الكوميديا اليوم... تضحك على الواقع أم يضحك عليها؟
للضحكة في هذا الزمن الرديء المليء بالمآسي من كل نوع أهمية بالغة ويبحث عنها الناس للخروج من حال التخبط التي يواجهونها، لكن ليست أي ضحكة، بل المطلوب ضحكة مبنية على موقف محدد وتحمل رسالة هادفة ليكون مفعولها مؤثراً في المشاهد. قد يكون هذا الطلب اليوم مستحيلاً، لأن الكوميديا التي تقدم على الشاشات مجرد نكات أو أفيهات تلعب على وتر الغرائز فتضحك الجمهور فترة لا تتعدى اللحظات من ثم تزول من عقله ويطويها النسيان. صحيح أن الكوميديا رافقت الدراما منذ نشأتها، إلا أنها بدل أن تتقدم مع تطور العصر تراجعت وبات الناس يترحمون على نجوم الكوميديا الذين لمعوا في الماضي وما زالت أعمالهم تقدم على الشاشات وتستقطب الانتباه والضحك... لا نفتقد اليوم إلى ممثلين كوميديين بل إلى نصوص تغوص في عمق القضايا وتقدمها في قالب كوميدي. ليس المطلوب أن تسخّف الكوميديا الواقع كما يحصل اليوم إنما أن ترسم مشاهد تحفّز الجمهور على الضحك على واقعه بهدف تغييره.
هل يريد الجمهور كوميديا سطحية لا تثير فيه الحاجة إلى التفكير؟ هل اختلط التهريج والسخرية مع الكوميديا وأفقداها جوهر رسالتها؟ لماذا تردّى وضعها إلى درجة أن المنتجين والقيمين على الشاشات يفضلون التراجيديا عليها؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحتها «الجريدة» على مجموعة من الفنانين الكوميديين والنقاد وسجلت الإجابات التالية.الفنان الكوميدي عملة نادرة أحمد عبدالمحسنأحمد العونان«المسلسلات الكوميدية لها مكانة لدى الجمهور، لكن لا يستطيع الممثلون كافة أداء أدوار كوميدية، لأن الجمهور لا يتقبل أن يؤدي ممثل برع في التراجيديا دوراً كوميدياً».يؤكد الفنان الكوميدي أحمد العونان أن المسلسلات الكوميدية تدخل السرور إلى قلوب المشاهدين، «الأعمال التراجيدية تُشاهد مرة واحدة ربما في شهر رمضان أو في فترات متقطعة من السنة، هذه الإحصائيات ليست خيالية لكنها من واقع موجود في أكثر من مسلسل تراجيدي، عكس المسلسلات الكوميدية التي يمكن للمشاهد متابعتها مراراً على امتداد فترات السنة».يلاحظ العونان أن «درب الزلق» للفنان القدير عبد الحسين عبد الرضى، على سبيل المثال، لا يمل المشاهدون عندما يتابعون حلقاته، لأنه مسلسل كوميدي ترفيهي ويضحكهم، كذلك الأمر بالنسبة إلى المسلسلات الكوميدية الأخرى.يضيف العونان: «قد يؤدي الممثل الكوميدي أدواراً كوميدية وتراجيدية، لكن يصعب على الممثل التراجيدي أداء أدوار كوميدية. عندما نتابع مسلسلات الممثل المصري الكبير يحيى الفخراني التراجيدية مثلاً نتأثر ونتفاعل معه، لكن لا يمكن أن يتقبله الجمهور في أدوار كوميدية بحتة على خشبة المسرح والأمثلة على ذلك كثيرة».يؤكد العونان أن ثمة اهتماماً متزايداً بالفنانين الكوميديين، ويقول: «أفتخر بكوني أحد الممثلين الكوميديين وسعيد بالنصوص التي يختارها المنتجون لأنها تناسب شخصيتي الكوميدية، أتمنى تقديم مزيد من الأعمال الكوميدية التي تلقى قبولا من المشاهدين». محمد الصيرفي«تضاءلت المسلسلات الكوميدية في السنوات الأخيرة قياساً بالماضي ويرجع السبب إلى الفضائيات التي أهملت هذه الكوكبة وركّزت على التراجيدية».