امرأتنا للطاهر الحداد... إصلاحي قبل الأوان

نشر في 25-06-2012 | 00:01
آخر تحديث 25-06-2012 | 00:01
No Image Caption
صدر العدد الجديد من مجلة «الدوحة» الثقافية الشهرية التي تصدرها وزارة الثقافة والفنون والتراث في دولة قطر، ومعه ملحق وكتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» للكاتب التونسي الراحل الطاهر الحداد.

يعد الطاهر الحداد (1899- 1935) في كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» محرر المرأة التونسية، وكانت لظهور هذا الكتاب أصداء واسعة مؤيدة ومعارضة. ويعتبر المؤرخون أن نشره كان حدثاً جوهرياً في مسيرة الإصلاح الاجتماعي عموماً والنسائي خصوصاً، بالإضافة إلى رؤية جديدة في تأويل النص الديني مهدت لصدور مجلة «الأحوال الشخصية التونسية» سنة 1956، مانحة المرأة حقوقاً قانونية لم تنلها النساء العربيات إلى اليوم. وتبرر مجلة «الدوحة» بأنه في مثل هذا الظرف التاريخي الذي يعيشه العالم العربي، لا سيما العالم الإسلامي، تطرح مجدداً قضية المرأة، لتنازعها المرجعيات وتعرض عليها تصوراتها، تحاول أن تعيدها إلى سابق عهدها قبل عصر النهضة والإصلاح. فـ{كان واجباً علينا البحث عن كتابات وضعت كمنارات على طريق الإصلاح لإعادة حقوق المرأة، ووضعها في مكانها اللائق بالمجتمع».

اشتمل الكتاب على قسمين، تشريعي احتوى على مواضيع: المرأة في الإسلام، اعتبارها الذاتي، حقوقها المدنية...، فيما اشتمل القسم الاجتماعي على: كيف نثقف الفتاة لتكون زوجاً فأماً؟ الثقافة الصناعية... ويعتبر الحداد أن الناس أمام المرأة فريقان: أنصار لها، ومعارضون. ولكنهم في الغرب غيرهم في الشرق. والفرق بينهم بعيد جداً كالفرق بين امرأتهم وامرأتنا. فهم في أوروبا متفقون على تعليم المرأة وتربيتها وعاملون في ذلك جميعاً لتقوم بعملها كاملاً في المنزل وتربية الأبناء. مع تمكينها من الحرية المدنية لاستثمار مواهبها في الأعمال الأدبية والمادية العائدة بالخير على منزلها أو على الثقافة العامة. ولتأخذ حظها أيضاً في الانتفاع بمباهج الحياة. وقد نالت من ذلك ونال منها المجتمع الأوروبي أوفر نصيب. ثم هم يختلفون بعد في تقدمها مع الرجل إلى الإنتاج المادي، وسيادة الدولة وتحمل أعبائها بالمساواة معه حتى لا يمتاز عليها في شيء. وهذا ما تسير له اليوم في تيار قوي. فالمعارضون يرون في ذلك تضييع لوظيفة المرأة في المنزل والنسل وتثقيفه.

دعاة الإصلاح

قدمت الدكتورة منى أبو زيد الكتاب مستعرضة سياقه وخلفيته الثقافية والأفق الذي فتحه، مستهلة كلمتها بأن قضية المرأة من القضايا المحورية التي رفع لواءها دعاة الإصلاح في العالمين العربي والإسلامي، منذ الطهطاوي حتى الآن، وهي لا تزال قضية ساخنة في مجالات الثقافة والفكر والتشريع. ويصعب على المرء رصد التراث الحديث والمعاصر حول هذه القضية التي أصبحت وتيرتها عالية إثر الربيع العربي بما أشار إليه من مرجعيات، وبالتوتر الذي أحس به العاملون في قضايا المرأة خوفاً على مكاسبها، وتجنباً لتراجعات ترى جماعات نسائية كثيرة أنها تمثل هزيمة لتيارات الإصلاح. أياً ما كان الأمر فإن كتاب الطاهر الحداد «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» أحد أهم الكتب في هذا السياق بما أثار من قضايا، وما جلب على صاحبه، وما واجهه من ردود تحتاج إلى عرض ومناقشة، وما حصل عليه من تأييد ودفاع.

