الجهاد ضد الولايات المتحدة الأميركية

نشر في 17-05-2012 | 00:01
آخر تحديث 17-05-2012 | 00:01
No Image Caption
تدهور العلاقات بين باكستان وواشنطن

يبدو أن البرودة تسللت إلى العلاقات بين واشنطن وإسلام أباد منذ قتلت القوات الأميركية أسامة بن لادن السنة الماضية. وبما أنه من المقرر أن يغادر الجنود الأميركيون وقوات حلف شمال الأطلسي أفغانستان قريباً، فلا حافز للدولة الباكستانية المتسلحة نووياً يدفعها إلى تحسين هذه العلاقات، خصوصاً أن الكره للأميركيين في تنامٍ مستمر في البلد. تحقيق بقلم حسنين كاظم وغيرهارد سبورل من «شبيغل».

يرجع الشيخ رشيد أحمد إلى الخلف وهو جالس في كرسي مكتبه. يجري مجموعة من الاتصالات الهاتفية في غرفة مكتبه التي ينيرها ضوء خافت. كان جهاز التلفزيون مضاء من دون أن يصدر عنه أي صوت. تربع على الطاولة أمام الشيخ مسدس، مدّ أحمد يده إليه، ابتسم، ثم أعاده إلى مكانه. يحمل هذا الشيخ مسدساً مذ أطلق عليه النار قبل سنتين قاتلان مأجوران يستقلان دراجة نارية.

أحمد (61 سنة) أحد السياسيين المخضرمين في باكستان. تولى عدداً من المناصب الحكومية خلال عهد برويز مشرف، الرئيس الباكستاني بين عامَي 2001 و2008، وكان آخرها وزير السكة الحديد في الحكومة الفدرالية. عندما أُجبر مشرف على الاستقالة قبل أربع سنوات، خرج أحمد من الحكومة معه. بعيد ذلك، صار متشدداً دينياً وأسس حزبه الخاص وأسماه رابطة عوامي الباكستانية. كذلك، أعلن الجهاد رسمياً على الولايات المتحدة.

طوال أسابيع كان أحمد يجوب البلاد مع مجموعة متنقلة من المقاتلين والرجال المتدينين، الذين راحوا يؤلبون الناس ضد الولايات المتحدة. يتحلق هؤلاء الرجال جميعاً حول جهاز الميكروفون ويرفعون سباباتهم عالياً، فيما يعلن كل منهم أن الله شاء أن تخسر تلك القوة العظمة الحرب في أفغانستان، وأن على باكستان أيضاً أن ترفع اليوم هذا النير عنها. هكذا، تنشر هذه المجموعة الكره.

تتألف هذه المجموعة الجوالة من قادة 44 فرقة دينية وحدت قواها قبل نحو نصف سنة لتشكل مجلس الدفاع الباكستاني. يضم هذا المجلس ملالي ومجاهدين متشددين، قادة طوائف مسلمة، وأعضاء من حركات إسلامية متنافسة. ينتمي أحمد إلى القوى الأكثر اعتدالاً، بخلاف حافظ سعيد، الذي يُعتبر العقل المدبر وراء الاعتداء المميت على الفندقين ومحطة القطار في مومباي في نوفمبر عام 2008، علماً أن هذا الاعتداء أودى بحياة 166 شخصاً.

تعتقد الولايات المتحدة أن سعيد أحد أخطر الإرهابيين في العالم. وقد أعلنت الحكومة الأميركية أخيراً جائزة قدرها 10 ملايين دولار (7.7 ملايين يورو) لمن يلقي القبض عليه. يبدو أن هذا يفرح سعيد الذي سارع إلى عقد مؤتمر صحفي في راولبندي، حيث أشار مرات عدة إلى علاقاته الجيدة مع أجهزة الاستخبارات الباكستانية. كذلك، هزأ من المكافأة، قائلاً: «أنا هنا! يمكن الجميع رؤيتي. يجب أن تقدم لي الولايات المتحدة المكافأة. سأقصد لاهور غداً. تستطيع الولايات المتحدة الاتصال بي متى تشاء». لا ينوي أي مدعٍ عامٍ باكستاني توجيه الأمر باعتقال سعيد. ففي بلاده يُعتبر بطلاً.

