لكن ما إن أصبحتُ وحدي داخل السيارة حتى علا صوتي وهو يردّد اللعنات السابقة. وصلتُ إلى بيتي الذي يشعرني بالأمان لأنه خالٍ من أي وجود يعكّر وحدتي التي تعوّدتها وسكنتُ إليها وأصبحت ملجئي وترسي الذي يحميني من كل المخالب المسنونة المتحفّزة دائمًا لأن تُغرز حيثما تمكّنت كما تعلمين جيدًا. رميتُ أغراضي وجلستُ في مقعدي الذي أخذ شكل جسدي. حاولتُ أن أسترخي لكنني فشلتُ وشعرتُ بالحاجة إلى تفريغ انفعالي بشكل من الأشكال. لم يكن أمامي سوى الهاتف الذي رفعتُ سماعته وطلبتُ رقم شقيقتي كي أرمي عليها ومن خلالها على إخوتي قسطًا من ثورتي وغضبي. تركتني شقيقتي أقذف كل حممي وحين انتهيتُ أجابتني بكل برود: «الحق عليك أنت مطمّعتيها. عملي متلنا».

- ماذا تقصدين؟ صرختُ بها، هل أصبحتُ أنا المذنبة بالرغم من كل ما أتحمّله؟

- اسمعي نصيحتي وطنّشي وإلا تقضي عليك، أجابتني شقيقتي.

- ستقضي عليّ لأنكم كلّكم أهملتموها ولم يعد لها ملجأ سواي، وهي لا تتّصل بكم ولا أنتم ترون ما أرى ولا تعيشون ما أعيش من تمزّق وغضب سيوصلانني إلى الانهيار. صرختُ بها، لكنها تابعتْ:

- على كل حال، علاقتها بك هي علاقة مرَضية منذ طفولتنا، فهي لم تهتمّ بي كما اهتمّت بك، ولهذا السبب لا أشعر بعقدة ذنب إن لم أهتم بها الآن. بكل صراحة لا تعني لي الكثير. أعاملها كما يفرض عليّ الواجب فقط ولست مستعدّة لأكثر من ذلك. وإن أردت أن ترتاحي فاحذي حذوي وعليها أن تشكر ربّها لأننا نؤمّن لها كل ما تحتاج إليه، لكنها لا ترتوي وأنا لست مستعدة لأن أسمّم حياتي كرمى لعينيها. لقد عاشت حياتها وعليها أن تتركنا نعيش حياتنا كما يحلو لنا لا كما تريد هي.

بعدما روت هبى ما قالته شقيقتها تابعت:

- استقويت بما سمعته من شقيقتي وقرّرت أن أتبع نصيحتها. شعرت بقوة أذابت كل غضبي السابق وردّدت لنفسي: «لن أتركها تستبدّ بي».

استرخيتُ في مقعدي وفتحتُ الرواية التي كنت قد بدأت قراءتها في فترة قبل الظهر وباشرت بالاستمتاع بلغة الكاتب وإن كانت على حساب المضمون الذي كان عاديًا لا يتعدّى السطوح الخارجية للأمور. وتساءلت هل تتحوّل اللغة أحيانًا إلى منقذٍ في غياب إمكانية الغوص في لبّ الموضوعات؟ لن أسترسل في تساؤلاتي سأترك نفسي تستمتع بجمال اللغة وهي متعة كما غيرها من متع القراءة. غصت في النص محاولة حفظ بعض المفردات التي سأستعين بها في كتاباتي اللاحقة. لكن متعتي لم تطل إذ رنّ جرس الهاتف وأتاني صوت السيّدة التي ترافق والدتي. قفز قلبي من مكانه: «هل ماتت والدتي؟ هل أصابها مكروه؟».

- والدتك تريد أن تكلمك. أجابتني السيدة.

«ارتحت حين سمعت كلامها وسألتها: «ماذا تريد والدتي في مثل هذه الساعة؟».

- لا أعرف، طلبت مني أن أتصل بك. أجابتني.

- هاتها. قلتُ لها.

- سامحيني. سمعتُ والدتي تقول، لا تلومي تصرفاتي فأنا روحي معلّقة فيكِ، لا تتركيني.

- أنا لن أتركك، أجبتها، لكن دعيني أعيش حياتي، ألا ترين أنني أزورك كل يوم وأمضي معك أكثر من ثلاث ساعات. عليك أن تعلمي أن لديّ مشاغل كثيرة ولا أستطيع أن أكرّس كل حياتي لك كما تودّين.

- اعملي شو ما بدّك بس ما تتركيني. صمتت والدتي قليلاً ثم تابعت: هل تأتين غدًا؟

لم أصمد أمام انكسارها وأجبتها: «أراك غدًا».

- أنت أيضًا تحبينها كما تحبّك، وأكاد أقول إنك متعلقة بها كما هي متعلقة بك لكنك تودين أن تكون العلاقة بينكما على مزاجك وليس على مزاجها هي. قلت لصديقتي هبى محاولة أن أستدرجها إلى التعبير عن مكنونات لاوعيها، فأجابتني:

- أقفلت خط الهاتف مع والدتي، وغرقت في ذاتي وفي هذا التأرجح الذي تقاذفني بين الغضب والحنان. صحيح أنني لا أتحمّل تسلّطها واستبدادها لكنّني لا أتحمّل أيضًا انكسارها وضعفها: يا الله إن كنتَ موجودًا فأنقذني من هذه الدوّامة.

