زاد سفر الملوك في السفر للثعالبي...نصائح في الحنين إلى الأوطان
صدر عن «المعهد الألماني للأبحاث الشرقية» كتاب «زاد سفر الملوك في السفر ومدحه وذمّه ومحاسن الأخلاق فيه» لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري، (تحقيق: رمزي بعلبكي وبلال الأرفه لي)، وهو أثر قيم من آثار الثعالبي، صغير الحجم ذكر فيه مؤلفه كل ما يهم المسافر وكل ما يتعلق بالسفر من آداب وتدابير تخص صحته وفكره وعقله.
يتصل كتاب «زاد سفر الملوك في السفر»، كما جاء في المقدمة التي وضعها المحققان بعلبكي والأرفه لي، بأنواع أدبية ثلاثة هي: نصيحة الملوك، دليل السفر، والحنين الى الأوطان. ولا ريب أن أهمية الكتاب تعود إلى جمعه في مؤلف واحد هذه الأنواع الأدبية الثلاثة، ويبحث الثعالبي في آداب السفر مدحاً وذماً، وما ورد فيه من آيات قرآنية كريمة، وأحاديث شريفة، وشعر من مختلف العصور، وقد لا نجد بعضه إلا في هذا الكتاب.جمع الكتاب منافع كثيرة في السفر؛ من بينها أحاديث شريفة في السفر والقفول، والرحيل والنزول، وأقوال المنجمين في ذلك، وأقوال الطب في تصرف أحوال المسافرين من الحر والبرد، وأدوية ذلك، وسنة الكرام في ذلك، وأمثال الملوك وغيرهم، المتداولة في أسفارهم بالأشعار.نصائح عملية حول «نصيحة الملوك»، يتضمن هذا النوع من الاختيارات الأدبية نصائح توجه إلى الحاكم أو الوزير أو القاضي أو الكاتب، وهو أمر شائع في حضارات ولغات كثيرة، وقد لاقى انتشاراً واسعاً في العربية والفارسية. والثابت أن الثعالبي قد صنّف غير كتاب في هذا الفن، إلا أنه في «زاد سفر الملوك» يجمع بين آداب السفر ونصائح عملية تتصل بتدبير السفر وما يعرض للمرء خلاله من مرض وتعب ومخاطر وغيرها. يقول الثعالبي «من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار وبدائع الأقطار ومحاسن الآثار ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى»، فالمسافر حينما يسافر يرى عظمة الله في خلقه ويشاهد الشواهد والبينات الدالة على قدرته فكم ترى في الطريق من صور مختلفة وأشياء متنوعة وخلقاً جميلاً عجيباً جبال راسيات وحيوانات ونباتات وأشجار معروشات مستقيمات وغير معروشات يعني مفروشات في الأرض لا جذع لهن».ويتناول باب «الحنين إلى الأوطان» السفر وما يثيره من مشاعر الشوق والحنين والغربة. والملاحظ في هذا السياق أن موضوع الحنين إلى الأوطان لم يستقل نوعاً أدبياً قائماً بذاته حتى القرن الثالث الهجري حين جمعت الأبيات المتعلقة بالسفر والغربة وما إليها في مجموعات خاصة أو ضمن مجموعات أشمل موضوعاً. والغالب على واضعي كتب المختارات التي تندرج تحت باب الحنين إلى الأوطان، أنهم يعدون ذلك الحنين فضيلة تنمّ عن الحكمة والنبل والمروءة ورفعة النسب، ويحطون من شأن الغربة فيقرنونها بالذل والهوان والضياع والفقر والخسارة. أما المواضيع التي يمدح فيها السفر مدحاً خالصاً في شتى ضروب التأليف فهي تلك التي تقرنه بطلب العلم والحج والجهد والتجدد والاكتشاف وتغيير الجيران والأحبة والصحبة. وتتعدد المعاني الشعرية التي تتطرق إليها مختارات الحنين إلى الأوطان، وفي مقدّمها أثر السفر والرحيل في المسافر وما يعرض له من غربة وحنين وشوق ووحشة وروع وأرق وعذاب. ويغلب القصر، في العادة، على الآثار الشعرية والنثرية في مختارات الحنين إلى الأوطان، كما تتعدد مصادرها. فمن بينها: المخزون الحكمي من أقوال الأنبياء والحكماء، والتراث الإسلامي من آيات وأحاديث وأقوال للصحابة والتراث اليوناني في الفلسفة والطب. إلى ذلك، تستقي هذه المختارات مادتها من الشعر الجامعي والإسلامي على حد سواء.نسخة يتيمةهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تحقيق هذا الكتاب للثعالبي، فقد صدر في أكثر من عاصمة عربية، واعتمد بعضهم على نسخته اليتيمة في العالم، وهي النسخة التي تحتفظ بها مكتبة «تشستربتي» في دبلن، تحت رقم 1038 وتقع في 34 ورقة، وهي نسخة تامة لا خروم فيها، خطها نسخي معتاد، وبها آثار معارضة كتبها بعض العلماء على الحواشي تارة وبين السطور طوراً. وصاحب الكتاب هو أبو منصور عبدالملك بن محمد بن اسماعيل الثعالبي النيسابوري. ولد في نيسابور سنة 961 للميلاد وتوفي فيها بين 1038 و1039. كان فرّاءً يخيط جلود الثعالب فنُسب إلى صناعته، ثم انتقل من حياكة الفراء إلى دراسة اللغة والأدب والتاريخ فنبغ واشتهر. قال الباخرزي عنه: هو جاحظ نيسابور، وأجمع من ترجموا له على أنه كان نابغة عصره في الأدب نظماً ونثراً، وكان قبلة أنظار المؤلفين بعده، فاحتذى حذوه وسارت على نهجه جماعة في شرق العالم الإسلامي وغربه.وظهرت براعته في كتابه «يتيمة الدهر»، وغايته من هذا الكتاب خدمة اللغة العربية عن طريق الشعر الذي يرى فيه فضلاً وعلمًا. ولم يقتصر الثعالبي فيه على ترجمة خالصة للشعراء والاستشهاد بالنصوص الشعرية، بل نراه يورد آراء نقدية قيّمة وتعليلات أدبية ممتعة تنمّ عن ذوق أدبي رفيع. ومعظم ما وصلنا عن حياة الثعالبي وأسفاره مستقى من كتبه، لا سيما مقدماته وإهداءاته. وخلاصة ما نعرفه أنه أمضى عمره في الدويلات الواقعة شرق الدولة العباسية. وضع عشرات الكتب والرسائل في مجالات متعددة، واعتنى بالشعر والنثر الفني واللغة وكتب الاختيار الأدبي، علاوة على النقد وتاريخ الأدب ومن أبرز كتبه «فقه اللغة» و{يتيمة الدهر» و{نثر النظم».