البحث عن المادة المظلمة مستمر
تعتقد فرق من الباحثين العاملين في المختبرات السرية في مختلف أنحاء العالم أن مطاردة المادة المظلمة التي طالت عقوداً طويلة قد تؤتي ثمارها قريبًا. لكن حماستهم حول الكشف عن هذه الجسيمات الافتراضية تقابلها شكوك متزايدة حول ما إذا كانت موجودة أصلاً. «شبيغل» تابعت الأبحاث عن كثب.يحمل الكون في قبضته قوة غامضة، ومثل قبضة العملاق، يضم مجموعات كاملة من المجرات كما لو كانت بليونة عجينة البيتزا. تتخطى قوته قوة جاذبية عشرات الآلاف من الشموس مجتمعة. وتكمن المشكلة الوحيدة في غياب أي دليل مباشر على وجودها.
يطلق الفيزيائيون عليها اسم المادة المظلمة غير المرئية، وتشير التقديرات إلى أنها تشكل أكثر من 80 في المئة من المادة ككل. لكنها تترك وراءها آثاراً وتلميحات ودلائل على وجودها.ويأمل علماء فيزياء الجسيمات بأن يتغير هذا قريبًا. «قد يكون 2012 عام المادة المظلمة»، يقول ذلك رافائيل لانج، وهو يقود سيارته المستأجرة على الطريق السريع متعرجًا عبر الوديان في منطقة ابروز الإيطالية. لانج، وهو فيزيائي من جامعة بوردو في ولاية إنديانا في الولايات المتحدة، يقود سيارته في الجبال الايطالية، حيث يأمل في التوصل إلى بعض الإيضاحات. ويقول: «سنعرف قريبًا ما إذا كنا على الأقل نسير على الطريق الصحيح أو إذا كان يتعين علينا البحث في مكان مختلف تمامًا».في أماكن عميقةقبل ثلاثين عامًا، تم حفر نفق بطول 2900 متر (9500 قدم) في كتلة غران ساسو الصخرية. يبلغ طولها 10 كيلومترات (6.2 ميل) ويكسوها 1400 متر من الصخور في منتصفها. هنا، يأمل العلماء في كشف سر المادة المظلمة.تظهر إشارة خروج حوالى خمسة كيلومترات إلى داخل النفق، في وسط الجبل تحديدًا. يضيء لانج الضوء الوامض ويسير سالكًا طريق الخروج. يعلو صوت مكبر الصوت، لكن لانج يعرف كلمة المرور. ويقول في الايطالية: «أنا عالم فيزياء الجسيمات». فتفتح البوابة مع صرير، ويتحقق حراس الأمن من هويته. ويضيف لانج وهو يضع الخوذة: «هذا أشبه بفيلم جيمس بوند».تردد صدى خطوات لانج في النفق بينما كان يسير عبر معدات التجربة الكبيرة كالأفران العالية، والتي تبحث فيها الكاشفات فائقة الحساسية عن آثار لجسيمات غير مرئية. يجري ما يقارب 1000 من علماء الفيزياء من 32 دولة تجارب في مرفق البحوث الذي يشبه المصنع، في مختبر غران ساسو الوطني في ايطاليا. يتنقل الفنيون في الثياب الزرقاء في الممرات، عابرين مسارات بالشاحنات والرافعات الشوكية.اجتمع حوالى 1000 عالم في ستوكهولم الأسبوع الفائت في اجتماع مارسيل جروسمان الذي يقام كل ثلاث سنوات ويتطرق إلى التطورات الحديثة في النسبية العامة النظرية والعملية، والفيزياء الفلكية ونظريات حقل النسبية. ستشكل المادة المظلمة أحد المواضيع الكبيرة، وكثيرة هي المواضيع التي على المحك: المكانة وتمويل البحوث ومصداقية فيزياء الجسيمات إلى حد ما.في الواقع، لم يتمكن العلماء حتى من الاتفاق على ماذا يفترض بالمادة المظلمة أن تكون تمامًا، على رغم أن معظمهم يعرّفها على أنها نوع من الجسيمات الضخمة التي لا تزال غير معروفة. الشيء الوحيد الذي يبدو أنه مؤكد هو أنه ما كان من الممكن أن تتواجد المجرات من دون المادة المظلمة. المادة المرئية وحدها (أعداد النجوم الكبيرة وكواكبها) لن تكون كافية لاحتواء الجزر الدورية للنجوم جنبًا إلى جنب مع قواها الجاذبية المتبادلة. أنها ليست سوى كتلة من المادة المظلمة التي تمنع النجوم في مجرة درب التبانة، مثلاً، من التعرض للقذف بعيدًا بواسطة قوة الطرد المركزي.