كارلوس ليسكانو... الكاتب والآخر في مرايا السجن ولغته
أصدر مشروع «كلمة» للترجمة التابع لـ{هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة» الترجمة العربية لكتاب «الكاتب والآخر» لأحد أبرز أدباء الأورغواي كارلوس ليسكانو. وهذه ليست المرة الأولى التي يُترتجم فيها ليسكانو إلى العربية، فسبق أن أصدر المركز الثقافي العربي ترجمة لروايته «عربة المجانين».يدرك متابع مسيرة الروائي كارلوس ليسكانو أن أدبه وسيرته يرتبطان بالسجن والسياسة إنما بلغة الأدب من دون بروباغندا كلامية أو «كليشيات» نضالية، مع أن الروائي كان مناضلاً سابقاً في حركة «التوباماروس» اليسارية التي تبنت أساليب الكفاح المسلح لقلب نظام الحكم في الأورغواي وباقي بلدان أميركا الجنوبية. ربما كان الكاتب مندفعاً إلى التغيير الثوري في تلك البلاد التي تحضر فيها الثورات بقوة، وهي سبقت البلدان العربية في التخلص من الديكتاتوريات، والملاحظ أن رئيس الحركة التي كان ينتمي إليها ليسكانو أصبحت في السلطة، ورئيس الأورغواي جوزيه موجيكا عرف السجن طيلة 15 عاماً بأكملها، أما الحكومة الّتي تمّ تشكيلها يوم 1 مارس عام 2010 فتضمّ الكثير من الوزراء ممن سجنوا أيّام الحكم الديكتاتوري.
نكتب عن كارلوس ليسكانو في خضم الاحتجاجات في العالم العربي، فلا ضرر في أن نتأمل كيف يتعامل الطغيان العربي مع المواطنين عموماً والكتاب خصوصاً، فالمفكر الفلسطيني سلامة كيله دخل السجن السوري قبل مدة بتهمة واهية وأبعد إلى الأردن وقد بدت على جسده علامات التعذيب القاسية، أما الكاتب السوري خالد خليفة فأعتقل لمجرد أنه شارك في تشييع أحد قتلى الثورة السورية، وخرج بيد مكسورة. والشاعر فرج بيرقدار روى عن سنوات سجنه قبل اندلاع الثورة في كتابه «خيانات اللغة والصمت»... وهلم جرا. رواية السجن السوري ستنكشف يوماً ما، وسيعرف الكثيرون ما خلف أقنعة الحكم البعثي صاحب الأربعة عقود، من تجربة رياض الترك إلى غياث مطر...مرآةتجربة كارلوس ليسكانو ربما تكون مرآة ما سيكتبه الروائيون العرب عن تجاربهم وسجونهم، فهذا اللاتيني أصبح بحسب مدون سيرته فيليب لانسون روائياً في السجن في مونتيفيديو. كان نزيل السجن منذ ثماني سنوات، وبلغ الحادية والثلاثين من عمره. في البداية، تعرّض للتعذيب طوال أربعة أشهر وبقي بعد ذلك سجيناً سياسياً كالآخرين طوال 13 سنة حتى عام 1985. في السجن، لم يكن ليسكانو يملك الحقّ في الكتابة، فكان يدوّن خواطره على ما تيسّر له من ورق يخفيه في قيثارة صديقٍ سيطلق سراحه. وعندما أطلق سراحه كانت القيثارة تنتظره في منزل شقيقته وسبعة كتب مخبوءة في جنباتها. كان ذلك في 14 مارس سنة 1985. قبل السجن، كان كارلوس ليسكانو يقرأ قصائد فراي لويس دي ليون، أحد كبار الشعراء الأسبان في القرن السادس عشر. ومن بين الكتاب الفرنسيين الثلاثة المولودين في مونتيفيديو (لافورغ ولوتريامون وسوبرفيال) وحدها سيرة الثاني أثّرت فيه: «لوتريامون هو أشبه بدعابةٍ ساخرة من الأورغواي، يقول. كان يسمّي نفسه «المونتيفيدي»، وكان له بالفعل أسلوب حياة مونتيفيدي: حياة قصيرة الأجل بعيدةً عن مسقط رأسه، وأعمال لم يعترف بها أحد في حياته. في السجن، ليسكانو اكتشف أيضاً عملاً أدبياً لا يزال إلى اليوم شديد التأثّر به هو «الرحلة إلى أقاصي الليل» لسيلين. وروايته «الطريق إلى إيثاكا» (التي صدرت بالفرنسية العام الماضي) هي بمثابة تحية إلى هذا الكاتب. العبارة التي وضعها سيلين في مفتتح روايته تقول: «على هذا النحو كانت البداية»، أمّا العبارة التي وضعها ليسكانو في مفتتح «الطريق إلى إيثاكا» فهي: «لا أدري كيف كانت البداية». قلّبها ليسكانو على أكثر من وجه، ثمّ أعاد تقليبها على جميع الأوجه: كيف لا يلقي التحية على الظلال التي تُلهِمه؟