القطيعة

باكستان بلد كثير التقلبات دخل دوامة الفوضى والاضطرابات بسبب الحرب الدائرة في أفغانستان. يتمتع رجال الدين المجاهدون في هذا البلد بنفوذ ثقافي واسع. وقد ثارت ثائرتهم بسبب غرور القوة العالمية الأميركية، الهجمات التي تنفذها طائراتها بلا طيار في المناطق الحدودية، وقتل أسامة بن لادن قبل سنة. فازداد الدعم الذي ينعم به هؤلاء القادة وامتد إلى الطبقة الوسطى في المدن.

لم تستطع باكستان بعد مسامحة الولايات المتحدة على هجوم فرقها الخاصة في الثاني من مايو عام 2011، الذي أدى إلى مقتل أسامة بن لادن. ولا شك في أن الصور التي ظهر فيها الرئيس الأميركي باراك أوباما وهو يراقب من البيت الأبيض العملية عبر بث فيديو لا تُنسى. لم تقدّم واشنطن للحكومة أو الجيش الباكستانيين أي إنذار مسبق مخافة تعريض هذه المهمة للفشل. هكذا، أذلت الولايات المتحدة حليفتها مُظهرة مدى عمق عدم ثقتها بباكستان.

أدت هذه العملية، التي حملت الاسم «رمح نبتون»، إلى صدع في العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان صعب رأبه.

تدعي القوات المسلحة الأميركية والجيش الباكستاني عادة أنهما يتعاونان معاً. فاعتدنا رؤية الدبلوماسيين وكبار المسؤولين العسكريين يتنقلون ذهاباً وإياباً بين البلدين. لكن خلال الأشهر الأخيرة، انقطعت خطوط التواصل بين الجنرال جيمس ماتيس، قائد القيادة المركزية الأميركية المسؤول عن الحرب في أفغانستان، وقائد الجيش الباكستاني أشفق برويز كياني. كذلك، شكّل البرلمان الباكستاني لجنة خصصت الكثير من الوقت لمناقشة أطر جديدة لعلاقة هذا البلد بالقوة العظمى الأميركية.

تؤثر هذه القطيعة بين البلدين في الحرب في أفغانستان. فقد رفضت باكستان السماح باستخدام أراضيها لتأمين الإمدادات لقوات حلف شمال الأطلسي منذ شهر نوفمبر الماضي، حين أطلقت طائرات مروحية تابعة للحلف النار خطأ على موقعين باكستانيين حدوديين، ما تسبب بمقتل 24 جندياً. منذ ذلك الحين، أُرغم حلف شمال الأطلسي على استخدام طريق تمر عبر وسط آسيا، وهذه عملية مكلفة جداً.

يكشف هذا الصراع اعتماد استراتيجية مزدوجة. صحيح أن باكستان أثارت ضجة كبيرة بشأن تعليق عمليات النقل عبر أراضيها، لكنها ترغب في إعادة فتح طرق الإمدادات لأنها مربحة للغاية. تتطالب باكستان راهناً بالحصول على رسوم تصل إلى 1500 دولار (1150 يورو) عن كل حاوية طعام أو وقود أو معدات عسكرية تصل إلى مرفأ مدينة كراتشي، من ثم تُنقل بالشاحنات إلى كابول أو قندهار. قبلت الولايات المتحدة برفع الكلفة إلى هذا الحد شرط أن تُعفى من ضرائب الطرقات. فقد اضطرت الولايات المتحدة حتى اليوم إلى دفع 1500 دولار إضافية كرشاوى لكل حاوية تعبر الطريق الجبلية. يدخل هذا المال جيوب طالبان ومسؤولي الجمارك الباكستانيين الفاسدين. لكن بما أن هذه الرشاوى باتت العرف المتبع ولا يظن أحد أن الوضع سيتبدل، فما من خيار آخر أمام حلف شمال الإطلسي غير القبول بالثمن الجديد حتى يحين موعد انسحاب قواته عام 2014 أو مواصلته استعمال طرق الإمداد التي تمر في وسط آسيا.

«حليف من جهنم»

شابت العلاقة بين باكستان والولايات المتحدة منذ البداية مصالح غير سوية سعى إليها كلا الطرفين. فكثرت الأسباب التي دفعتهما إلى النظر بعين الريبة إلى الآخر. وقد تفاقمت هذه الأسباب إلى حد كبير خلال السنوات الأخيرة. فقد كررت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون انتقادها الجيش الباكستاني وحضته على ملاحقة شبكة حقاني.