واستعرضت منى أبو زيد قضية تحرير المرأة في ذلك السياق وموقع الطاهر الحداد بين رموز عقده الفريد، رصدت ردود الفعل على صدور الكتاب والعنف الذي قوبل به فكتبت: «كان كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» صرخة أطلقها الحداد ضد المسلمين في عصره وفي عصور الانحطاط، وضد التقاليد العقيمة وتحجر عقول بعض الفقهاء، وقد تأثر المؤلف في هذا الكتاب بالحركات الإصلاحية وبالنهضة النسائية التي ظهرت بوادرها في العالم الإسلامي. وعلى أثر صدور الكتاب ثارت ضده حملات عارمة، وامتلأت الصحف العربية والفرنسية بالمقالات المختلفة مناهضة ومناصرة. وكان زمن صدور هذا الكتاب، تواكب مع زمن صدور الكثير من الكتب العربية المماثلة الأخرى، التي تعرضت وتعرض أصحابها إلى حملات مشابهة («في الشعر الجاهلي» لطه حسين، وخصوصاً «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبدالرازق)».

شاركت في الحملة ضد الكتاب وصاحبه طائفة من الكُتّاب والشعراء، منهم: محيي الدين القليبي، ومحمد المنصف المنستيري، وحسين الجزيري، ومحمد الصالح النيفر وغيرهم. كذلك بدأ بعض الصحف المتزمتة الحملة على الكتاب، في مقدمها جريدة «النديم» الأسبوعية التي جردت الأقلام من طرف من قرأ الكتاب ومن لم يقرأه ولم يره. وألحّ بعض الصحف على شيوخ الشريعة في وجوب التعجيل بإصدار حكم صارم ضد الكتاب وصاحبه، وطالب بعضها من «الباي» (الحاكم) التدخل لحماية الدين بوصفه إماماً للمسلمين. واجتمعت «النظارة العلمية»، وهي الهيئة المشرفة على الجامعة الزيتونية، من أجل النظر في هذا الكتاب، وأصدرت حكمها على الكتاب بالإعدام، وعلى مؤلفه بحرمانه من شهاداته العلمية، وبحرمانه تبعاً لذلك من جميع ما تخوله له هذه الشهادات، في ذاك العصر، كالانتصاب للإشهاد، وسحب منه الأمر العلي المخول له ممارسة هذا العمل. ونشر، زيادة في الدعاية والتشويه، معظم الصحف هذا الخبر.

كذلك نشرت «الزيتونة» كتاباً يعارضه بعنوان «الحِداد على امرأة الحدّاد»؛ إضافة إلى كتاب آخر بعنوان «سيف الحق على من لا يرى الحق». لكن الحداد تمسك بموقفه وآرائه وواصل نضاله، على رغم عزلته، فكتب كتاباً عن إصلاح التعليم الزيتوني، وكتابين آخرين ضمنهما أشعاره وخواطره التي لم تر النور إلا بعد وفاته، وبعد استقلال تونس بسنوات.

اليوم، بعد عقود على صدور كتاب الطاهر الحداد، يُلاحظ أن أفكاره انتصرت على تلك الأفكار التي كانت تحاربه، وبقي كتابه في الواجهة كعلامة من علامات النهضة الثانية واندثرت الردود التي كالته بأشنع التهم والأحقاد.

الطاهر الحداد أحد رواد عصر النهضة، ولد في تونس العاصمة عام 1899، ودرس في كتاتيبها، وتخرج في جامعتها «الزيتونة»، وعمل ماسك دفاتر في أحد دكاكين سوق العطّارين ثم كاتباً في الجمعيّة الخيريّة. نشر مقالات جريئة كثيرة في الصحف التونسية كجريدة «الأمة» و{مرشد الأمة» و{إفريقيا». كان أحد الرواد المبكرين للحركة النقابية، وأصدر كتاب «العمّال التونسيون وظهور الحركة النقابية» عام 1927، الذي صادرته إدارة الأمن فور صدوره.

مات الحداد في ريعان شبابه يوم 7 ديسمبر سنة 1935. لكن الشعب التونسي ونخبته وسلطته كانوا أوفياء لهذا الطليعي الذي ضحى لأجلهم ولأجل نهضتهم، فكرموه على أكثر من صعيد، كان أهمها تضمين مجلة «الأحوال الشخصية»، التي صدرت عام 1956، الكثير من أفكار الطاهر الحداد واقتراحاته.

back to top