«حروب الجسيمات الضخمةيشتبه العلماء في أن الإجابة عن السؤال حول ما يبقي المجرات متماسكة يكمن في ما يسمى «الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل»، والتي هي جسيمات افتراضية هائلة قد تكون أثقل من الذرات التقليدية الأثقل، وعلى رغم ذلك، إنها بالكاد تتفاعل.ظلت الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل غير مرئية للكاميرات والكاشفات، لكن من المفترض أنها موجودة في كل مكان من حولنا. تتدافع مليارات منها في الناس والمباني والكواكب كلها في كل ثانية كما لو كانت مجرد أشباح.تتقاتل فرق من العلماء المتنافسة في ما يسمى «حروب الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل». يعد الاجتماع الذي سيعقد في ستوكهولم أيضًا أن يكون جدليًا. في الواقع، وجود ريتا برنابي، وهي أستاذة من روما، هو ضمان على ذلك. وأطلقت على التجربة التي تجريها في نفق غران ساسو اسم DAMA. فضلاً عن ذلك، ادعت برنابي لسنوات أنها أول شخص يلتقط جسيمات المادة المظلمة ويقيسها، لكن يشكك كثير من زملائها العلماء في ذلك.يثير تصميم التجربة الإعجاب بأناقته. وتفيد نظرية برنابي بأنه، إذا كانت المادة المظلمة تملأ الكون كله، سيتوجب على الأرض، فيما تدور حول الشمس أن تتحرك أحيانًا مع تيار الجسيمات الضخمة غير المرئية وأحيانًا ضده. وتحسب أن أعلى سرعة للأرض بالنسبة إلى تدفق الجسيمات هذا تحدث حوالى 2 يونيو.في الواقع، منذ بداية يونيو، سجلت كاشفات برنابي زيادة في تصادم الجسيمات، تمامًا كما فعلت طيلة عقد من الزمن. يمكن لفريق DAMA حتى تحديد وزن الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل مع بعض الدقة، آخذين بعين الاعتبار أنها ثقيلة بقدر ذرات الهيليوم. لكن، حقيقة أن هذه القيمة هي أقل بكثير مما يتوقع معظم المنظرين لا يمكن أن تعني سوى أمر من اثنين لبرنابي: خطأ في القياس أو جائزة نوبل.زملاء برنابي مرتابون لأن DAMA تلتقط أكثر بكثير من جسيمات المادة المظلمة مما توقع المنظرون. كانوا يشتبهون في أن DAMA تلتقط أساسًا بيانات غريبة جدًا من بحر من الجسيمات. يريد النقاد أن يروا عينات مرجعية مأخوذة من نصف الكرة الجنوبي. ويقولون إن هذا هو السبيل الوحيد لاستبعاد احتمال أن كاشف برنابي لا يقيس سوى الآثار الجانبية للاحترار الصيفي في إيطاليا بدلاً من آثار الجسيمات الضخمة التي تشبه الشبح.ملاحقة اللغز الخفييقدر أن يساوي مجموع كتلة المادة المظلمة المتسارعة في الأرض كيلوغراماً في أي لحظة. مع ذلك، ثمة ما يكفي من المادة المظلمة لتشكيل مجرات حلزونية كاملة بما أن الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل أيضًا تجد طريقها إلى المكان الذي لا يوجد فيه أي شيء آخر: رحابة الكون غير المحدودة. وأضاف لانج: «لا يمكن أن نرى ما يقارب 80 في المئة من الكتلة في الكون. لذلك علينا أن نقبل بحقيقة أن العالم المرئي كله ليس سوى ساحة ثانوية».