تقلا شمعون فرج الله: نجاح عليا حمّلني مسؤولية كبرى
لا يختلف اثنان على أن الممثلة تقلا شمعون فرج الله حوّلت شخصية عليا في مسلسل «روبي» إلى دم ولحم وروح، وإلى امرأة حقيقية تعيش في كنف العائلات العربية، تحاكي وجعها وتلامس ألمها، وتشكل لسان الأم المناضلة القادرة على تحمل الصعاب والصبر أمام المحن والبقاء شامخة في وجه الضربات.كذلك لا يختلف اثنان في أن نكهة المسلسل، بعد رحيل عليا، لن تكون هي نفسها، وسيترك فراغًا في أحداثه، وأن مرحلة ما بعد هذه الشخصية لن تكون كمرحلة ما قبلها بالنسبة إلى الممثلة تقلا شمعون فرج الله.
حول هذا المسلسل ودورها فيه والأعمال الجديدة التي تحضّرها كان الحوار التالي معها. سرقت عليا في مسلسل «روبي»، الأم البسيطة في الشخصية والشكل، انتباه المشاهدين، ما السر؟أؤمن بأن الجمال ينبعث من البساطة التي يحنّ إليها الناس بطبيعتهم ويجعلهم يتقربون أكثر ممن يتحلون بها. صحيح أن عليا بسيطة في الشكل الخارجي، لكن جمالها أبعد وأعمق من أدوات التجميل والتألق في اللباس. هذا ما لمسته منذ قراءتي لدوري، إذ رأيت فيها امرأة جميلة أتعبت السنون معالم وجهها، لكنها تتمتع بعمق روحي وفكري وثقافة تخمّرت من الحياة وقراءة الكتب التي استخلصت منها العبر، فاجتمعت هذه المقومات في هذه الشخصية لتسرق قلوب المشاهدين.أليست جرأة منك الظهور من دون ماكياج وبهذه البساطة؟عندما رآني المخرج رامي حنا وجد في وجهي المعالم التي يبحث عنها، لكنني اقترحت عليه ألا أضع ماكياجًا، فوافق على هذا الأمر الذي لا أعتبره جرأة بمقدار ما هو صدق في تجسيد الشخصية.يؤكد تاريخي الفني أنني امرأة أنيقة في المهرجانات والحفلات، لكنني لا أطبق ذلك في التمثيل، إذ يتوجب على الممثل إنكار الذات لأجل الشخصية وحملها إلى ما وراء الكواليس، وهذا ما يحصل معي إذ أتأثر بشخصيتي في حياتي اليومية وأعيشها حتى الاندماج.أليس من الصعب خروجك منها بعد هذا التقمص التام؟غالبًا ما أجد صعوبة في ذلك، خصوصًا أنني أتقمص الشخصية في حياتي اليومية طيلة فترة التصوير، ويلاحظ زوجي المخرج طوني فرج الله هذا الأمر ويكتشف ماهية الشخصية التي أؤديها من دون قراءة النص وقبل مشاهدة العمل. من هنا أرى ضرورة استسلام الممثل للشخصية وتغيير شكله ليناسبها، ما ينعكس على نفسيته ويسهّل تقمصه.ما رأي زوجك في شخصية عليا التي تعيشينها في المنزل أيضًا؟أحبّها لأنها امرأة هادئة وصامتة ومصغية وصبورة.أديت دور الأم للممثلتين بياريت قطريب وسيرين عبد النور على رغم فارق السن الضئيل، هل وجدت صعوبة في اقناعهما بأمومتك؟لم أفسح في المجال أمام السن ليكون عقبة أمامنا، إذ لا علاقة بينه وبين شعور الأمومة الذي أعتبره غرائزيًا، إما تنميه المرأة أو ترفضه. لم أهتم في دور عليا، بالظهور كامرأة تتمتع بسمات الأنوثة والإغراء بل فتّشت عن الأم في داخلي وعن الحضن الدافئ، وأن تشعر الاثنتان أنني فعلاً أمهما، إن في لحظات التصوير أو خلف الكواليس. وقد بلغتُ قمة الإحساس بأمومتي تجاههما حين كنا نصور مشهد زيارة روبي لي في المستشفى، ولم أكن قادرة على الكلام لأقول لها أن تبقى، فشكلت ردة فعلي والأصوات التي صدرت مني في هذا المشهد مفتاح الانطلاقة.برأيك، هل ترجمتِ إحساس الكاتبة كلوديا مرشليان في طريقة تجسيدك للشخصية؟