يوضح الفنان الكوميدي محمد الصيرفي أن المسلسلات الكوميدية أصعب من المسلسلات التراجيدية سواء من ناحية النص أو الإخراج أو الإنتاج أوالتمثيل، لافتاً إلى أنه في الماضي كان الاهتمام متوازناً بينهما، لذلك فإن المسلسلات الكوميدية في السابق كانت أفضل من اليوم.يضيف الصيرفي أن الجمهور يتابع البرامج الكوميدية لذا على المنتجين والقنوات الفضائية إيلاء اهتمام أكبر بها لتعود المسلسلات الكوميدية كما كانت في السابق، وهذا الأمر يجب أن يكون في صميم سياسة القنوات الفضائية المطالَبة بتشجيع الأعمال الكوميدية.محمد رمضان«ثمة مسلسلات كوميدية أخذت حقها مثل «درب الزلق» للفنان الكبير عبد الحسين عبد الرضا وأخرى لم تأخذ حقها لأن الاهتمام ينحصر بالمسلسلات التراجيدية».يعتقد الفنان محمد رمضان أن الجمهور هو الحكم الصحيح في مثل هذه الأمور لأنه لا يجامل، مضيفاً أن المنتجين يهتمون بالمسلسلات الكوميدية لأنها مطلب لدى المشاهدين وتستقطب نسبة مشاهدة عالية.نشاط في سورية وغياب في لبنانبيروت - ربيع عوادمن يتابع الشاشات اللبنانية يلاحظ غياباً تاماً للمسلسلات الكوميدية التي لم تعرف لها مكاناً منذ زمن ضمن قائمة اهتمام المنتجين والقيمين على وسائل الإعلام. ومن يهتم بالشأن الدرامي اللبناني يدرك أن المسلسلات التي يتمّ التحضير لها راهناً تتمحور حول قصص حب ومشاكل اجتماعية ضمن إطار درامي بعيد عن كوميديا الموقف وروح النكتة والفكاهة، علماً أن الدراما سواء السورية أو المصرية عالجت قضايا اجتماعية في إطار كوميدي ووضعت الإصبع على الجرح وأمتعت المشاهد في الوقت نفسه.غياب قسريفيما ينشط الممثل جورج خباز في المسرح الكوميدي يغيب عن المسلسلات الكوميدية على رغم تجاربه الناجحة فيها من بينها: مسلسل «عبدو وعبدو» (عرض على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال منذ سنوات) وغيره.يوضح خبّاز أن المسلسلات الكوميدية ليست مطلوبة من القيمين على الشاشات لأنهم يفضلون أعمالاً درامية تتناول قصص الحب والغرام والرومنسية يقول: «غبت قليلاً عن الأدوار الكوميدية على الشاشة ولن أعود إلا بخطوة مدروسة جيداً. لا يمكنني المشاركة في عمل لست مقتنعاً به، خصوصاً أن تقديم عمل كوميدي يجذب المشاهدين أصعب من تقديم عمل درامي عادي». يتمنى خباز لو أن الكوميديا مدعومة أكثر على الشاشات اللبنانية، «فثمة أفكار كثيرة يمكن تنفيذها ويقبل عليها الجمهور»، مشدداً على عدم الخلط بين الكوميديا والتهريج، ولافتاً إلى تأييده كوميديا الموقف التي يعتبرها من أصعب الفنون، يضيف: «من السهل إبكاء الناس، لكن من الصعب إضحاكهم بشكل راقٍ وطبيعي بعيداً عن التهريج الذي بات يستخدمه كثر تحت شعار الكوميديا». يوضح أن الكوميديا التلفزيونية يمكن أن تحمل رسائل اجتماعية وإنسانية وسياسية: «تلفتني الكوميديا السوداء التي تمتاز بقالب مأساوي وتكون المعالجة في إطار مضحك».كوميديون قلائلالممثل وسام صباغ أحد ألمع الوجوه الكوميدية في لبنان، شارك في مسلسلات كوميدية حققت نجاحاً من بينها: «محلولة»، «مش ظابطة»، «CBM»، «فاميليا»، «قول إن شاء الله»...