المفكر والمؤرخ د. محمود إسماعيل: الغرب يحوّل الدين إلى أيديولوجية تدميرية للمجتمعات العربية
أحد العقول المتفردة على مستوى العالم العربي، وصاحب مشروع فكري قائم بذاته. إنه الدكتور محمود إسماعيل، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة عين شمس، وصاحب موسوعة سسيولوجيا الفكر العربي وكثير من الدراسات الكاشفة للمجتمعات العربية. له الكثير من الأراء حول مشروعات الإمبريالية العالمية في المنطقة من خلال استخدام سلاحي الدين والإثنية، ويؤكد أن العراق نموذج للتقسيم الطائفي والعرقي قابل للتعميم في عدد من الدول العربية. حول رؤيته للواقع الراهن للعالم العربي ومستقبله، وقضايا الأقليات ومشاكلها في ضوء الواقع العالمي والتدخل الغربي، كان حوار «الجريدة» معه.
كيف ترصد واقع الثورات العربية في اللحظة الراهنة؟كانت لي تصورات قبل الثورة منذ سنة 1991، تزامنت مع انهيار الاتحاد السوفياتي وهيمنة النظم الرأسمالية على العالم، وتسويق النموذج الأميركي بقيمه الاستهلاكية في دول العالم، وأن القوى الكبرى تتحكم في القضايا الاستراتيجية العامة في المنطقة بدعوى الحفاظ على المصالح. على المستوى العربي، بدأت مظاهر الربيع الثوري ملحوظة في عام 2008 عندما كتبت عن ثورة الجياع المقبلة، وعندما جاءت الثورات العربية صعد للأسف التيار «الإسلاموي» ممثلاً في جماعة «الإخوان المسلمين» والسلفيين، الذين أججوا من النعرات الطائفية ضد الأقليات الدينية في مجتمعات الربيع العربي، ما شكل خطراً على وحدة هذه المجتمعات وانحراف بمسار الثورة الطبيعي إلى قضايا ومشاكل طائفية، وشاهد ما يحدث من السلفيين في تونس على سبيل المثال.هل يتوافر مخرج من المأزق الإسلاموي؟عندما أصبحت الرأسمالية هي المهيمنة على العالم، ظهرت مساوئ الرأسمالية وبدأت في الانهيار، وأعتقد أنها ستزول خلال أربعة عقود. كذلك سيظهر خروج الإسلامويين إلى العلن سلبياتهم. ومعرفتنا بالتيارات الإسلاموية تمتد إلى الماضي وأخطائه، فكل ما هو في الحاضر ابن ما شرعي أو غير شرعي للماضي، ومن يستطيع أن يضع يده على الماضي هو القادر على تقطير الحاضر، هو من يستطيع قراءة ما وراء الأحداث ويتنبأ بما هو قادم. فالحقيقة غائبة دائما، وكي نفسر الواقع نبحث عن المعلومات على طريقة حل الكلمات المتقاطعة، لكن التطور في المجتمعات العربية نكوصي، وهو ما يساعد مثل هذه التيارات على البروز، فمثلاً في عصر الصاروخ والخروج إلى الفضاء نجد من يتحدث عن أعمال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، والذي على رغم عدله إلا أن العصر تطور وفرض آليات جديدة للتعامل معه.ثمة مخاوف من دعوات تطبيق الشريعة على مفهوم الدولة الوطنية. ما تعليقك؟أصحاب الاتجاه «الإسلاموي» المتشدقون بالدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لا يفقهون أولوياتها، بل يتسترون وراء هذا الشعار لتحقيق أغراض سياسية فقط. أما الشريعة فتتعلق بتنظيم العلاقة بين البشر، بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين المغايرين في العقيدة، فالعالم الإسلامي على امتداده زماناً ومكاناً لم يعرف نمطاً محدداً في التشريع، يمكن إحياؤه وتطبيقه في مجتمعاتنا المعاصرة، إذ شهدت المجتمعات الإسلامية تعدداً وتنوعاً في التشريع على رغم وحدة مرجعيته، فمن الشريعة ما يختص بالعبادات وما يتعلق بالمعاملات، وأحكام العبادات قطعية وحاسمة أيضاً، لا لشيء إلا لكونها من أصول الدين. أما المعاملات فأحكامها «مفتوحة» للرأي والمراجعة والتعديل وفقاً لطبيعة المتغيرات الاجتماعية ومقتضيات الصيرورة والضرورة. طالما