المستوى الموسيقي هابط والإعلام يشجِّع المسخرة الياس الرحباني: من الصعب أن تنهيني ماجدة الرومي
أثبت المؤلف الموسيقي اللبناني الياس الرحباني، عبر مسيرته الطويلة، أن الموسيقى الحقيقية لغة توحّد الشعوب وتهذّب النفس والأخلاق، وأن المؤلف وإن لم يقدره أبناء بلده، يتخطى من خلال إبداعه ورقيّه الزمان والمكان. لكنه يأسف، وهو صاحب 6500 مقطوعة موسيقية من الأنواع كافة، لقلة وفاء وسائل الإعلام التي تبرز الفن الهابط وتهمل «الكبار» الذين سطروا بإبداعاتهم تاريخ الفن اللبناني. عن الموسيقى والواقع الفني وأعماله تحدث إلى «الجريدة».
كيف تصف علاقتك بالموسيقى؟الموسيقى جزء كبير لا يتجزأ من حياتي.هل هي لغة واحدة بين الشعوب كافة أم تتميز بخصوصية معينة؟الاثنان معًا. أطلقت منذ 35 عامًا ما يسمّى بـ «الموسيقى الكونية» أي تقديم موسيقى تعجب الخليجي والشرق عربي والإيراني، على غرار موسيقاي التي انتشرت في العالمين العربي والأجنبي، وموسيقى الرحابنة التي ترجمت إلى لغات أخرى. في المقابل، ثمة موسيقى فولكلورية مناطقية خاصة بكل بلد.ما مدى انعكاس المستوى الثقافي على نوعية الموسيقى الراهنة؟منذ التسعينيات هبط مستوى الموسيقى 60% ولم يعد الناس يلحظون هذا الأمر بسبب تشجيع الإعلام المحلي والعالمي للوساخة والمسخرة، عبر عرض أعمال سيئة في مقابل نشر خجول للأعمال القيّمة. وهذا ما أشرت إليه في كتابي «الذئاب تصلي» حين تحدثت عن الساديين الذين يتلذذون بالفتن والقتل وخراب الكون.اليوم من يدّعي أنه يؤلف موسيقى فإنه يبتكر في الحقيقة بشاعة، لأن الموسيقى نادرة في الكون، وتشبه تلك التي قدمتها من دون صوت أو كلام، فحاكت النفس والجمال والحب والسهر، وانتشرت في الفنادق وطيران الشرق الأوسط وعبر حدود العالم.يعني أن موسيقاك تهذّب النفس والأخلاق.بعد مرور أربعة عقود، اكتشفت أن أعمالي انتشرت في الشرق العربي ودخلت مؤلفاتي الموسيقية منزل الكويتي والسعودي والمصري لمحاكاتها مستوى عقلهم الباطن، والدليل أن الهواة المشاركين في برنامج «سوبر ستار» عبّروا عن تقديرهم لموسيقاي التي تعرفوا إليها منذ نعومة أظفارهم. كذلك اكتشفت عبر مواقع التواصل الاجتماعي أشخاصًا يعزفون مقطوعاتي الموسيقية، ما يعني أنني حققت رقيًا في العالم العربي.ما الذي يميز زمن الفن الجميل عن الفن الراهن؟الغناء معدوم في الوقت الراهن، ولبنان أسوأ بلد على صعيد الهبوط الموسيقي، على رغم أن موسيقى الرحابنة وزكي ناصيف ووديع الصافي وإحسان المنذر وإيلي شويري وملحم بركات حفرت لنفسها مكانة في التاريخ إلى الأبد. للأسف، ثمة فنانون لبنانيون بدأوا مسيرتهم بمستوى جيّد، لكنهم يقدمون راهنًا موسيقى شبيهة بما هو رائج في الإيقاع واللحن، يا ليتها سرقة «حرزانة».كيف تتحدى هذه الرداءة أم تحاول التأقلم معها؟لا أتأقلم معها. يقاطعني البعض والبعض الآخر يوقف أعمالي.أليس ثمة تقدير لبناني لفنك الراقي؟لن يكون سياسيو لبنان يومًا مثل الفلسطينيين أو الاردنيين أو السوريين الذين لم يتوقفوا عن تقدير الرحابنة وفيروز ووديع الصافي، فيما تمتنع إذاعاتنا عن بثّ أعمالهم. أليس معيبًا أن يكون العرب أفضل من اللبنانيين في تقديرهم لفننا؟ ثم لم نشهد في السابق ما يحصل راهنًا على صعيد تغيير اللهجة اللبنانية في الأغاني وتحويلها إلى لهجة مناطقيّة. أما الأسوأ، فلا مبالاة إذاعاتنا وبيعها لبنان وفنه لأن همّها كسب المال.أي موسيقى عربية هي الأقرب إليك؟الموسيقى المصرية التي كان لها حضورها الجميل ولم تسقط مثل موسيقانا.ألا تنعكس الحروب والأزمات على الموسيقى أيضًا؟أجمل ما صدر في الموسيقى والرسم والشعر كان وليد الحروب العالمية الكبرى في أوروبا، لأن الحرب تقتل الناس لا الفكر. أما راهنًا، فثمة هدوء وتوافر للأموال وغزو إحدى الشركات العربية المعروفة للسوق، وإدارة الأمور على هوى موظفيها الذين يتعاطون مع الجنس اللطيف، ويطلقون أغاني على ذوقهم، من دون أن يفهموا شيئًا في الموسيقى، فساهموا في قتل الفكر وإيقاف الشركات الأجنبية التي أطلقت عبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز. فمن هم هؤلاء الذين يمسكون بالموسيقى؟ كنت مستشارًا لشركات إنتاج أوروبية في لبنان، بفضل علمي وخبرتي وإطلاقي 35 مغنيًا بين عمر 19 و30 سنة، وتأليفي مقطوعات موسيقية من الأنواع كافة وبلغات مختلفة.تعاونت مع هيفا وسابين والـ «فوركاتس»، كيف تمزج بين أسلوبك الموسيقي والفن العصري؟ألّفت أجمل الأغاني الكوميدية الخفيفة لأبو سليم، وقدمت «يا ناسيني» لجورجيت صايغ. أدرك القدرة الفنية لكل مغنٍ فأقدم له ما يناسبه. بالنسبة إلى هيفا، طلبت مني أغنية، فتمنيت عليها أن تغنيها مثلما أريد أنا، فقدمتها كما يجب. كان يمكنها الاستمرار في هذا الخط، لكن أهدافها ليست كبيرة في الموسيقى وتنحصر في الأهداف التلفزيونية، بينما نحن نعيش في عالم آخر. هل تضع «فيتو» على أحد؟كلا، أتعاون مع أي كان شرط أن يقدم الأغنية بطريقة لائقة بالياس الرحباني، وأنا أحسّن من مستواه 35%.كيف تتعامل مع سرقة ألحانك في تركيا؟دعتني تركيا في العام 2005 كضيف شرف بعدما فاز ابني جاد هناك، فأقاموا لي حفلة تكريمية كبيرة اعتذر خلالها صاحب المهرجان لاستخدام تركيا موسيقاي من دون إذني.ماذا عن حقوق المؤلف الفكرية؟داست الدولة على الحقوق الفكرية، فمات عاصي ومنصور الرحباني وفيلمون وهبه وتوفيق الباشا وزكي ناصيف قهرًا. تباع الأسطوانات على الطريق حيث لا يجرؤ أحد على سرقة حذاء! فهل الحذاء أهم من سعيد عقل والرحابنة وزكي ناصيف وتوفيق باشا؟ إذا اعتبرنا السياسيون كلابًا، فهم كلاب أيضًا! لم يحمنا أحد، لذلك يعيش المؤلف مقهورًا فيما يمكن للدولة بكلمة واحدة تغيير هذا الواقع.ما سبب العتب على ماجدة الرومي وهل تصالحتما؟من الصعب أن تنهيني ماجدة وأنا على قيد الحياة... لطالما عشت على مبدأ المحبة والغفران وقول الحقيقة من دون خوف. ما حصل أنني قلت الحقيقة كما هي عبر شاشة التلفزيون، وأعلنت أنني عندما سأرى ماجدة سأتصرف معها كما دائمًا بمحبة وودّ.