صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4442

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

يوميات ميدان التحرير (10):2 فبراير موقعة الجمل... الميدان يتحوَّل إلى ساحة حرب والعفاريت تحرِّك المُصفَّحات لحماية الثورة

  • 20-08-2011 | 22:02

يصل الروائي والصحافي المصري سعد القرش في الحلقة العاشرة من يوميات الثورة إلى يوم المشهد الأخير في «موقعة الجمل»، التي كانت المشهد الدموي الذي أراد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك أن يختتم به حكمه الذي استمر قرابة ثلاثين عاماً. يقترب الكاتب من أدق التفاصيل، في شهادة تعتمد على الوصف والرؤية بالعين، فتحكي ما لم تنقله قنوات التلفزيون التي تبحث عن السبق في كل خبر، ولا تلتفت إلى المعنى وراء التفاصيل، هنا مشهد قاسٍ واجهه الكاتب وملايين المصريين بكل شجاعة.

اتصلت بأحد أعضاء لجنة الحكماء كما أطلقت على نفسها، وسألته عن موقف دوائر صنع القرار. قال إنهم طلبوا لقاء نائب الرئيس، وينتظرون. لم يكن الوقت في صالح هذه اللجنة التي لم يمنحها أحد توكيلاً، وكان «ناس الميدان» قد أسقطوا آخر ورقة في شرعية مبارك وسليمان وممثلي نظام فقد عقله؛ فلم يتأخر كثيراً، بعد الخطاب الأبوي العاطفي المُستعطِف مساء أمس، وأرسل قتلة محترفين، وبلطجية مأجورين، تغطّيهم إعلامياً صحف حكومية وقنوات تلفزيونية تتّهم الثوار بانتهاك الشرعية السياسية والأعراف والآداب العامة. فقال ممثل اسمه طلعت زكريا، في برنامج تلفزيوني، إن شباب التحرير يدخنون الحشيش، ويمارسون الجنس في الميدان. وزايدت عليه الممثلة سماح أنور إذ حثّت، في برنامج تلفزيوني، على حرق المتظاهرين في الميدان. وحين كنا في الميدان، نراهن على تعب البلطجية، ونفاد مفعول ما تقاضوه من أموال ممن جندوهم، كانت أخبار برامج تلفزيونية، في قنوات منها «المحور» لمالكها حسن راتب، تستضيف شباباً يدّعون أنهم ينفذون مخططات أجنبية بهدف تخريب البلاد، وبعضهم قال إنه تلقى تدريباً في الخارج، في أميركا بالذات.

اتصل بي أسامة عفيفي، وقال إن بعض البلطجية مثل جنود الشرطة، يعذرون بالجهل، وقد غُرر بهم، لم يهاجموا الثوار طمعاً في المال فحسب، وإنما بدافع النخوة، والدفاع عن الشرف. غسلوا عقولهم المحدودة، وأقنعوهم بأننا نريد تخريب الوطن، ونشر الرذيلة. أحدهم قال لأسامة في قهوة بالقرب من أكاديمية الفنون بالهرم، وهو يلتمس العفو، إن رجالاً كباراً في الحزب «الوطني» حرَّضوهم على الإغارة، لتطهير ميدان التحرير من «شباب مدمنين يدخنون الحشيش»، ويمارسون «الجنس الجماعي والشذوذ».