لا ينكر صباغ تفوق المسلسلات الدرامية على الكوميدية مع أن الأخيرة مطلوبة من الناس، بحسب رأيه، مشيراً إلى أن الأعمال التي شارك فيها كانت على قدر التوقعات، يقول: «حقق مسلسل «فاميليا» نسبة مشاهدة عالية نظراً إلى مضمونه الجميل وخفّة ظلّه وبعده عن التصنع، الكوميديا عملة نادرة والكوميديون قلائل في العالم مقارنة مع ممثلي الدراما».بدورها، ترى الممثلة ليليان نمري (معروفة بخفّة ظلها على الشاشة) أن الكوميديا فقدت بريقها في العالم العربي، وتستغرب كيف تصنف أعمال تهريجية بأنها كوميدية على رغم غياب النص والموقف الكوميدي.تلاحظ نمري أن كتّاب الكوميديا الذين لا يعتمدون على التهريج في نصوصهم هم قلة، «تستغرق كتابة عمل كوميدي سنوات أحياناً ليكون متكاملاً وجديداً وبعيداً عن التقليد»، مشيرة إلى أن نجاح أي عمل كوميدي يعتمد على تجنّب البهلوانيات والحركات السخيفة لإضحاك الناس، تضيف: «أؤيّد كوميديا الموقف بمعنى إضحاك الناس من خلال موقف يتضمن رسالة معينة ويجب أن يتحلى الممثل الكوميدي بالكاريزما».حضور قويخلافًا للأعمال اللبنانية، تحقق الدراما السورية تقدماً في الأعمال الكوميدية وتحفل مسلسلات رمضان بكوميديا هادفة تحمل رسائل اجتماعية. الفنانة أمل عرفة التي لها تجارب سابقة في الكتابة الدرامية مثل «دنيا» و{عشتار»، تكتب راهناً مسلسل «رفة عين» من تأليفها وبطولتها، إنتاج شركة «سورية الدولية للإنتاج والتوزيع الفني» وإخراج المثنى صبح.من أبرز المسلسلات الكوميدية التي ستعرض في شهر رمضان: «سيت كاز» تأليف الممثل السوري أيمن رضا بمشاركة بعض الكتاب، ويعود رضا هذه المرة عبر بوابة «أبو ليلى»، الشخصية التي قدمها في مسلسل «أبو جانتي ملك التاكسي» في رمضان 2010 ولاقت نجاحاً. «رومنتيكا» من تأليف شادي دويعر، إخراج الممثل مهند قطيش. «بقعة ضوء» الذي حققت أجزاؤه الأولى نجاحاً وسيتولى إخراجه عامر فهد.هبوط واستسهالالقاهرة – هند موسىيلاحظ الناقد رفيق الصبان أن الأعمال الكوميدية في السابق كانت لها خلفية اجتماعية وسياسية متميزة، لكن مع الوقت بدأ مستواها ينحدر، رافضاً إلقاء المسؤولية على المبدعين وحدهم في هذا الشأن بل على الرقابة التي تعيق أي عمل مهم وتبيح الأعمال التافهة، مشيراً إلى أن منتجين كثراً يخشون تقديم أعمال تناقش قضايا مهمة بطريقة كوميدية، باعتبار أن الدراما الكوميدية يجب أن تكون دون المستوى.يضيف الصبان أن الكوميديا ستستعيد قوتها بعد زوال أسباب هبوطها وازدياد تعطش الجمهور لها، بالتالي عليها الاستجابة لاحتياجات المشاهد وكشف أوجاعه ومعاناته بطريقة كوميدية مقبولة.قضايا شائكةتوضح الناقدة خيرية البشلاوي أن مسلسل «عايزة أتجوز» عرض قضية في غاية الأهمية وهي تأخر سن زواج الفتيات، من خلال فتاة جسدتها هند صبري بشكل درامي كوميدي لطيف، وتضافرت جهود المشاركين معها والإخراج المتميز على رغم تواضع الإنتاج، فنال المسلسل إعجاب الجمهور.تضيف: «عموماً، يتوقف الحكم على هذه الأعمال على الشكل الذي تخرج به إلى الجمهور والمعالجة والمضمون، إلى جانب عوامل أخرى كاشتراك طاقم جيد من الفنانين... ما يؤدي إلى عمل يتابعه الجمهور بشغف، لكن افتقاد مسلسلات كثيرة لهذه العوامل ساهم في تراجع مستواها».