اعتبرت تقييمات حلف شمال الأطلسي أن قبيلة حقاني البشتونية المقيمة في شمال غرب باكستان تشكّل خطراً كبيراً يهدد الجنود في أفغانستان. لقي أكثر من 40 شخصاً حتفهم في سبعة اعتداءات متتالية في المنطقة الدبلوماسية من كابول في منتصف شهر أبريل. وبعيد إنهاء أوباما زيارته المفاجئة إلى أفغانستان قبل أيام، وقع تفجير انتحاري قتل 11 شخصاً. وما هي إلا فترة وجيزة حتى تلته ثلاثة تفجيرات في شمال غرب باكستان. فلقي 25 شخصاً حتفهن، بينهم عدد من زعماء القبائل الذين نددوا بطالبان.

من وجهة نظر الجيش الباكستاني ووكالة الاستخبارات الرئيسة في البلد، ISI، ما من أسباب وجيهة لاتخاذ أي خطوات ضد المجموعات الإرهابية. يخطط الغرب للانسحاب من أفغانستان بحلول نهاية عام 2014. وتأمل باكستان عند هذه المرحلة بأن تبسط سيطرتها على مجريات الأحداث في جارتها. وكي تتمكن من تحقيق هدفها هذا، تحافظ على علاقات جيدة مع حلفائها على مختلف الأصعدة، بمن فيهم قبيلة حقاني وحركة طالبان. ترغب الولايات المتحدة أيضاً في الحفاظ على نفوذها في المنطقة بعد عام 2014. كذلك، تعتبر باكستان قاعدة مناسبة لعملياتها. علاوة على ذلك، تملك دولة باكستان المضطربة أسلحة نووية. ولعل الكابوس الأسوأ الذي يقض مضجع الغرب سيطرة الإرهابيين على الأسلحة النووية في هذا البلد.

في شهر ديسمبر، اشعل مقال نُشر في المجلة الأميركية المحترمة The Atlantic غضب الولايات المتحدة وباكستان على حد سواء. حمل هذا المقال العنوان «حليف من جهنم» (The Ally from Hell) واستهله الكاتبان على النحو التالي: «تكذب باكستان. تؤوي المجاهدين المتطرفين وتملك ترسانة نووية كبيرة ومتنامية. ومع صديقة كهذه، مَن يحتاج إلى أعتداء؟».

يصف هذان الكاتبان بالتفصيل أيضاً مدى خوف الجيش من أن يُحرم من أسلحته النووية. لكنهما يشيران إلى أن الجنرالات الباكستانيين لا يخشون تنظيم القاعدة، كما قد نظن، بل الولايات المتحدة الأميركية. وتضيف The Atlantic موضحة أن الأجهزة الأمنية الباكستانية اعتبرت الهجوم على بن لادن مؤشراً إلى أن «الولايات المتحدة قد طورت الوسائل التقنية الضرورية لشن غارات متلاحقة على المنشآت النووية الباكستانية».

علاوة على ذلك، تكشف المجلة التدابير الأمنية التي تعتمدها باكستان لحماية ترسانتها. يكون من الضروري أحياناً تحديث الرؤوس الحربية أو قطع الأسلحة النووية. لتحقيق ذلك يجب نقلها إلى المنشآت المناسبة. تُجرى عمليات النقل هذه أحياناً بواسطة طائرات مروحية، إلا أنها تنقل «أحياناً أخرى في آليات مدنية لا دفاعات ظاهرة لها، وتتنقل هذه الآليات بشكل طبيعي على الطرقات وسط السيارات»، وفق كاتبي المقال.

ولا شك في أن نقل رؤوس نووية في فانات صغيرة عادية وسط فوضى شوارع مدن باكستان الكبرى فكرة غريبة جاءت وليدة الخوف من الولايات المتحدة.

رئيس بالمصادفة

باكستان قوة نووية، غير أنها أيضاً بلد فقير لا يبذل جهداً يُذكر لإخراج شعبه من دوامة الفقر والجهل. فلا يجيد نحو نصف سكانه المئة والتسعين مليوناً القراءة أو الكتابة. لذلك، لا أهمية لواقع أن باكستان دولة ديمقراطية، كما يصفها دستورها على الأقل. فتشكل الإقطاعيات، خصوصاً في المناطق الريفية، أساس المجتمع. ولا تزال العائلات العريقة، مثل قبيلة بوتو، تسيطر على البلد، كما تفعل منذ زمن.