اشتبه علماء الفلك لما يقارب 80 عامًا، أن الكون يحتوي على المادة المظلمة. وقد صاغ هذا المصطلح فريتز زويكي بنفسه، وهو عالم الفيزياء الفلكية السويسري، في العام 1933. لكن في السبعينات بدأ العلماء يحاولون إثبات وجودها. وفي عام 1980، توقعت العالمة الفلكية الأميركية فيرا روبن أنه سيتم إيجادها في غضون عشر سنوات. وها نحن اليوم، بعد أكثر من 30 عامًا، وما زالت الجسيمات طليقة. وتجرى راهنًا نحو عشر تجارب في جميع أنحاء العالم لتعقبها، وجميعها مخبأة في أعماق الأنفاق الجبلية. العلماء الذين يعملون داخل منجم سودان، وهو منجم حديد قديم في ولاية مينسوتا الأميركية، يشكلون منافسًا حادًا لفريق غران ساسو. هنا، يتم إجراء تجربتين باستخدام أساليب مماثلة لتلك في DAMA. ويقيس الباحثون تشوه بلورات أشباه الموصلات التي تسببها حوادث الاصطدام مع الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل. ويقال إن أحد الكاشفين قاس المادة المظلمة فعلاً، في حين أن الآخر لم يفعل.خرج الفيزيائيون من جميع أنحاء العالم من الكهوف أخيراً ليتجادلوا في نتائج التجربة في ستوكهولم. لكن هل لديهم حقًا ما يقدموه لإقناع المجتمع العلمي؟ في أبريل، تسبب التقرير الذي صدر عن المرصد الأوروبي الجنوبي في شيلي بضجة واسعة، وهو الذي رصد تحركات 400 نجم في المنطقة المجاورة للشمس بحثًا عن علامات على المادة المظلمة، لكنه لم يجد شيئًا.وسيقدم كارلوس فرينك أيضًا، وهو أستاذ في جامعة دورهام، بعض النتائج «المقلقة» في ستوكهولم. أدخلت مجموعة أبحاثه بيانات المراقبة من المجرات القزمية في نماذج الكمبيوتر. وكانت النتيجة أن المادة المظلمة تبدو أكثر دفئًا، وبالتالي أكثر غنى بالطاقة من المتوقع، إذا كانت موجودة أصلاً.يقول فرينك: «قلق جدًا حيال ذلك الاكتشاف. في ظل هذه الظروف، من غير الواضح ما إذا كان يمكن حتى العثور على المادة المظلمة». ويفكر في إمكان تعديل قوانين الجاذبية ببساطة لإثبات وجود المجرات، وفقًا لفرضية مسماة ديناميكا نيوتن المعدلة.كذلك، سيناقش المشاركون في المؤتمر نتائج ثورية محتملة أُعلن في المجلة العلمية journalNature. ويعتقد فريق دولي يعمل حول يورغ ديتريش، عالم الفلك من مرصد جامعة ميونخ، أنه تم الكشف المقنع عن خيوط عملاقة من المادة المظلمة التي تشكل جسرًا بين زوج من المجرات على بعد 27 مليون سنة ضوئية. ربما كان لانج محقًا في اعتباره 2012 سنة المادة المظلمة.تقصير البحثإنها نهاية يوم العمل في غران ساسو، ومجموعة من علماء الفيزياء واقفين في المختبر. يقول وولفغانغ سيدل من معهد ماكس بلانك للفيزياء في ميونيخ: «هذا البحث صعب. لو كان سهلاً، لكان شخص آخر قد سبق وأجراه».مشاريع كثيرة كانت تشرف على النهاية. وعلى مدى العقد الماضي، تقلصت ميزانية معهد البحث النووي في إيطاليا، الذي ينتمي إليه مختبر غران ساسو، بمقدار الثلث في القيمة الحقيقية، بحسب مديرة المختبر لوسيا فوتانو. وتخشى من أن يتوجب على كل تجربة في أحد الأيام أن تساهم أكثر لاسترجاع التكاليف التشغيلية.وتجري راهنًا عملية إعادة التنظيم. وتدعو الخطط إلى خفض البحوث في مجال النيوترينو، والنشاط الرئيس السابق في المختبر، وتحويل التركيز نحو البحوث حول المادة المظلمة. وتستعد تجارب كثيرة في المختبر تحت الأرض لهذا التحول.يحتاج لانج وأعضاء فريقه أيضًا إلى تحسين البيانات الخاصة بهم. بعد مؤتمر ستوكهولم، خططوا لتطوير نسخة أحدث عن تجربتهم باستخدام طن من الزينون، أو حوالى 10 أضعاف الكمية الحالية. وقد تحدد فعلاً موقع التجربة الجديدة في المنشأة تحت الأرض.ماذا لو كان كل شخص في غران ساسو يبحث عن شيء لا وجود له حتى؟ يقول لانج: «لا يهم. ما نسعى إليه بشكل أساسي هو العثور على إجابة في وقت قريب. ولعل عدم وجودها سيكون أكثر إثارة من أي شيء آخر». في كلتا الحالتين، إنه يتطلع إلى الظلمة في نهاية النفق.