تشير البشلاوي إلى أن الشعب المصري بطبيعته يعشق الأعمال الكوميدية ويضع الممثل الذي يؤديها في القمة، لذا هي أسهل طريق للنجومية، بخاصة إذا كان هذا الفنان يُضحك المشاهد ويخترق مشاعره، «وهو ما حدث مع نجوم الـ «ست كوم» على غرار «تامر وشوقية» في مقدّمهم الفنان أحمد مكي، ما يعني أنه كلما كان المسلسل الكوميدي جذاباً وقريباً من المشاهد ويحترم عقليته كلما حقق نجاحاً كبيراً».تتوقع البشلاوي ازدياد إقبال الجمهور على متابعة هذه الأعمال في الفترة المقبلة بسبب الهموم التي يعيشها والمشاكل التي يواجهها نتيجة الاضطرابات الحاصلة من حوله.استسهال وتراجعترى الناقدة ماجدة خير الله أن «الأعمال التي ظهرت في الفترة الأخيرة وقدمها فنانو الكوميديا أمثال: هاني رمزي، أحمد رزق، أحمد آدم، أحمد عيد... لم تكن بمستوى الكوميديا التي عرفناها، بل تراجعت لاعتمادها على إطلاق «الإيفيهات» وليس على كوميديا الصورة أو الموقف التي اختفت بسبب تردي مستوى كتابة الحوار، ذلك بعدما كانت خطت في السنوات الماضية خطوات رائعة، أما اليوم فليس أمامنا سوى استظراف بعض الممثلين والممثلات».تضيف خير الله أن الـ «ست كوم» أغنى تجربة المسلسلات الكوميدية من خلال أعمال جيدة ، لكن عندما تحول إلى موضة تراجع. «في مواسمه الأولى كان «راجل وست ستات» رائعاً، بعد ذلك انخفض مستواه لأن هذا النوع يعتمد في المقام الأول على الكتابة التي يشارك فيها فريق عمل، إلا أن كثراً من أعضائه انسحبوا منه للمشاركة في أعمال أخرى تاركين المجال لمن هم أقل منهم إبداعاً».تلاحظ خير الله أنه كان يتوجب على القيمين على الدراما الكوميدية الاهتمام بها، لكن هذا الأمر لم يحدث. فكانت النتيجة انصراف الجمهور عنها لشعوره بالملل منها، «وهو ما سيحدث بالطبع في شهر رمضان المقبل».المشكلة، في رأيها، أن الفضائيات تتعامل مع الأعمال الكوميدية على أنها غير ذات قيمة، بالتالي يكون الاستسهال سيد الموقف، موضحة «أن الناس بحاجة إلى الترويح عن النفس ليخرجوا من الأجواء الضاغطة والمحبطة التي تسببها الأحداث والمواقف السياسية التي زادت وتيرتها أخيراً، ومن الطبيعي أن يتجهوا نحو مسلسلات الترفيه الرومنسية أو الكوميدية أو أي لون بعيداً عن الأكشن والتراجيديا، هذا ما يفسّر إقبال المشاهد على المسلسلات التركية التي تغسل عقله بأحداث بعيدة عما نعيشه».في السياق نفسه، يوضح الناقد عصام زكريا أنه لا يمكن الحكم على مستوى الأعمال الكوميدية بشكل عام أو حتى الـ «ست كوم» لتباين مستواها من موسم إلى آخر.يتوقّع زكريا أن يقبل المشاهدون بكثافة على متابعة المسلسلات الكوميدية التي تقوم على الضحك من دون هدف (لاعتقاد المنتجين والمؤلفين أن الجمهور يحب هذه الوجبة الضاحكة التي يخرج منها من دون أي معلومة)، باستثناء قلة تتمسك بجدية الحياة في ظل الأحداث التي تمر بها البلاد.يتمنى زكريا أن يقتنع الفنان الكوميدي بوجهة نظر معينة ويحاول إبرازها وتقديمها في عمل فني ساخر مناسب، بذلك يؤدي دوراً مهماً بدل ترداد جمل حوارية كالببغاء، لمجرد انتزاع الضحك من المشاهدين.