كان الهدف هو تحقيق المقاصد والغايات التى تستهدفها أحكام الشريعة، ولعل ذلك هو ما يفسر كون القرآن الكريم، مصدر التشريع الأول، لا يفصل في تقرير الأحكام إلا حين يعالج «الثوابت» كالزواج والطلاق والإرث وما شابه، وما هو دون ذلك، ويشكل جل أحكام الشريعة، جاء في صورة مبادئ عامة تشكل «دستوراً»، إن جاز التعبير، يمكن «الاجتهاد» بصددها في صيـــــاغة «قوانين» قد تختلف حسب معطيات الزمان والمكان والظـــروف، ما دامت تحقق مقـــــاصد الشريعة التي تتمحور أساساً حول مــــفهوم العدالة، «فشريعــــة العدل هي شريعة الله».كيف ترصد مشاركة المهمشين في ثورات الربيع العربي؟اهتمامي بالمهمشين ممتد على مدار سنوات عمري الأكاديمية، ورصدتهم في كتبي «المهمشون في التاريخ الإسلامي» و»المهمشون في تاريخ مصر» و»المهمشون في التاريخ الأوروبي»، باعتبارهم ظاهرة تمثل رديفاً أخر لظاهرة الأقليات، فالطبقات العليا تتجاهل آلامهم وآمالهم باعتبارهم على هامش الحياة، لذلك لفت نظري أن يقوم شباب من الطبقة الوسطى من حاملي النظارات وعاشقي الإنترنت، ممن كانوا ينظفون الميادين في مصر في المساء قبل رحيلهم، تأكدت أنها ليست ثورة إلا بعد أن شارك فيها عامة الشعب على مختلف طوائفه، فالثورة تصنعها الطليعة التي تجمع عامة الشعب كظهير لها، أولئك الذين يعبرون عن طموحاتهم ويدافعون عن أهدافهم، وهم من يشاركون بالدفاع عن الثورة ضد القوى المضادة. ثمة قصص من الثورة المصرية عن أولاد الشوارع الذين شاركوا في الدفاع عن ميدان التحرير وكانوا يطالبون شباب الثورة بالرجوع إلى الخطوط الخلفية قائلين «ارجع أنت مصر تحتاج لك أما أنا ماليش لازمة». يؤكد مثل هذا الانصهار بين المهمشين والنخب خصوصية الظرف الثوري الذي يخرج الشخصية الفريدة المكنونة لمصر، كالمعدن النفيس دفن في الرمال واختلط بها، عندما تخرجه وتعرضه للنار يصبح أكثر جلاء.فالثورات كما أعرفها، يصنعها المهمشون. من صنع الثورة الفرنسية؟ غوغاء باريس. ما يُطلق عليه عمليات سلب ونهب هو حق مشروع للمهمش يدفعه إلى الاستبسال في الدفاع عن القضية العامة للثوار جميعاً، ومن هذه الزاوية ضربت الثوارت العربية، عندما تم تجريد الثورة من مضامينها الحقيقية وتفريغها من آلياتها الطبيعية يحكم عليها بالفشل، فالدم في الثورات هو وقودها بل قربانها الذي يضمن بقاءها حتى تحقيق أهدافها كاملة، فثورة بلا مهمشين وغوغاء ثورة محكوم عليها بالفشل. الثورة في مصر وتونس وصلت إلى مرحلة معينة تتضمن تجميع عدة آلاف وأحياناً ملايين والهتاف حتى تدرك تلك الجموع التعب ثم يعود الجميع إلى منازلهم. هذا أمر غير صحي فالثورة حالة تحرك، والثوار لا يقدمون مطالبهم إلى آخرين لينفذوها لهم، هم كثوار من يحققون مطالبهم ومطالبهم لا تقف عند حدود فهي متجددة بتجدد النشاط الثوري. في مصر وتونس تحديداً، الشعب صنع الثورة وسرقتها النخب.كيف ترى التدخل الغربي في ملف الأقليات الدينية في العالم العربي؟ثمة مخطط كامل لتفكيك المجتمعات العربية والإسلامية وضع معالمه المستشرق برنارد لويس، الخبير في المجتمعات العربية والإسلامية وعراب الإدارة الأميركية في التعامل مع الشرق المسلم، وتلميذه اليهودي شلومو أفنيري. المخطط قائم على فلسفة معينة، قوامها تشظية الكيانات العربية، فالإمبرالية العالمية كانت تخشى التكتلات، لكنها في حالة ضعف حالياً وضمور، لذلك لجأت إلى تشظية الكيانات القائمة، وأوكلت مهمة التدخل العسكري إلى دول أخرى. اتضح ذلك في المسألة الليبية عندما أوكلت الولايات المتحدة لفرنسا مهمة قيادة العمليات هناك. هنا كان البحث عن الألغام الداخلية التي تغني عن التدخل العسكري المباشر، في ضوء واقع باتت فيه العمليات العسكرية مرفوضة ومستهجنة وضد التطور التاريخي.