لو لم أجد على الورق شخصية ملموسة إلى هذه الدرجة لما استطعت تجسيدها في لحم ودم. ربما أدت دراستنا كلوديا وأنا الإخراج والتمثيل إلى أن يكون تصورنا وتذوقنا الفني نفسه، فنحن ننتمي إلى المرحلة العمرية نفسها، لذلك أفهم الزمن الذي تتحدث عنه كما أفهم مشاهداتها والقيم التي تريد نقلها من خلال هذه الشخصية، من هنا أنا قادرة على قراءتها كما يجب وفهم ما تريد قوله.هل أثبت الممثل اللبناني نفسه في العالم العربي من خلال هذا المزيج اللبناني والعربي في «روبي»؟أكيد، ونحن نلمس هذا الواقع من خلال اهتمام الصحافة العربية والأصداء التي يحصدها الممثلون اللبنانيون في دول الخليج والعالم العربي.ماذا تقولين لنفسك عندما تشاهدين «روبي»؟المفارقة في هذا المسلسل أنني عندما أنظر إلى عليا أشعر بأنني لا أرى نفسي وإنما أراها هي، إلى درجة التعاطف مع آلامها وحزنها والبكاء في مشهد الموت، كأنها شخصية أفلتت مني بعدما ابتكرتها فتخطتني وافترقنا. إلى ذلك أتفاعل مع الأحداث في المسلسل كمشاهدة عادية تتابعه للمرة الأولى وتتفاعل معه وكأنني غير مشاركة فيه.هل يقاس نجاح الدور بالجماهيرية التي يحصدها أم باقتناع الممثل بأنه أدى دوره كما يجب؟يملك ممثلون كثر ميزانًا يقيسون من خلاله رضاهم الذاتي، لكنه قد لا يكون دائمًا حساسًا. من الضروري برأيي، أن يكون الممثل متطلبًا مع ذاته، لا يرضى بسهولة عما يؤديه، وإلا لا يسعى إلى الإبداع والكمال والجمال والحقيقة الكبرى.صحيح أن الممثل يلمس في أثناء التصوير أصداء من حوله من مخرج وتقنيين ويشعر بترددات معينة، إنما يجب ألا يسكر بها، بل أن يقلق دائمًا ولا يستكين، حتى مشاهدة العمل وتقويم الذات وتلقي أصداء الجمهور الذي يتابع العمل من دون أفكار مسبقة، فإما يحب الشخصية فينجح الممثل أو يرفضها فيفشل.هل ستختلف برأيك نكهة المسلسل بعد موت عليا؟لننتظر رأي الجمهور الذي جاءت ردّة فعله عفوية تجاه موت هذه الشخصية، وشبيهة بردة فعل من يفقد أمه ويشعر ألا قيمة للمنزل من دونها. صحيح أن عليا رحلت، لكنها ستبقى ذكرى جميلة فيما يستمرّ المسلسل بشخصيات أخرى يجب الاهتمام بها ومتابعة قصصها ومعرفة مصيرها. عند انطلاقة المسلسل، رفض البعض اعتباره لبنانيًا، ما رأيك أنت؟ينظر الجميع إليه على أنه مسلسل لبناني على رغم أن المنتج والمخرج وأغلبية الفريق التقني من الجنسية السورية، لكن غالبية الممثلين لبنانيين وكذلك الكاتبة، وهو ينطلق من لبنان إلى مصر لذلك أنظر اليه على أنه مسلسل لبناني مطعّم مصريًا وسوريًا.ما أهمية الانتشار اللبناني عبر الفضائيات العربية مثل شاشةMBC ؟ينزعج الممثلون اللبنانيون دائمًا من عدم تسويق مسلسلاتنا في الخليج، لذلك لم نكن معروفين جيدًا في الخارج، فيما حصد النجوم السوريون والمصريون اهتمام الصحافة. أما اليوم، فأنا مدعوة مثلا للمشاركة في مهرجان البحرين، وأعتقد أن الصحافة ستكون بانتظاري هناك لأن الدول العربية تابعت مسلسل «روبي»، بالتالي أصبحت «عليا» بطاقة مروري نحو الصحافة العربية والانتشار.هل تؤيدين التزام الممثل اللبناني بهويته وخصوصيته عندما يشارك في الأعمال العربية؟أتقن الممثل اللبناني اللهجة المصرية بهدف التمثيل في مصر، في وقت لم تكن اللهجة اللبنانية مفهومة في الدول العربية. اليوم، وبفضل الفضائيات اللبنانية اعتاد الجمهور العربي لهجتنا واختفت هذه العقبة، بالتالي نصرّ على الالتزام باللهجة اللبنانية في الأعمال العربية.ما سبب انسحابك للسنة الثانية من جائزة «موركس دور»؟