الشاعر جوزف حرب... صمت صديق الاستبداد

نشر في 17-02-2012 | 00:02
آخر تحديث 17-02-2012 | 00:02
الشاعر اللبناني جوزف حرب أحد الشعراء الذين اهتمت بهم العائلة الأسدية الحاكمة في سورية، ويبدو أنه الأكثر غموضاً وغرابة بينهم، خصوصاً أنه يجمع بين الصداقة مع الاستبداد وبين اللغة الرقيقة والغنائية التي طالما صدحت بها فيروز من أغنية «خليك بالبيت إلى «إسوارة العروس».

نجهل كيف بدأت العلاقة بين جوزف حرب وآل الأسد، وكيف صار الشاعر صديقاً للاستبداد فجأة مع أنه كان مقرباً من الثقافة الماركسية ولم يكن بعثياً في يوم من الأيام! كل ما نعرفه أن الشاعر اللبناني ذهب في الذكرى الأربعين للرئيس الراحل حافظ الأسد إلى بلدة القرداحة السورية وقدم قصيدة في رثاء ابنها بعنوان «النشيد الدمشقي»، وفيها يقول:

أبطال أمتك الماضون ما انطفؤوا‏

أهدوك إكليل شمس عندما أفلوا‏

ذا خالد ذا صلاح الدين ذا يزن‏

وذا هشام وتيك الأعصر الأول‏

وذي أمية أولما بذي حلب‏

دانت لدولة سيف الدولة الدول‏

كأنما أعنق الأعداء منبرهم‏

وخطبة الدم فيها السيف يرتجل‏

وأنت منهم مضوا ما نكسوا علما‏

يوما وعن صهوات الخيل ما نزلوا‏

اليوم يقول غلاة البعث إنه يكفي لجوزف حرب أنه صاحب هذه القصيدة، ويتناسون أنه صاحب عشرات دواوين وأغان غيرها. لكن الثقافة البعثية تجعل من كل شيء هباء باستثناء ثقافة تخليد قادتها. على أن حرب كان من ضمن مجموعة بارزة من الشعراء اللبنانيين الذين قدموا ثقافة الرثاء في آل الأسد، سواء يوم رحل الأب أو يوم رحل نجله باسل. من الشعراء من كان يحمل القلم للجنرال الراحل غازي كنعان، وثمة شاعر لبناني أيضاً كان أقرب إلى النازيين والفاشيين حين قال في مدح الأسد والجمهور «أسد والناس من تحتك عدد»، كأن الجمهور مجرد بعوض وبرغش في مملكة «قائد العروبة النابض»!

المدلل

من بين الشعراء اللبنانيين الذي مدحوا آل الأسد، يبدو جوزف حرب المدلل الأبرز لدى النظام السوري. فهو في قصيدة رثاء الأسد، كلَّف خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيّوبي وهشام بن عبد الملك بالجلوس معاً والتعاون في صنع إكليل يضعونه فوق رأس الأسد. في هذا الشعر ما يشبه سياسة الأسد الراحل التي كانت تقوم على الشعارات والأسماء والكليشيات القديمة المستنبطة من التاريخ.

كانت قصيدة حرب كافية لتكون ورقة اعتماد دائمة لدى نظام البعث. حتى إنه إبان النظام الأمني السوري في لبنان، اختير الشاعر ليكون أميناً عاماً لـ»اتحاد الكتاب اللبنانيين» في وقت كان معظم زملائه البارزين يغادره بسبب ارتباطه بالأمن السوري، وسرعان ما حظي بتكريم السفارة السورية في بيروت وقلّده بشار الأسد «وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة تقديراً لمواقفه القومية وإبداعاته الأدبية المتميزة على مستوى الوطن العربي».

أشار بيان لوكالة «سانا» إلى أن الشاعر حرب «اكتسب هذا الوسام منذ أعوام طويلة بسبب مواقفه وأعماله الأدبية، وأن وسام الاستحقاق الذي تقلده هو للنهج القومي الذي يتبعه».

ليس مرادنا الحديث عن هوس بعض الشعراء بالأوسمة والبلاط، ربما هذا أحد موروثات الشعر العربي البائسة، وربما هي عقدة نقص ورثها الجميع عن المتنبي ورهطه.

لعل ما يدفعنا إلى الحديث عن جوزف حرب في مرحلة الثورات والاحتجاجات في سورية اليوم هو صمت هذا الشاعر. لم نسمع صوته ولم يقل كلمة لا سلباً ولا إيجاباً حول الأحداث. ربما هو على طريقة الحكومة اللبنانية يؤثر الصمت، فلم يطلق مواقف سياسية وقلما يطل في وسائل الإعلام المرئية وفي المقابلات الصحافية، فيما تجده مهتماً بدلف قصائد بالعامية والفصحى منمقة على أحسن ما يكون، وثمة من رشح كتابه «المحبرة» لموسوعة «غينيس» للأرقام القياسية نظراً إلى ضخامته.

كان يمكن لحرب النأي بنفسه عن وسام الأسد، لكن إغواء البلاط جعله يقبل على طريقة الشاعر محمود درويش الذي قلده الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وساماً. الحال أن حرب الذي اشتهر بأنه شاعر فيروز وهو الأكثر قرباً منها، يدرك أكثر من غيره معنى سيطرة الاستبداد وأساليب القمع، فهو من خلال سيرته، يخبرنا بأنه انتسب إلى الماركسية، فواجه بسبب خياره الفكري مضايقات، سرعان ما بدأت تتخذ أشكالاً أكثر خطورة. حتى إنه تعرّض مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان إلى أكثر من محاولة اغتيال اضطرته إلى مغادرة مسكنه في ضبيه (شرق بيروت) واللجوء إلى الشطر الغربي من العاصمة، بعد أن عمدت الميليشيات تلك المرحلة إلى إحراق ما اكتنزه من آلاف كتب ومجلدات ومخطوطات نادرة، بما فيها «المجدلية» بخط سعيد عقل، وقصائد خطها أحمد شوقي والأخطل الصغير وحافظ ابراهيم وسواهم.

في بيروت الغربية، عاد حرب إلى العمل في الإذاعات اللبنانية وتعرّف إلى الفنان زياد الرحباني، ومن خلاله إلى فيروز التي غنّت باقة من قصائده، نذكر منها: «حبيتك تَ نسيت النوم، زعلي طوّل، أسوارة العروس، لبيروت، لما ع الباب، يا ريت منن، فيكن تنسوا، طلعلي البكي، أسامينا». منذ سنوات قليلة، غادر بيروت وصخبها، وركَن داخل قصره الجنوبي على أعلى تلّة مطلة على البحر والساحل القريب من صيدا، في بلدته المعمرية.

ماذا يقول شاعر فيروز في الواقع السوري اليوم، هل ينأى بنفسه إلى حين جلاء المشهد؟

back to top