حفريات بيكاسو في المتحف البريطاني... يا زمان المينوتور الإغريقي

نشر في 24-06-2012 | 00:02
آخر تحديث 24-06-2012 | 00:02
يعرض المتحف البريطاني في لندن لوحات للرسام الإسباني بابلو بيكاسو تنتمي إلى «سلسلة فولار»، من بينها أعمال عدة تعكس عشقه الفرنسية ماري تريز والتر.

تحمل مجموعة بيكاسو في المتحف البريطاني اسم «بيكاسو يرسم: سلسلة فولار»، وتضم نحو 100 لوحة «غرافور» (التشكيل الحفري) رسمها بيكاسو بين أعوام 1930 و1937 لحساب التاجر الفرنسي المتخصص في الأعمال الفنية امبرواز فولار.

رسم بيكاسو هذه المجموعة في خضم مرحلته الإبداعية في الوقت الذي بدأ فيه اهتمامه بأعمال النحت وتزامناً مع بدء علاقته بالفرنسية الشابة ماري تريز التي باتت عشيقته خلال هذه الفترة. ومن المعروف أن بيكاسو تعرف إلى ماري تريز عام 1927 عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها، أمام أحد المحال التجارية وبعدها عاشا قصة حب كبيرة أثمرت طفلتهما مايا. وتضم المجموعة أيضاً لوحات تتناول «المينوتور» وهو في الميثولوجيا الإغريقية مخلوق نصفه رجل ونصفه الآخر ثور، حاول بيكاسو من خلالها تجسيد تدهور الوضع السياسي في أوروبا عموماً وانتقاد الفاشية في إسبانيا خصوصاً. وفي إحدى صوره تنظر أربع فتيات بريئات من فوق السياج إلى وحش عملاق له رأس ثور بقرنين وصدر أنثى وأجنحة وأقدام ذات مخالب. لكن هذا «المينوتور» الميثولوجي ليس مسخاً من الخارج فحسب بل من الداخل أيضاً. وحرص بيكاسو على رسمه بخطوط سوداء حلزونية مائجة، غنية التنميق والزخرفة.

ظهر «المينوتور»، الحنون والمهدّد في آن، للمرة الأولى في هذه المجموعة قبل أن يصبح موضوعاً يتكرر في أعمال الفنان، إذ ظهر لاحقاً أيضاً في لوحة «غيرنيكا» الشهيرة التي رسمها بعد قصف المدينة عام 1937 في الحرب الإسبانية. وأوضح ستيفن كوبيل، المكلف إدارة المجموعة المعاصرة للرسوم والغرافور في المتحف البريطاني، أن «رسوم مجموعة فولار تؤدي مباشرة إلى غيرنيكا». ورأى الناقد الفني جونثان جونز أن لوحة «غرنيكا» خرجت من معطف هذه الرسوم بوصفها المختبر الذي أبدع فيه بيكاسو صور الحصان والثور وطورها تمهيداً لاستخدامها بهذه القوة التعبيرية المتفجرة في لوحته المناهضة للحرب.

وخلص الناقد جونز إلى أنه لو اختفت كل لوحة من لوحات بيكاسو وبقيت هذه النقوش وحدها فإن عبقرية بيكاسو ستكون حاضرة بأسطع أشكالها. وما لوحة «غيرنيكا» إلا ترجمة جدارية للرمزية الحادة والقوة الأسطورية للنقوش التي تضمها سلسلة فولار.

وكان المتحف البريطاني قد اشترى هذه المجموعة في سبتمبر 2010 بفضل تبرع قدمه أحد رجال الأعمال البريطانيين. وتعد هذه أول مجموعة كاملة من «سلسلة فولار» تُعرض للجمهور في بريطانيا كما أنها الأولى التي تملكها مؤسسة بريطانية للرسام الإسباني. بذلك، يكون المتحف دخل النادي الضيق جداً للمتاحف التي تملك مجموعة كاملة من هذه الرسوم التي طبعت مسيرة بيكاسو، إلى جانب «ناشونال غاليري» في واشنطن، و»متحف الفن المعاصر في نيويورك»، ومتحف بيكاسو في باريس.

فولار

السؤال من هو فولار الذي استحوذ على لوحات بيكاسو وبات اسما في عالم اقتناء اللوحات؟ ولد فولار عام 1868 في لاروينيون، وترك جزيرته للانتقال إلى باريس حيث درس القانون مغذياً في الوقت ذاته شغفه بالفن الذي قاده إلى فتح غاليري خاص به عام 1893. استضافت القاعة في يونيو 1901 المعرض الباريسي الأول لبيكاسو الذي لم يكن قد تجاوز التاسعة عشرة. وفي عام 1906، اشترى فولار من بيكاسو كل إنتاج «المرحلة الزرقاء» بألفي فرنك فرنسي.

فولار عاشق الأدب أيضاً كان يتمتع بحس فني مرهف. وجهد لإقناع أكبر الفنانين في مرحلته بأهمية فن الغرافور الذي اعتبر للمرة الأولى في الحقبة الحديثة نشاطاً رئيسياً (...) سمح لجمهور أوسع بالوصول إلى الفن. ونجح في إقناع بيكاسو بإنجاز أربع مجموعات جديدة من الغرافور جعلته بعد رامبرانت وغويا العبقري الجديد في فن الغرافور الحديث.

كان غوغان يرى أنه «لم يكن هناك تاجر فن أخطر من فولار».  في الحقيقة، لم يكن غوغان وحده من يشتكي من استغلال فولار له، كان بيكاسو أيضاً يقول إن فولار قد اشترى محتويات مرسمه كاملة بأبخس الأثمان، كما فعل لاحقاً مع ديران وفـلامينك وغيرهما.

لا نستطيع إحصاء الأعمال التي اقتناها فولار أو باعها، لكننا نذكر روائع بعض الانطباعيين و{ما بعد الانطباعيين»، لجماعة «الوحوش» و{الأنبياء» كما لغيرهم ممن عملوا مع الصالة الشهيرة. من بينها لوحة سيزان «لاعبا الورق» ولوحتان لفان غوغ يصور فيهما عباد الشمس تعودان إلى عام 1887، ولوحة ديغا «التسريحة» التي يعود تصويرها إلى عام 1896. يُشار أيضاً إلى مجموعة من بورتريهات فولار صوَّرها الفنانون كلٌّ بأسلوبه. هذه البورتريهات تظهر فعلاً تلك العلاقة المتينة التي جمعته بالفنانين. في الحقيقة، وكما قال بيكاسو: «لم يُتح حتى لأجمل الجميلات أن تُصَوَّر في بورتريه من الفنانين كما أُتيح لـفولار».

وقد انفصل مسار فولار وبيكاسو عندما بدأ الأخير بالتعاون مع تاجر قطع فنية هو دانيال- هنري كانفيلير. وتوفي فولار عام 1939 عندما تسبب تمثال لمايول كان ينقله بسيارته بوفاته بعدما ارتطم بعنقه.

يستمر المعرض في المتحف البريطاني حتى 2 سبتمبر.

back to top