الغربال لميخائيل نعيمة في طبعة جديدة... عن لغة الحياة وحياة اللغة
صدرت حديثاً ضمن سلسلة «كتاب الدوحة» طبعة جديدة لكتاب «الغربال» لميخائيل نعيمة، بمقدمة لفيصل دراج إلى جانب مقدمة الطبعة الأولى بقلم الأديب المصري عباس محمود العقاد.يقول عباس محمود العقاد في مقدمته لكتاب «الغربال»: «صفاء الذهن، واستقامة في النقد، وغيرة على الإصلاح، وفهم لوظيفة الأدب، وقبس من الفلسفة، ولذعة من التهكم، (...) في هذا الغربال الذي يطل القارئ من خلاله على كثير من الطرائف البارعة والحقائق القيمة». ويثني العقاد على نعيمة فيرى فيه قلماً جاهداً في طلب الشعر الصحيح شعر الحياة، لا شعر الزحافات والعلل، فهو ينعي على الشعر الرث الذي تركنا بلا شعر ولم يبق «في حياتنا ما ليس منظوماً سوى عواطفنا وأفكارنا».
في مقدمة طبعة الدوحة، يرى فيصل دراج أن ميخائيل نعيمة الذي استهل كتابه بمقال عنوانه «الغربلة»، يساوي بين النقد والغربلة، ويوكل إلى النقد ثلاث وظائف: التمييز بين العمومية اللفظية البعيدة عن التحديد والمعايير الأدبية الواضحة، والفصل بين ماض رحل وانتهت مواضيعه وحاضر له مواضيع مرتبطة به، وأخيراً إقامة الفرق بين الإبداع المنطلق من فردية فاعلة والتقليد الذي يذيب الفرد في جماعة سبقته. فقد جاء في الغربال: «فالناقد الذي ينتشلنا من خرافات أمسنا وترهات يومنا، والذي يضع لنا اليوم محجة لندركها في الغد هو الرائد الذي سنتبعه، والحادي الذي سنسير على حدوده». وعلى هذا فإن النقد، أو الغربلة، فعل ريادي يجمع بين المعرفة والفردية المتمردة، واقتراح تأسيسي أفقه المستقبل لا الماضي وهو، في الحالين، انعكاس لضرورة اجتماعية لا يمكن تجاهلها. لذلك «الغربلة سنة من السنن التي تقوم بها الطبيعة»، وهي «سنة الطبيعة وسنة البشر الذين هم بعض من الطبيعة».يضيف دراج أنه بقدر ما يبدو النقد، في كتاب نعيمة، جملة معايير أدبية تمس الشاعر قبل غيره، فهو في جوهره منظور للعالم، قوامه الريادة والتحرر من الأوهام الموروثة والإشارة إلى آفاق غير مسبوقة. فالنقد ينطوي، في شكليه، على دعوة إلى التقدم والارتقاء، وعلى الاعتراف بفضيلة التطور والتغير والتبدل، وغيرها من قيم نادى بها الفكر العربي النهضوي. ولعل النظر الواسع إلى العالم، الذي يوحد بين الإبداع والتاريخ والأخلاق، هو الذي أملى على نعيمة أن يطمئن إلى معنى الحياة، التي هي شهادة عن التبدل والتنوع، ومدى مفتوح محتشد بالمعروف وبالمجهول التي تجب معرفته، لأن معنى «الحياة في اكتشاف الجديد واختبار ما لا يزال مجهولاً والإقدام على كل ما تشتم منه رائحة الحقيقة». لا يحجب أسلوب نعيمة، في خصائصه المتعددة، صلته الوثيقة برواد سبقوه أو زامنوه، حال الفلسطيني روحي الخالدي وطه حسين، فقد أنتج هؤلاء حقلاً كتابياً تنويرياً عنوانه الأكبر: التجديد، في مجال الأدب والحياة الاجتماعية، وتأسيس علاقة بين الكتابة والقراءة، وبين الكتابة المتحولة والنظر إلى العالم.معطى إنساني هل اللغة في خدمة الإنسان أم الإنسان في خدمة اللغة؟ وما الذي يطور اللغة وبربطها بالحياة أو يحول دون تطورها ويدعها مستقرة ساكنة؟ وهل تمتثل اللغة إلى القواميس وإرادة النحاة أم أن في تنوع حياة البشر ما يغيرها بطرق مختلفة؟ يخترق سؤال اللغة كتاب الغربال من أوله إلى آخره، فهو قائم على علاقة الأدب باللغة، حيث لغة الإيصال في الحياة اليومية تغاير اللغة المجازية التي تفرض التأويل.يؤكد نعيمة أن اللغة معطى إنساني، لا سبيل إلى تقديسه، ويقرأ الإنسان ولغته بوعي تاريخي عنوانه: الحاجة، ذلك أن حاجات الفكر المغلق، التي تلبي مجتمعاً بسيطاً، تختلف عن حاجات فكر مفتوح لا يكف عن التجدد. لذلك يبدو الإنسان، في الحالة الأولى، أداة للغة، تستعمله ولا يستعملها، ما دامت حاجات أسلافه وأفكارهم تتناسل فيه، بينما تكون في اللغة، في الحالة الثانية أداة للإنسان، تعيش حياته اليومية ويعيشها في حياته اليومية، المحتشدة بظواهر مختلفة. لا وجود للغة خارج استعمالاتها الحياتية، ولا وجود لها إلا بحياة تنتقل فيها وتعيش في عروقها، تجديداً وحذفاً وإضافة، وإلا تخلفت عن الحياة وانتهت إلى الموت، وهي حال كثير من «اللغات البائدة».في هذا الصدد يقول ميخائيل نعيمة: «اللغة التي هي أحد مظاهر الحياة لا تخضع إلا لقوانين الحياة فهي تنتقي المناسب وتحتفظ من المناسب بالأنسب في كل حالة من حالاتها كالشجرة تبدل أغصانها اليابسة بأغصان خضراء وأوراقها الميتة بأوراق حية. وحين لا يبقى لها في تربتها من غذاء تموت بفروعها وجذورها».يلفت دراج إلى أن نعيمة يسوق حديثاً واضحاً كفاحياً عن لغة الحياة وحياة اللغة، إذ في الأولى مكان لعوالم الروح والجسد والعقل والتفاعل الاجتماعي ومكان للمرئي ولما لا يرى أيضاً، وإذ في الثانية آماد للشعر والنثر والفلسفة وميادين الاختصاص ومكان للغة العامية التي لا يحاصرها أحد. وإذا كان في التعدد ما يفضي إلى اللايقين، كما يقول الفلاسفة، فإن تعددية التعبير عنها، ما يدفع باللغة من وضع إلى آخر، وما يضع في كل لغة، مقدسة كانت أو غير مقدسة، مجموعة من اللغات. لهذا تبدو لغة القرآن الكريم، من حيث هي، اللغة الأصل التي لا تحاكيها غيرها، وثمة اللغة الفصيحة، التي قد تكون مشرقة أو مثقلة بالركاكة، تلحق بها لغة وسطى، لا هي بالعامية المنتشرة في الأزقة ولا هي بلغة المثققين المحترفين، وصولاً إلى اللغة العامية المتحررة من القواعد والتي تستجيب على رغم فقرها الظاهري إلى متطلبات الحياة.يدعو صاحب كتاب «الغربال» إلى لغة عربية حية، تنفتح على واقعها المعيش وعلى الأزمنة الحديثة، التي تعلي من شأن التجربة والاختبار، مطالباً «العرب» بالاندراج في العالم الذي يعيشون فيه، أو «الرحيل» عنه. غير أن هذا العالم، المتبدل المتحول المغير، الذي طالب ميخائيل نعيمة بالاندراج فيه، ينفتح على العرب، بمشيئة منهم أو من دونها، فارضاً عليهم ثقافاته ولغاته وأنماط استهلاكه، وطالباً منهم أن يعوا موقعهم منه، وأن يعوا وضع لغتهم، التي تفعل فيها مؤثرات كثيرة. وبسبب هذا التأثير ينتقل موضوع نعيمة، ولو بشكل نسبي، من سؤال «اللغة العربية الحية» التي تمتثل إلى سلطة الحياة، إلى سؤال «اللغة العربية المثقفة» التي تحافظ على هويتها في مواجهة لغات أكثر سلطة. ذلك أن أقدار اللغات من أقدار الثقافات التي تلازمها.