تجربة «الزينون»«نبحث في الأساس عن إبر صغيرة في كومة قش عملاقة، ولا نعرف حتى كيف تبدو»، يقول عالم الفيزياء رافائيل لانج حول المشروع الذي يشارك فيه ويدعى «الزينون». باعتبارها تجربة حديثة العهد نسبيًا، فإنها تقع في نفق ناء بعيد عن غرف مختبر جران ساسو الوطني الواسعة. تقطر الرطوبة من جدران النفق حيث الطحالب الكثيرة، وتبقبق حفرة الصرف الصحي الصغيرة وراء حاوية المختبر. الأضواء مضاءة في الحاوية ليلاً ونهارًا، فحتى إضاءة النور قد تنتج شرارة كهربائية صغيرة بإمكانها أن تشوش على القياسات الحساسة.تستخدم التجربة إحدى الكاميرات الأكثر حساسية في العالم، على رغم أنها 178 بكسلاً فقط. وتركز مجسات الضوء هذه على برميل صغير يحمل 100 كيلوغرام من غاز الزينون الممتاز في شكل سائل (من هنا جاءت تسمية هذه التجربة).فضلاً عن ذلك، تحتوي حاوية المختبر على مضخة تبريد ومكيف للهواء. فلتجنب عودة الزينون إلى شكله الغازي، ينبغي تبريده الى درجة 100 مئوية تحت الصفر. ومن المفترض إنتاج ومضة صغيرة من الضوء إذا اصطدمت الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل مع ذرة الزينون، ما يجعل وجود المادة المظلمة ملموسًا بشكل غير مباشر.تصفية الإشعاعتكمن المشكلة في أن عاصفة كهربائية مستمرة تدور راهنًا داخل حاوية الزينون. يقول لانج: «نسجل حدثًا في كل ثانية تقريبًا». وليرى ما يحدث في الصندوق الأسود، وصلت مرسمة الذبذبات إلى دفق البيانات. مع كل ومضة من الضوء، يضيء الخط الأخضر على الشاشة، مثل جهاز مراقبة القلب في المستشفى.يقول لانج: «لا يمكن للغالبية الساحقة من الأحداث أن تنتج من اصطدام مع المادة المظلمة، بل عن طريق التدخل في مصادر الإشعاع التي يجب تصفيتها». من بين الملايين من الومضات التي سجلت، لم يقبل باحثو الزينون سوى ثلاث - ليس كدليل على المادة المظلمة، ولكن كمجرد مرشحين محتملين يستحقون التحليل الدقيق في المستقبل.السبب بسيط: كل شيء ينتج من الإشعاع، بما في ذلك الصخر والحاويات والهواء. بالتالي، العثور على آثار من المادة المظلمة يتطلب خبيرًا في حجب الإشعاع. وكما هي الحال مع دمية ماتريوشكا، مجموعة الدمى الروسية التي تتلاءم بعضها مع البعض، تحيط طبقات واقية عدة بالكاميرا المظلمة: طبقة من البلاستيك مثلاً تحمي من الإشعاع الفضائي. لكن، بما أن البلاستيكي يبعث الإشعاع أيضًا، تم وضع درع من النحاس أمامه. ويحمي إطار من الفولاذ النظام، وبما أن الفولاذ أيضًا يبعث الإشعاع، توجب تغطيته بطبقة من الرصاص.لسوء الحظ، فالرصاص يبعث الإشعاع أيضًا، خصوصاً إذا تم حفره في الآونة الأخيرة. لكن، في تجربة أخرى (تسمى Cuore)، وجد العلماء الإيطاليون حلاً لهذه المشكلة: يستخدمون الرصاص القديم من سفينة تجارية رومانية غارقة. فبعد غرقها في قاع البحر لنحو 2000 سنة، أصبح الرصاص خاليًا من الإشعاع تقريبًا.لكن تتمثل الحماية الأكثر أهمية ضد أشعة الجسيمات الفضائية في صخرة الدولوميت التي يبلغ طولها 1400 متر والتي تفصل المختبر عن السماء. تغطي الدروع الصخرية التجربة بفاعلية كلوح رصاص بسماكة 100 متر أو 3700 متر من المياه. في أسفل الأنفاق، تصبح الأشعة الكونية مليون مرة أضعف مما هي عليه على سطح الأرض، وعلى رغم ذلك لا تزال تسبب الاضطرابات.بالإضافة إلى ذلك، يتبخر غاز الرادون المشع تحت الأرض. لحماية التجربة من غاز الرادون، يتم ضخ الهواء الذي تمت تصفيته في حاويات تحت ضغط عالٍ، كما هي الحال في ما يسمى «الغرف النظيفة» في مصانع الرقائق الدقيقة. في ظل ظروف مثالية، يجب أن تبلغ المادة المظلمة فحسب، التي تخترق كل شيء، إلى حاوية التفاعل.