قصائد مختارة لأودن شاعر المواقف والتحديات

نشر في 03-09-2012 | 00:01
آخر تحديث 03-09-2012 | 00:01
No Image Caption
تصدر قريباً عن «منشورات الجمل» في بيروت «قصائد مختارة»

لـ و. ه. أودن، اختارها الشاعر العراقي الراحل سركون بولص وترجمها وقدم لها، وتندرج ضمن سلسلة من الترجمات نشرها بولص في مجلة «شعر» ومطبوعات أخرى.

ورد في تقديم سركون بولص للقصائد، أن «هذا الشاعر جاء كالعاصفة في العشرينيات من القرن السابق ليطيح بمبادئ شعرية كان يُظن أنّها راسخة في زمانه، وأبدى معرفة مبكرة بأصول الكتابة في كلّ مجالاتها، مقرونة بذكاء خارق وموهبة فذّة لا تعرف الحدود، هو الذي يمكنه بجرّة قلم أن يجترح مفارز تتحدى الخيال، من العاديّ إلى الكوني(الكسرُ في قدح الشاي/ يفتح ممراًً إلى أرض الأموات)». أودن الذي كان بطل اليسار في الثلاثينيات وقائد مجموعة من أنبغ الشعراء في انكلترا تلك الحقبة، لم يكن شاعراً على الورق فحسب، بل صاحب مواقف وتحدّيات. في ما يلي أجزاء من ترجمة بولص لشعره.

شاهدة على قبر الجندي المجهول

من أجل أن تنقذوا عالمكم، طلبتم من هذا الرجل أن يموت.

هل لهذا الرجل أن يسأل، لو قُدِّر له أن يراكم الآن،

لماذا؟

........

وحده

لكل عاشق نظريته الفريدة

في الفرق بين الآلام التي له

وهو مع الحبيب، أو وهو وحده.

عندما يحلم، لماذا يبدو له أنّ كل ما هو لحم

عزيز، وعظام تحرّك الأحاسيس حقاً

صورة ملفّقة من عنده، وهو يقظان؟

نرسيس لا إيمان له بالمجهول،

إنّه عاجز عن الالتحاق بصورته في البحيرة

طالما يستخلص أنّه وحيد.

الطفل، الشلال، النار، الحجر

تميل إلى الخداع دائماً، أيضاً

وتعتبر الكون ملكاً لها، معطى.

المسنون، مثل بروست، دائماً

عرضة لاعتبار الحب ألعوبة مصطنعة؛

تزداد وحدتهم، كلما أحبّوا.

مهما كانت نظرتنا إلى الأمر ينبغي أن يُرى

لماذا يتمنى كلّ عاشق

أن يجعل نوعاً من الآخرية لنفسه.

ولعلنا، في الحقيقة، لسنا مطلقاً وحيدين.

.........

المسافر

حاملاً أمام وجهه المسافة،

وواقفاً تحت الشجرة المميَّزة،

يبحث عن المكان العدائيّ اللا أليف،

ويحاول أن يرى الغابة.

في الأرياف حيث لا يطلب منه اللقاء،

ويقاتل بكلّ قواه ليكون كما هو،

«الواحد الذي يحبّ واحدة في البعيد»

وله بيت، ويحمل أسم أبيه.

مع ذلك فهو وما له، دوماً، هما المتوقّعان.

الموانىء تؤثّر فيه إذ يغادر الباخرة:

«الناعم، الجميل، السهل على القبول».

المدن تحمل شعوره مثل مروحة،

وتفسح له الجموع دون تمتمات،

كما أن الأرض صبورة مع حياة البشر.

.......

شاعر القبيلة

كان خادماً لهم- هناك من يقول إنّه كان أعمى

يتنقّل بين وجوههم وأشيائهم

حتّى كانت عواطفهم جيّاشة فيه كالريح

وغنّت، ثم صاحوا-{ما هذا الذي يغنّي، سوى إله»

وتعبّدوا له، وضعوه في مصاف له وحده،

وأشبعوه غروراً حتى أنّ هنّات عقله وقلبه الصغيرة،

لدى أيّ مشكل منزليّ طارئ،

كان يحسبها غناء.

لم تعد تأتي الأغاني: كان عليه أن يصنعها.

بأيّة دقّة كانت كلّ عبارة مرتبّة.

لقد عانق أحزانه مثل قطعة أرض،

وسار في المدينة مثل سفاح،

وكان ينظر إلى البشر فلا يودّهم،

لكنه يرتعش إذا مرّ به أحدهم وهو عابس.

....

رامبو

الليالي، أقواس محطّات القطار، السماء الفاسدة

وأصحابه السمجون لم يكونوا على دراية

لكنّ أكذوبة البلاغة انفجرت مثل أنبوب

في ذلك الطفل: لقد خلق البرد شاعراً.

كؤوسُ الشراب التي اشتراها له

صديقه الغنائيّ الضعيف، خلخلت بشكل منظّم

ملَكاته الخمس، واضعة حدّاً للهراء المألوف

حتى اغترب عن كلا الضعف والقيثار.

كان الشعر مرضاً خاصّاً بالأذن،

أمّا النزاهة فلم تكن كافية. بدا أنّ هذا

هو جحيم الطفولة: عليه أن يحاول من جديد.

والآن وهو يخبُّ عبر أفريقيا

كان يحلم بنفس جديدة، بابن له يكون مهندساً

حقيقته مقبولة لدى البشر الكاذبين.

..............

شاهدة على قبر طاغية

الكمال، من نوعٍ ما، كان ما يسعى إليه

ويسهل علينا أن نفهم ما لفّقه من الأشعار؛

كان خبيراً بسقطات البشريّة كما بظاهر يده

شديد الاهتمام بالجيوش والأساطيل؛

وكان إذا ضحك، قهقه أعضاء مبجّلون في مجلس الشيوخ

ومات الأطفال في الشوارع، إذا بكى.

.................

نحن أيضاً عرفنا ساعاتٍ ذهبيّة

نحن، أيضاً، عرفنا ساعات ذهبيّة

تواءمتْ فيها الروح مع الجسد،

رقصنا مع حبيباتنا الصادقات

في ضياء البدر،

وجالسنا الحكماء والصالحين

حين استولى المرح على الألسنة وأطلقتْها الظرافة

على ثمّة صحنٍ كريم

جاءوا به من «اسكوفييه»؛

شعرنا بالمجد المقتحم

يمزّق التحفّظات إرباً، وكنّا سنغنّي

متفاخرين بقلب مِرنان، على الطراز القديم.

ولكنْ، مخدوشة بالبراثن

ومُلاحَقة من قبَل الجموع المتساهلة، بالإشاعات

«مطبوخةً» من قبل المحرَّرين

في تعاويذ سحريّة لِبَلبلة الجماهير؛

جميع الكلمات «كالسلام» و{الحب»،

كلُّ الكلام الصاحي والإيجابي

تمّ تلويثه، الكفر به، تحقيرُهُ

ليتحوّل صريراً آلياً مقرفاً:

لم يبق ثمّة أسلوب مؤدب

بعد تلك الجعجعة والهرج

غير اللهجة الصامتة على انفراد

ساخرةً، ذات نزوع أُحاديّ،

وأين لنا أن نجد ملجأ للفرح

أو لمجرّد الرضى

طالما لم يتركوا شيئاً على حاله

سوى ضاحية العصيان؟

back to top