التعامل مع العالم الإسلامي كقوة كبرى وهرم ضخم لا يمكن الصدام معه مباشرة. حتى ولو صدمته وهزمته عشر هزائم، فالعمق الجغرافي يساعده على استيعاب هذه الهزائم وتقليل خسائره، لذلك فضلوا التعامل مع هذا البناء الضخم من خلال تفكيكه.والعالم الإسلامي إذا شبهناه ببناء ضخم يتكون من حجارة ضخمة هي الإثنيات، ويعد الدين بمثابة الأسمنت اللاحم لهذا العالم، يمنعه من التفكك. لذلك أثاروا الفتنة الطائفية التي تجد لها رصيداً إثنياً، وتبدأ العجلة في الدوران.هل تعني أن الدين هو البوابة الأساسية التي تدخل منها المشروعات الأميركية الجديدة؟يستخدم الغرب الدين كأيديولجية تدميرية للمجتمعات العربية، وهو السلاح الأساسي في تفكيك المجتمعات العربية والإسلامية، لأن الإثنيات من دون دين تفتقر إلى الأيديولوجية، وهو مفهوم قال به المؤرخ ابن خلدون عندما رأى أن أي حركة كبيرة تحتاج إلى عصبية ودعوة مذهبية، لكن العصبية وحدها لا تؤدي إلى شيء.كيف ترى انعكاس هذا المخطط على الواقع العربي؟تم تطبيق هذه الأفكار والمخططات على أرض الواقع وحققت المراد منها. في العراق، نجحت فكرة التشظية بنجاح مذهل، وأصبح العراق نموذجاً للتقسيم المذهبي والعرقي قابل للتعميم على الدول العربية والإسلامية، خصوصاً أن التقسيم في العراق قدر، الأرض مهيئة له هناك من الناحيتين الدينية والعرقية.كذلك استخدم الدين لتفكيك السودان، عندما بدأت الدولة الدينية من جعفر نميري إلى حسن الترابي وبدأ الغرب يستغل تصريحات أركان هذا النظام للعمل على تفكيك المجتمع وتشكيل كيان في الجنوب قائم على فكرة العداء الديني المدعم بالخلفية العرقية حتى وقع الانفصال.وفي ليبيا تجلت الإقليمية التي تستند إلى الجغرافيا الشاسعة والتقسيمات التاريخية للأراضي الليبية على أساس ثلاثة أقاليم رئيسة هي برقة وطرابلس وفزان، ويرتبط بليبيا واقع أخر يتعلق بواقع الأمازيغ الذي يترك بصمته واضحة على ليبيا والجزائر في إطار الصراع مع العرب هناك. في رأيك، ما دور التيارات الإسلامية في هذا المخطط؟أول من دشن مصطلح الربيع العربي الرئيس الأميركي باراك أوباما، استقاه من الثورة الفرنسية والتاريخ الأوروبي، عندما حاصر الائتلاف الأوروبي الملكي الثورة أكثر من مرة، وتصدى لمحو آثار الثورة الفرنسية التي انتقلت عدواها إلى كثير من الممالك الأوروبية لتشعل عددا من الثورات الناجحة، وكانت الحرب سجالاً بين الثورة والرجعية الأوروبية بين 1838 و1848، وقضت الرجعية الملكية على الثورة في الدول الأوروبية التي عرفت بدول الربيع الأوروبي، وهو واقع يمارس الآن على المستوى العربي تنفذه الرجعية الدينية التي أوكلتها واشنطن مهمة القضاء على الثورات العربية وحصارها، وهذا يعني بداهة أن الدلالة الحقيقية لمصطلح «الربيع العربي» تعني حقيقة عزم أميركا على إجهاض الثورات العربية الحالية، فليس جزافاً أن كل الأنظمة التي جاءت بعد الثورات العربية من الإسلاميين، ممن على صلة بالمخابرات الأميركية، وقاموا بدور البديل للتدخل العسكري المباشر، فهي إعادة تشكيل للمجتمعات العربية على أسس جديدة، ترتكز على معايير طائفية وعرقية. لذلك، لا تجد غرابة في ما جرى من مواقف الإسلاميين المخزية إزاء ثورة 25 يناير، حين اعتبروا الثوار أهل بدع وفتن وضلال لخروجهم على «ولي الأمر» والأنكى تحالفهم مع «العسكر» لإجهاض الثورة، ناهيك بنقض العهود وافتراء الكذب، والعمالة لدول عربية رجعية وأخرى أجنبية، لأجل الوصول إلى السلطة؛ بذريعة تطبيق شرع الله.