قَدِمَ ليسكانو إلى السويد بعد خروجه من السجن، يقول عن هذه التجربة: «قدمت إلى السويد في فصل الشتاء أذكر ذلك اليوم جيداً، ذلك اليوم من شهر ديسمبر ودهشتي عند تفحّص ساعتي، في الخارج كان قد حلّ الليل، فيما الساعة تشير إلى الثالثة». انتقل بعد ذلك، في منتصف التسعينيات إلى إسبانيا، تحديداً «بلازا ريال» أحد معالم إسبانيا الأكثر بؤساً والأكثر غنى وتنوعاً، حيث كما يذكر ليسكانو: «كان من اليسير أن أعثر هناك على شخصية رواياتي». إلا أنه عاد للعيش مجدداً في الأورغواي، البلد الوحيد الذي يشعر فيه «أنه ليس غريباً». عاد إلى مونتيفيديو كي يحــرر ذاته من سؤال يومي يــواجه أي منفي أو مهاجر أو لاجئ إلى أوروبا: ما هي أصولك؟ لماذا تركت بلادك وهل ترجع لها؟سجونفي زمن العالم العربي هذا، لا بد من قراءة أدب ليسكانو ليكون القارئ على دراية بمعنى كيف تكون الأوطان مثل السجون وربما أكثر قذارة منها، حين يقرأ القارئ العربي تجربة كارلوس ليسكانو مع السجن، تحضره صورة السجن والسجين والسجّان، وطرق التعذيب... كصور مألوفة، تشبه ما في سجوننا. لكن ليسكانو يكتب عن السجن بطريقة أخرى، مختلفة، فهو عنده تجربة حياة، وليس مجرّد مرحلة قاسية من العذاب والألم، يتحدث عن التعذيب وحياة السجن «بلغة وإحساس يجعل من تلك الفترة جزءاً مكوّناً أساسياً من حياته، يكتب عنها بلغة الأدب، ليس أدب السجون أو أدب التعذيب أو المأساة، بل بلغة الأدب الجميل»، بحسب تعبير أحد النقاد. أصدر ليسكانو الكثير من الروايات التي تتحدث في معظمها عن تجربة السجن المريرة التي عاشها، وعن عمليات التعذيب الوحشية التي تعرض لها. الكتابة بالنسبة إليه بحث دؤوب عما هو غير موجود أساساً. عن ماذا أكتب؟ يتساءل في سره، ويجيب: {عن الليالي البيضاء في مونتي فيديو؟ عن شوارعها في أيام ماطرة، أم عن جريان الأنهار فيها؟ أم عن الحياة التي يجب أن تعاش في جميع الأحوال؟».يعترف ليسكانو بأنه مدين بكونه أصبح كاتباً معروفاً على المستوى العالمي لسنوات سجنه المريرة، لصمت الزنزانة الانفرادية الموحشة، التي لم يكن يخترق وحدته فيها إلا وقع أقدام الجنود المتواترة، وضجيج صوت المفتاح في القفل، حين إحضار وجبة الطعام الرديئة في موعدها المحدد من كل يوم. يحلل ليسكانو في «الكاتب والآخر» علاقته بالكلمة، وهو يجزم قائلا: «اكتشفت أن الأدب هو محور حياتي وجوهرها»، لذلك فإن عجزه عن الكتابة لإتمام الرواية التي شرع في تأليفها هو، في نظره، عجز وعدم قدرة على الاستمرار في الحياة. ينطلق الكتاب من مقولة أساسية: هي أنّ «كلّ كاتب ابتكار، ثمّة فرد هو واحد، وذات يوم يبتكر كاتباً ويصبح خادماً له، ومنذ تلك اللّحظة، يعيش كما لو كان اثنين. على من يريد أن يكون كاتباً أن يبتكر الفرد الذي يكتب، أو الفرد الذي سيقوم بكتابة أعماله، إنّ الكاتب، قبل أن يبتكره الخادم، لا وجود له». يعرب كارلوس ليسكانو عن قلقه من صعوبة الكتابة المتأتية من الألم، الألم الذي يحدثه السجن في الروح. رواية «الكاتب والآخر»، توقظ فينا ألم الوحدة، وتنقل إلينا أحاسيس الكاتب اليومية، وكأننا كنا نقاسمه تلك السنوات الصعبة في زنزانته. يكتشف ليسكانو أن «الأدب مركز حياته» وأنّ الأدب والحياة شيء واحد، وأن استحالة الكتابة تغدو استحالة عيش. ذلك كله بإيجاز وبساطة وشفافية بالغة، وقدرة نادرة على النقد الذاتي، ونبرة حميمية وصادقة ّ تستدعي تواطؤ القارئ وتعاطفه.