يدرك الجميع أنني لم أسأل يومًا عن الأعمال التي قدمتها لها من دون مقابل، لكن عدم ذكر فضلي على فنها هو قلة احترام منها. أود الاشارة إلى أن أغنية «عم بحلمك» التي شكلت شرارة انطلاقتها، طلبتها شخصيًا من الشاعر سعيد عقل بناء على طلب والدها حليم الرومي الذي كان صديق العائلة، وكانت ماجدة حينها في السابعة عشرة من عمرها. جاءت هذه الأغنية مزيجًا موسيقيًا بين الشرق والغرب، وتركيب أغنية من هذا النوع ليس سهلاً، لذلك أي مطرب، مهما بلغ صوته، لا يستطيع نشر أغنية ما لم تكن جميلة أساسًا.أليست هذه حال المؤلفين الذين يبقون في الظلّ بينما يحصد المطربون ثمار تعبهم وإبداعهم؟طبعًا، هذا إجحاف وظلم في حق المؤلفين. يجب أن يظهر المؤلف كما المغني إلى العلن وينبغي أن يُحكى عنه ويُشار إليه في الإعلام. بلغت درجة الوقاحة ألا يتم ذكر اسم المؤلف عند بث الأغاني في الإذاعات، ولو استطاع بعضهم لأزال اسم المؤلف من الكليب أيضًا.ماذا عن المهرجانات، لماذا لم تشارك فيها؟يجب توجيه هذا السؤال إلى القيمين على هذه المهرجانات. مشاركتي آخر هميّ لأن من يشارك فيها لا يوازي مستواه أعمالي. أحترم القيمين على هذه المهرجانات لأنهم أصدقائي، لكنهم لا يفهمون في الصوت والأغاني، والدليل هبوط مستوى مهرجانات بعلبك. إلى ذلك يتصلون بي لأخذ رأيي بالفنانين الذين يريدون استضافتهم ولا أعترف بهم كفنانين.بعد إصدارك كتاب «الذئاب تصلي»، هل تحضّر كتابًا جديدًا؟لست مهووسًا بالكتابة على رغم أن لدي فيضاً في الأفكار. قدمت منذ 20 عامًا «نافذة القمر» التي تنبأت في نص بعنوان «العدالة» بسقوط الاتحاد السوفياتي وضرب ناطحات السحاب والهزات الأرضية في أميركا والربيع العربي، ما حدا عضواً في الكونغرس الأميركي على الاتصال بي للاستفسار عما إذا كنت أرى أمورًا جديدة بعدما تحققت رؤيتي هذه.هل يوازي الإحساس في التعبير الكتابي إحساس التأليف الموسيقي؟لا علاقة لعالم الموسيقى بأي شيء آخر. الشعر يُقرأ والرسم نراه والنحت أيضاً، بينما الموسيقى ولدت مع الحياة في صوت الوديان والرعود.هل من فنانين يعبرون بصوتهم عن إحساسك الموسيقي؟لا أحد يعبر بشكل كامل عن إحساس المؤلف، بل يمكن الوصول إلى حدود 90% من التكامل. بالنسبة إليّ عبر وديع الصافي وفيروز وصباح وباسكال صقر وسامي كلارك وفي الوقت الراهن باسمة وعبير نعمة عن إحساسي الموسيقي بصوتهم.ما سبب الانفصام في مسرح الرحابنة؟يتميز كل فرد من آل الرحباني بشخصية خاصة به يقدم عبرها مستوى فنيًا جميلاً، لذلك لا يمكن أن يتحقق الخليط في ما بينهم كما حصل مع عاصي ومنصور، اللذين اتفقا أكثر من التوائم، وأخذا مني ومن فيلمون وهبه وزياد الرحباني بعض المؤلفات، لكني قدمت مسرحي الخاص أيضًا.كيف هي علاقتك بالجمهور الكويتي؟أشكر العرب كثيرًا، لأن 22 دولة عربية تجاوبت معي بعد برنامج «سوبر ستار» فكتبت أميركا عنهم، فبعد انتهاء الموسم الأول من البرنامج قرأت مقالاً في «نيو يورك تايمز» تمحور حول تجاوب الجمهور العربي مع دعوتي إلى التصويت للمشترك الذي يستأهل الفوز وليس إلى الانتماء الوطني، فاستغرب كاتب المقال كيف استطعت بكلامي الجميل والهادئ والكوميدي جمع 22 دولة، فيما لا تعرف أميركا كيفية التحدث مع العرب إلا بلغة الحروب.