جزء من هذا المخطط نفذه رؤساء الدول في الربيع العربي، فجريمة مبارك الحقيقية تطبيق مخطط أميركي- إسرائيلي، قائم على إضعاف مصر التي تتمتع بثقل ديمغرافي، وتجريف العقلية المصرية بضرب البدن والعقل، والعمل على تغذية النعرات الطائفية بين المسيحيين والمسلمين، لتمهيد التربة لمثل هذه التيارات المتشددة للعمل بكل حرية.كيف تقيم الصراع السني- الشيعي في العالم الإسلامي راهناً؟محاولة استعداء إيران وتصويرها في صورة العدو للعالم السني لا تصب إلا في مصلحة الغرب الإمبريالي الذي يهدف إلى حصار إيران وإضعافها، كونها قدمت نموذجاً إسلامياً متقدماً قادراً على مناطحة الغرب، فقد كنت من المؤيدين للثورة الإسلامية في إيران عندما اندلعت في سنة 1979، فالفكر الشيعي يلخص لاهوت التحرير ومعاني المقاومة، وهو ما تأكد عندما قدمت إيران نموذجاً لتجربة إسلامية ناجحة على رغم الكثير من المعوقات، التي شاركنا كعرب في صناعة بعضها، وأثبتت قدرتها على البقاء ومناطحة الغرب، لذلك سعت الإمبريالية الدولية إلى حصارها من خلال استخدام السلاح نفسه المتمثل في الاستعانة بالتيارات السنية المتشددة ممثلة في تيار «الإخوان المسلمين» والتفسير البدوي الوهابي للإسلام، باعتبار أن الحديد لا يفله إلا الحديد. في الحقيقة، نخسر نحن جميعاً في هذا الصراع ولن ينتصر فيه إلا إسرائيل وأميركا.لماذا فشلت الدولة الوطنية العربية في استيعاب الأقليات؟يعود ذلك إلى طبيعة نشأة هذه الدولة، فالتجربة القومية نشأت في الغرب أساساً، واكتملت على مدار قرون من التجارب الأوروبية، ارتبطت بتغيرات عميقة في البنية التحتية اقتصادياً واجتماعياً، بالصراع بين البرجوازية والإقطاعية، وهو صراع انتصرت فيه البرجوازية التي فجرت الأفكار الجديدة وقادت إلى مجتمع القوميات في القرن الثامن عشر. على المستوى العربي، لم تنتصر البرجوازية العربية أمام الإقطاع ممثلاً في صورته الأخيرة كنظام للعسكر، فولد حالة من الجمود على الساحة العربية، التي أنتجت كيانات هشة، في وقت استبدل النظام الإمبريالي الاقتصادي والثقافي بالاستعمار الاستيطاني، فأصبحت هناك دولة وطنية شكلانية لا امتداد لها في التاريخ ولم تأت كترجمة لواقع. إنها شكلاً دولة كارتونية، ولا يتوافر إجماع في الوعي على مفهوم الوطن، في مقابل علو النعرات الإقليمية كالصوت الغالب وتتغذى على مفهوم المواطنة الهش.ما هي أخطر آثار الدولة الكارتونية على الأقليات؟النزعة الإقليمية المرتبطة بالإثنية والطائفية، خصوصاً إذا كانت على أطراف الدولة. مثلاً، ثمة نعرات إقليمية في النوبة وسيناء ومطروح، مرتبطة بواقع إثني خارجي، ما يكسبها زخماً، مع فشل الدولة المركزية في حل القضايا الطائفية والعرقية وعدم قدرتها على تثبيت مفهوم المواطنة، لذلك تبدو الثورة كمحاولة حقيقية لصهر المجتمع العربي على اختلاف تكويناته الإثنية والطائفية، وإخراج نسخة حقيقية من دولة المواطنة فيها هي المعيار.ما أسباب الفشل في تكوين دولة وطنية صلبة؟التاريخ وميراثه حاكم في وعي العرب عموماً، فنحن لا نستطيع الحديث عن ميراث من الوعي في مجتمعات أمية لا تزال تراوح مكانها في البدوية ولا تزال القبلية حاكمة. لا تستطيع الدولة الفاشلة اتخاذ أي موقف أمام الأفكار الطوباوية كالخلافة، والإقليمية الضيقة. فالدول العربية بحكم النشأة التاريخية تشكل تجمعات قبلية أكثر منها دول بالمعنى الحقيقي، والبترول ساعد في طفرة شكلانية ولم يستطع تأسيس دولة وطنية حقيقية وتحقيق طفرة فعلية.ما هي الدول العربية المرشحة لمزيد من التقسيم الطائفي والإثني في السنوات المقبلة؟