تجددت الشائعات عن انقلاب آخر في الأشهر الأخيرة، وغالباً ما تكثر شائعات مماثلة في باكستان عندما تنشب خلافات بين الحكومة والجيش. لكن إسلام أباد لم تشهد أي انقلاب هذه المرة. بدا الجيش متردداً لأنه فقد جزءاً من هيبته عندما سمح للولايات المتحدة بالتحكم به، على حد قول النقاد. كذلك، يضع الجو العام المناهض للولايات المتحدة الجيش، الذي كان يعتبر حتى وقت ليس ببعيد المؤسسة الوحيدة التي يُعتمد عليها في البلد.

منح الرئيس آصف علي زرداري عفواً، فأصبح رئيساً بالصدفة. فهو أرمل بنظير بوتو، التي تبوأت رئاسة الوزراء مرتين وأطيح بها في كلا المرتين بسبب الفساد. اغتيلت بوتو في شهر ديسمبر عام 2007 فيما كانت تستعد للترشح لولاية ثالثة.

زرداري أحد السياسيين المكروهين في باكستان، فقد لُقّب في الماضي «سيد 10%»، لأنه اعتاد، حسبما يُقال، أخذ 10% من العقود الحكومية لنفسه، حين كان يتبوأ منصب وزير الاستثمار في حكومة زوجته الراحلة. أُدين بتهمة الفساد عام 1999 وأمضى خمس سنوات في السجن. بعد ذلك، لحق بزوجته إلى المنفى ليعودا معاً إلى باكستان عام 2007، بعدما أصدر الرئيس مشرف عفواً عاماً.

تدفع هذه الظروف في باكستان أحياناً الباكستانيين الذين يتملكهم اليأس إلى وصف بلدهم بـ{الأرض المستنفدة».

عدالة غريبة

يشهد النظام السياسي الكثير من الصراعات الداخلية، فقضاة المحكمة العليا وحدهم يتمتعون بقليل من الاحترام في الوقت الراهن. طوال عقود، كان القضاة مجرد عملاء تابعين للجيش، وقد حظي كل انقلاب بمباركة دستورية. لكنهم حاولوا، على ما يبدو، في الآونة الأخيرة الخروج من علاقة التكافل هذه. حتى إنهم بدأوا أخيراً بالتحقيق في شؤون الرئيس زرداري، سيد «10%»، وانتهاكاته السابقة.

أعلن القضاة في البداية أن عفو عام 2007 باطل لأنه يستند إلى مرسوم رئاسي لا قانون. ثم، سعوا إلى إعادة تحريك القضايا التي شملها العفو، قضايا تتضمن ملايين الدولارات التي يُقال إن زرداري بيضها ونقلها إلى حسابات مصرفية في بنوك سويسرا.

كانت هذه القضية معقدة وواضحة المعالم في آن. معقدة لأن القضاة أرادوا إرغام الحكومة الباكستانية على توجيه خطاب إلى السلطات السويسرية تطلب فيه إعادة فتح القضية. لكن المفارقة أن زرداري لا يستطيع كتابة طلب مماثل لأنه يتمتع بالحصانة بصفته رئيساً، ما يجعله بعيداً عن منال القضاة. لذلك، لجأ هؤلاء إلى رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني، طالبين منه إرسال خطاب إلى السلطات السويسرية لإعادة فتح القضية. لكن جيلاني رفض، محولاً هذا النزاع القضائي إلى استعراض قوى.

اعتبرت هذه القضية واضحة المعالم أيضاً لأن الازدراء بالمحكمة جرم يعاقب عليه القانون. ولو أدين جيلاني، لكان خسر منصبه، ما يستلزم إجراء انتخابات جديدة. كذلك، هددت المحكمة العليا مرات عدة بفرض عقوبة على جيلاني، إلا أنها عدلت عن ذلك في النهاية وتوصلت إلى حكم غريب: فرض القضاة على المتهم جيلاني حكماً رمزياً مدته ثوانٍ واعتبروا أنه نفذه لأنه «انتهى في اللحظة التي نهض فيها القضاة».

كانت هذه نتيجة صراع ديمقراطي رمزي خرج فيه من وجهة النظر الباكستانية الطرفان منتصرين: القضاة الذين حاكموا رئيس الوزراء، وجيلاني الذي تمكن من البقاء في منصبه.

إذاً، ظل الوضع على حاله. نتيجة لذلك، من الممكن أن يصمد اتحاد زرداري/ جيلاني الغريب حتى عام 2013، حين يكون قد أنهى ولاية كاملة في السلطة. وتُعتبر هذه سابقة في تاريخ باكستان، حيث درجت العادة أن تسقط الحكومات المدنية نتيجة الانقلابات أو تُرغم على الاستقالة بسبب الفساد.

back to top