يهدف هذا المهرجان إلى تكريم مبدعي العام وإعطائهم الجوائز، من خلال لجنة تحكيم وتصويت الجمهور. لكنني أرى أن التصويت قائم على الإعلانات والمتابعة عبر صفحاتالـ «فايسبوك»، أو شراء مبالغ مالية معينة للتصويت الهاتفي، ما يعني حرق الوقت والمال لنيل هذه الجائزة.هذا الأمر لا يعني لي شيئًا لأسباب عدة، إذا كان هدف هذا المهرجان التسويق والترفيه على حساب وقتي وأموالي، أعتقد أنني لست مضطرة إلى صرف المال لأجل فني، لأنني صرفت في سبيله سنين عمري وهو الذي يحدد ما إذا كنت أستأهل الجائزة أو لا. ثانيًا، أكرس وقتي لعائلتي وللقراءة وورش العمل الفنية ولا وقت لدي للهدر. إلى ذلك يتم ترشيح الممثل إلى الجائزة من دون علمه المسبق، فيدعون الفائز لتسليمه الجائزة ما يدل إلى أن النتيجة معروفة مسبقًا.ما الهدف الأساس الذي يجب الانطلاق منه في أي مهرجان تكريمي للفنانين؟أؤمن بأن المهرجان الذي ينظم لتكريم المبدعين وتسليمهم الجوائز، يجب أن تكون غايته تحسين القطاع الفني وتطويره، وليس الترفيه وربح الأموال، لأن المنافسة الشريفة تنعكس على نوعية الأعمال التي تتطور وتحثّ الممثل على السعي لأجل ترشيحه ونيل الجائزة.ماذا سيكون دورك في مسلسل «أحمد وكريستينا» كتابة كلوديا مرشليان وإخراج سمير حبشي؟سأؤدي دور عايدة، امرأة أربعينية مسلمة تغرم برجل مسيحي، فتهرب معه وتتزوجه بعدما يرفضه أهلها، إلا أن عائلتها تتبعه وتقتله، فتعيش عايدة وحيدة ومنبوذة من أهالي القرية المسيحية التي تعيش فيها ومن عائلتها التي قتلت زوجها. إنها شخصية جميلة ومركبة تعيش الوجع والألم إلى حين وقوع حدث يغير حياتها، وستكون هذه العروس- الأرملة امتدادًا للبطلة كريستينا المسيحية التي تغرم بمسلم.هل يحمل المسلسل رسالة ما؟ليس الفن موعظة وغسل دماغ، بل يهدف إلى طرح مسائل معينة وحالات اجتماعية وشخصيات، وأنا أنجذب الى الأدوار التي تحمل معضلة معينة.عندما تنجح ممثلة في دور معين، هل يصعب عليها اختيار الدور الذي يليه؟كلما لمست مدى نجاح شخصية عليا والخضة التي أحدثتها في الوطن العربي أخاف أكثر وأفكر بالدور المقبل، خصوصًا أن الممثل غير قادر على السيطرة على موهبته وفنه، لأن إبداعه منوط بالشخصية اللافتة والنص الجميل والإنتاج والإخراج.هل هذه معايير اختيارك الأعمال؟لا أتسرع في اختياري ورفضت أدوارًا تدور في فلك الأم لأن البعض اعتقد أنني سأقبل بهذا الدور بعد عليا، وهذا غير صحيح، لا أجسّد شخصية لا تكون محورية في العمل وذات قضية معينة.كيف تقارنين بين الإنتاجين اللبناني والعربي؟لا بأس بالإنتاج اللبناني، إنما ما يميز الانتاج العربي ويجعله مغايرًا لواقعنا هو توافر تنظيم مؤسساتي قائم على التراتبية على صعيد فريق العمل في أثناء التنفيذ، حيث يتحمل كل فرد مسؤوليته ويدرك حدوده وحقوقه وواجباته، ما يريح الممثل ويتيح له التركيز أكثر على دوره بدلاً من التفكير بأمور أخرى في مكان التصوير. هنا يكمن دور الدولة التي تغض النظر عن واقعنا هذا وعن دور النقابة القادرة على ضبط نوعية العاملين في هذا القطاع والقيمين عليه.ثمة أعمال سينمائية لبنانية ما رأيك فيها، وهل من مشروع في هذا الإطار؟أفرح بنشاط السينما اللبنانية وألمس تطورها وتقدمها، خصوصًا لجهة ردود الفعل في المهرجانات خارج لبنان. شخصيًا، مشاركتي الأخيرة كانت في فيلم «رصاصة طائشة» وكان دورًا جميلاً أعتز به. ثمة حديث عن فيلم لمخرج أميركي من أصل لبناني قد نستهلّ التحضير له نهاية الصيف المقبل.