قصائد مختارة لأودن شاعر المواقف والتحديات
تصدر قريباً عن «منشورات الجمل» في بيروت «قصائد مختارة» لـ و. ه. أودن، اختارها الشاعر العراقي الراحل سركون بولص وترجمها وقدم لها، وتندرج ضمن سلسلة من الترجمات نشرها بولص في مجلة «شعر» ومطبوعات أخرى.
ورد في تقديم سركون بولص للقصائد، أن «هذا الشاعر جاء كالعاصفة في العشرينيات من القرن السابق ليطيح بمبادئ شعرية كان يُظن أنّها راسخة في زمانه، وأبدى معرفة مبكرة بأصول الكتابة في كلّ مجالاتها، مقرونة بذكاء خارق وموهبة فذّة لا تعرف الحدود، هو الذي يمكنه بجرّة قلم أن يجترح مفارز تتحدى الخيال، من العاديّ إلى الكوني(الكسرُ في قدح الشاي/ يفتح ممراًً إلى أرض الأموات)». أودن الذي كان بطل اليسار في الثلاثينيات وقائد مجموعة من أنبغ الشعراء في انكلترا تلك الحقبة، لم يكن شاعراً على الورق فحسب، بل صاحب مواقف وتحدّيات. في ما يلي أجزاء من ترجمة بولص لشعره.شاهدة على قبر الجندي المجهولمن أجل أن تنقذوا عالمكم، طلبتم من هذا الرجل أن يموت.هل لهذا الرجل أن يسأل، لو قُدِّر له أن يراكم الآن،لماذا؟........وحدهلكل عاشق نظريته الفريدةفي الفرق بين الآلام التي لهوهو مع الحبيب، أو وهو وحده.عندما يحلم، لماذا يبدو له أنّ كل ما هو لحمعزيز، وعظام تحرّك الأحاسيس حقاًصورة ملفّقة من عنده، وهو يقظان؟نرسيس لا إيمان له بالمجهول،إنّه عاجز عن الالتحاق بصورته في البحيرةطالما يستخلص أنّه وحيد.الطفل، الشلال، النار، الحجرتميل إلى الخداع دائماً، أيضاًوتعتبر الكون ملكاً لها، معطى.المسنون، مثل بروست، دائماًعرضة لاعتبار الحب ألعوبة مصطنعة؛تزداد وحدتهم، كلما أحبّوا.مهما كانت نظرتنا إلى الأمر ينبغي أن يُرىلماذا يتمنى كلّ عاشقأن يجعل نوعاً من الآخرية لنفسه.ولعلنا، في الحقيقة، لسنا مطلقاً وحيدين..........المسافرحاملاً أمام وجهه المسافة،وواقفاً تحت الشجرة المميَّزة،يبحث عن المكان العدائيّ اللا أليف،ويحاول أن يرى الغابة.في الأرياف حيث لا يطلب منه اللقاء،ويقاتل بكلّ قواه ليكون كما هو،«الواحد الذي يحبّ واحدة في البعيد»وله بيت، ويحمل أسم أبيه.مع ذلك فهو وما له، دوماً، هما المتوقّعان.الموانىء تؤثّر فيه إذ يغادر الباخرة:«الناعم، الجميل، السهل على القبول».المدن تحمل شعوره مثل مروحة،وتفسح له الجموع دون تمتمات،كما أن الأرض صبورة مع حياة البشر........شاعر القبيلةكان خادماً لهم- هناك من يقول إنّه كان أعمىيتنقّل بين وجوههم وأشيائهمحتّى كانت عواطفهم جيّاشة فيه كالريحوغنّت، ثم صاحوا-{ما هذا الذي يغنّي، سوى إله»وتعبّدوا له، وضعوه في مصاف له وحده،وأشبعوه غروراً حتى أنّ هنّات عقله وقلبه الصغيرة،لدى أيّ مشكل منزليّ طارئ،كان يحسبها غناء. لم تعد تأتي الأغاني: كان عليه أن يصنعها.بأيّة دقّة كانت كلّ عبارة مرتبّة.لقد عانق أحزانه مثل قطعة أرض،وسار في المدينة مثل سفاح،وكان ينظر إلى البشر فلا يودّهم،لكنه يرتعش إذا مرّ به أحدهم وهو عابس.....رامبوالليالي، أقواس محطّات القطار، السماء الفاسدةوأصحابه السمجون لم يكونوا على درايةلكنّ أكذوبة البلاغة انفجرت مثل أنبوبفي ذلك الطفل: لقد خلق البرد شاعراً.كؤوسُ الشراب التي اشتراها لهصديقه الغنائيّ الضعيف، خلخلت بشكل منظّمملَكاته الخمس، واضعة حدّاً للهراء المألوفحتى اغترب عن كلا الضعف والقيثار.كان الشعر مرضاً خاصّاً بالأذن،أمّا النزاهة فلم تكن كافية. بدا أنّ هذاهو جحيم الطفولة: عليه أن يحاول من جديد.والآن وهو يخبُّ عبر أفريقياكان يحلم بنفس جديدة، بابن له يكون مهندساًحقيقته مقبولة لدى البشر الكاذبين...............شاهدة على قبر طاغيةالكمال، من نوعٍ ما، كان ما يسعى إليهويسهل علينا أن نفهم ما لفّقه من الأشعار؛كان خبيراً بسقطات البشريّة كما بظاهر يدهشديد الاهتمام بالجيوش والأساطيل؛وكان إذا ضحك، قهقه أعضاء مبجّلون في مجلس الشيوخومات الأطفال في الشوارع، إذا بكى..................نحن أيضاً عرفنا ساعاتٍ ذهبيّةنحن، أيضاً، عرفنا ساعات ذهبيّةتواءمتْ فيها الروح مع الجسد،رقصنا مع حبيباتنا الصادقاتفي ضياء البدر،وجالسنا الحكماء والصالحينحين استولى المرح على الألسنة وأطلقتْها الظرافةعلى ثمّة صحنٍ كريمجاءوا به من «اسكوفييه»؛شعرنا بالمجد المقتحميمزّق التحفّظات إرباً، وكنّا سنغنّيمتفاخرين بقلب مِرنان، على الطراز القديم.ولكنْ، مخدوشة بالبراثنومُلاحَقة من قبَل الجموع المتساهلة، بالإشاعات«مطبوخةً» من قبل المحرَّرينفي تعاويذ سحريّة لِبَلبلة الجماهير؛جميع الكلمات «كالسلام» و{الحب»،كلُّ الكلام الصاحي والإيجابيتمّ تلويثه، الكفر به، تحقيرُهُليتحوّل صريراً آلياً مقرفاً:لم يبق ثمّة أسلوب مؤدببعد تلك الجعجعة والهرجغير اللهجة الصامتة على انفرادساخرةً، ذات نزوع أُحاديّ،وأين لنا أن نجد ملجأ للفرحأو لمجرّد الرضىطالما لم يتركوا شيئاً على حالهسوى ضاحية العصيان؟