ثمة الكثير من الدول العربية المرشحة بقوة للدخول في نفق التقسيم الطائفي والإثني بل والحرب الأهلية. مثلاً، ستقسم ليبيا على أساس إقليمي، والسودان إلى مزيد من التقسيم القائم على الإثنيات القبلية، أما العراق فسيتم ترسيخ الوضع القائم فعلاً وإعطائه الشكل الرسمي بميلاد ثلاث دول كردية في الشمال وشيعية في الجنوب وسنية مهلهلة في الوسط. أما سورية فهي حالة محيرة ستمر بظروف صعبة قاسية قد تؤدي إلى ظهور كيانات إثنية في الشمال والغرب وطائفية في الشمال والجنوب. وبالنسبة إلى مصر، ثمة مخاوف من مشاكل في سيناء قد تقودها الجماعات التكفيرية في حين بدأت النعرات النوبية في الاشتداد نتيجة لتجاهل قضاياهم ومشاكلهم على مدار سنوات طويلة.هل ترى أن الديمقراطية هي العلاج الناجع لإعادة صهر الأقليات في الدولة العربية؟الديمقراطية ليست ضرورة لمجتمعاتنا العربية كما يردد البعض، العدل والمشاركة الاجتماعية في بناء الأوطان هي الضمانات، فجمال عبد الناصر أقام مشروعه النهضوي وجعل مصر في قيادة عالم واسع في إفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، أقام مشروعات قومية حشدت المجتمع المصري خلفه، وكان العدل في توزيع الثروات على جميع المواطنين شريطة أساسية لضمانة وحدة المجتمع. أضف إلى ذلك أن مشاركة الجميع في بناء مصر الجديدة آنذاك عظم من شعور الوحدة وجعل فكر الأقليات ينزوي ولا تجد من يردده على رغم غياب الديمقراطية، وهو ما تكرر في تجربة المغرب أيام الملك الحسن الثاني الذي مثل المستبد العادل، فالديمقراطية لم تأت في الانتخابات الرئاسية المصرية مثلاً إلا بممثلي النظام القديم وممثلي الفاشية الدينية.نبذةمحمود إسماعيل عبد الرازق ولد في 21 أبريل 1940، في محافظة الدقهلية في دلتا مصر، حصل على ماجستير التاريخ الإسلامي في عام 1967، والدكتوراه في التخصص نفسه سنة 1970، وتدرج في السلم الأكاديمي في جامعة عين شمس، حتى وصل إلى مرتبة أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الآداب بالجامعة نفسها، وهو راهناً أستاذ متفرغ.مؤرخ ومفكر متخصص في التاريخ الإسلامي وتاريخية الأفكار، ورائد المدرسة المحمودية في التاريخ الاقتصادي- الاجتماعي وانعكاسه على تاريخ الأفكار، وأحد أبرز رواد حركة النهضة والتنوير العربي في النصف الثاني من القرن العشرين. أسس تياراً فكرياً معترفاً به دولياً وعربياً يحمل اسمه، ويعد مشروعه الأساسي «سوسيولوجيا الفكر الإسلامي» أحد أهم الكتب التي حللت تاريخية الفكر العربي على مدار تاريخه، وأثار موجة من ردود الفعل التي لم تنته بعد.له اهتمام بتاريخ المهمشين ولفت الأنظار إلى خطورة تجاهل دراستهم في التاريخ، لصالح دراسة النخب، ما نتج عنه أراء أحادية الجانب، ونشر ما يزيد على 70 بحثاً في التاريخ والفكر ضمن أعمال المؤتمرات العلمية التي شارك فيها في مصر والكثير من الأقطار العربية والأجنبية.من أهم أعماله، بالإضافة إلى موسوعته «سوسيولوجيا الفكر الإسلامي» في عشرة مجلدات: «فكرة التاريخ بين الإسلام والماركسية، الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين، الخطاب الأصولي المعاصر، إخوان الصفا- رواد التنوير في الفكر العربي، مذاهب إسلامية في الميزان- رؤية معاصرة، الخطاب الديني المعاصر بين التقليد والتجديد، إشكالية المنهج في دراسة التراث، الفكر الإسلامي الحديث بين السلفيين والمجددين، قراءات نقدية في الفكر العربي المعاصر، العروبة والإسلام- بين الإرجاف والإنصاف، الخلافة الإسلامية بين الفكر والتاريخ، الأسطغرافيا والميثولوجيا- نظر وتطبيق».