- لن ينقذك أحد من هذه الدوامة لأنك أنت من أدخل نفسه فيها وعوّدت والدتك على نمط معيّن من العلاقة. قلت لها محاولة التدخل لجرّ الكلام إلى توجه آخر.

لم تجبني هبى مباشرة لأنها تعي جيدًا ما أقصد بكلامي، وتابعت كأنها لم تسمعني:

- ما إن تلفّظت بهذه العبارة حول الدوّامة، حتى تحوّلت إلى أبي لأصبّ عليه كل معاناتي.

أدركتُ هنا أنها تودّ البوح بما كانت عليه علاقتها بوالدها، فصمتُّ وتابعتْ هبى:

- لن أغفر لك رحيلك المبكر، قلت لوالدي، لن أسامحك على هذا الإرث الذي أورثتني إياه من دون سواي، لن أسامحك على هذا الحمل الثقيل أنهكت منكبيّ به. لماذا رحلت قبل أوانك؟ أكنت تكرهني إلى درجة أنك تركتني أقوم بالدور الذي لم تستطع القيام به وحدك إلا بجهد كبير أنهكك، فاستعجلتَ نهايتك غير آبه بما سيحصل بعدك؟ أنا عاتبة عليك لكنني أتفهّمك، لقد عانيت الكثير، عانيت بصمت حتى تلفت أعصابك وأصبت بذلك المرض الذي لا يأتي إلا للقلّة النادرة من الناس الذين تحمّلوا أكثر مما يقدرون. لكن ما ذنبي أنا؟ كنتَ أنتَ زوجها، وأنت من اختارها شريكة لحياته وأنجبتماني بغير رضاي. هل أنجبتني لأشاركك معاناتك؟ عشرون عامًا على رحيلك وأنا أكتوي بنار هذا التمزّق بين التمرّد والخنوع وبين العقوق والانصياع، بين أن أعيش حياتي وأن أدفنها تحت أقدام تسلّطها واستبدادها وسطوتها وأنا حائرة بين اقتناعي بوعيها لحالها أو عدم وعيها بما تفعله بي. لقد عايشتَها لخمسين عامًا ولم تتمكّن من تغييرها، ولحسن حظنا، نحن أبناءكما، أنها لم تغيرك؛ كنتَ أنت العطاء والمحبة والتسامح والتفهّم والطيبة مع حدّة الذكاء لكنك كنت ضعيفًا معها كما كان ظاهرًا وظاهرًا فقط لأنك كنت تسقط من حقوقك تلافيًا للفضيحة وإنقاذًا للعائلة. أنا متأكدة أنك فكّرت مرّات عديدة بالطلاق لكنك جبُنت أو تعاليت واستوعبت، ولهذا السبب شجّعتني عليه حين عرضتُ عليك وضعي المقيت مع زوجي. يومها سارعتَ إلى القول: «طلّقيه وأعيدي بناء حياتك من جديد، لا تظلمي نفسك ولا تستمرّي مع شخص ليس لك». فهمتُ، في حينه، المستور من كلامك لكنني فهمته أكثر بعد رحيلك، ولهذا السبب أردّد دائمًا أنك صعدت إلى السماء مباشرة بعدما تركتَ الدنيا لأنك عشت مطهرك على الأرض. لكنني لستُ مؤمنة بالآخرة وأودّ أن أعيش الجنّة هنا ولتأتِ الآخرة كما تشاء أو كما تريده لها الديانات السماوية».

هنا تدخّلت مجددًا وقلت لهبى: «هيا نفّذي ما تريدينه، عيشي الجنة هنا على الأرض ولديك كل الإمكانات والمقومات لتحقيق ذلك، لا تُغرقي نفسك في مشاكل جانبية وكأنك تهربين من ذاتك فيها». لكنها هربت من جديد وعادت إلى الدوامة التي تحتجز نفسها فيها وتابعت مخاطبة والدها:

- لن أنسى ما ردّدته على مسمعي مرات عديدة حين كنتُ أختلي بك لأوقات قصيرة بعد نوبة من صراخها وتأنيبها لك، كنتَ تردّد بالفرنسية ما معناه: «العائلة السعيدة هي أمّ تنسى نفسها»، وتضيف: «والدتك هي مركز الكون». كنتَ تقول ذلك وأنت تهزّ برأسك كأنك بهذه العبارة تلخّص كل علاقتك بها. لكنك الآن ارتحت من عذابك ونصّبني الدهر وريثة لك. آه لو تدري، وأنا مقتنعة أنك تدري، ما هي فداحة هذا الإرث الذي يقصف أكثر الظهور متانة. هل أعاتبك أم أترحّم عليك؟ لستُ أدري، فحبي لك يدفعني إلى الترحم على روحك الطاهرة وعذابي معها يدفعني إلى العتب عليك وعلى تخلّيك عني. ارقد حيث أنت بسلام لكن ادع لي بأن أنعم بالسلام وأنا قوية وقادرة على التمتّع به وليس بعد فوات الأوان».

back to top