لم يسمح غبار المعركة بأن يرى بعضنا بعضاً. استرحت قليلاً، ساعة قيلولة واحدة للتواصل مع الدنيا. في طريق العودة إلى الميدان، اطمأنّيتُ بالتلفون على أصدقائي. قال لي أحمد زغلول الشيطي إن البلطجية حطموا سيارته، وطلبت أن ينتظرني، سأكون في الميدان بعد دقائق. قال إنه سيعود إلى منزله المُطل على الميدان، ليستريحَ ويكتب يوميات لصحيفة بيروتية. وكان الجندي بجوار الدبابات في ميدان مصطفى كامل، يشير إليَّ ويقول: «ممنوع يا أستاذ». لم أسأله: هل أنت جندي أمس أم أنك زميله؟ في الزي العسكري يتشابه المجندون. لم أضيِّع وقتاً، وذهبت إلى الضابط، وتذكرني قبل اطلاعه على بطاقتي، وفرحت بذكائه، وحسن تصرّفه، وقال: «تفضل». ولم يعد الجندي يشير إلي، في الأيام التالية، أو يطلب استئذان الضابط، بل يبتسم ويحييني، وهو يتحدث مع آخرين أو يمنعهم. ثم سألني الشاب الجالس بصحبة اثنين من البوابين: «ماشي الليلة يا أستاذ؟». قلت: «يوم الجمعة». مررت بسينما قصر النيل المغلقة منذ سنوات، ورأيت سيارة عبث بها بلطجية، وكسروا زجاجها، وتكاد الحجارة وقطع الزجاج تغطي أسفلت الشارع. اتصلت بالشيطي وكان تلفونه خارج الخدمة، وقال لي البواب إنه صعد إلى شقته، وإن سيارته في المدخل، وليست هي المحطّمة في الشارع.

أبلغت زميلي في الأهرام المسائي علي الشناوي بأن يمدّد لي الإجازة أسبوعاً آخر، وسأتصل به بعد أسبوع، لهذا الغرض أيضاً، سألني: إلى متى؟ فأجبت بأنني أشعر بالغربة إلا في الميدان، ولا أستطيع الرجوع للعمل، إلا بعد رحيل مبارك والقضاء على النظام وممثليه في المؤسسات، وأستشهد بجملة عمر المختار: «لن نستسلم. ننتصر أو نموت».

أمست سعة الميدان لعنة على مواطنيه. في الصباح تم تأمين مدخله من ناحية جسر قصر النيل، ويؤمن الجيش مدخل شارع قصر العيني، والآن تحولت مداخل الميدان إلى مصادر تهديد، من ستة شوارع أخرى هي: التحرير، وطلعت حرب، والبستان، وقصر النيل، وشامبليون، ومحمود بسيوني، أما المدخل الأوسع والأكثر خطورة فهو ميدان عبد المنعم رياض. تغير الميدان منذ المساء، واختلف مواطنوه، من حيث الملامح والديموغرافيا والقدرة على المواجهة. كفّت الإذاعات الثلاث عن بثّ الموسيقى، ولم يصعد الشباب إلى مسرح عمر مكرم ليقدموا مقطوعات غنائية أو موسيقية، ولم يتناوب على منصة الإذاعة، بجوار قناة «الجزيرة»، خطباء البرلمان اليومي، جندت الإذاعات وناس الميدان للدفاع عن الحدود، وتحوَّلت الإذاعات إلى أجهزة إنذار، تعلن عن حاجة مدخل عبد المنعم رياض إلى «مئة مقاتل ليريحوا إخوانهم هناك»، أو تسأل عن مياه زائدة على حاجة أصحابها لأن «المقاتلين» يعانون العطش، أو تطلب متطوعين لتأمين انتقال المستشفى الميداني خلف خطوط الاشتباك مباشرة، أو توفير مزيد من الحجارة، والإسراع بها إلى خط المواجهة.

منذ المساء وجد كل الذين في الميدان لأنفسهم دوراً. قرع طبول الحرب تقوم به نساء وبنات يطرقن الأسوار وأعمدة الإنارة والبراميل الفارغة، لحفز همة الرماة، أو لتنبيه الذين في قلب الميدان إلى اقتراب خطر، فتنهض تعزيزات بدعوة من إذاعة الميدان أو جهاز إعلام دولة الميدان. شباب مسلحون بحجارة يحتمون بدروع عبارة عن أجزاء من سيارات محترقة، يقفون على مسافة نحو مئة متر في الشوارع المحيطة بالميدان، وإذا اقتربت طائفة من البلطجية أطلقوا صفيراً، فيذهب إلى إغاثتهم فريق قادر على ردع المعتدين أو دحرهم. المسنون يخلعون أحجار الأرصفة، ويكسرونها قطعاً صغيرة جاهزة للرشق، ويتولى شباب نقل هذه المقذوفات في أجولة إلى الجبهة. أما الذين في خط المواجهة فيبتكرون خوذات بدائية ليست إلا قطعاً من الصاج، أو الورق المقوى، أو فوارغ من البلاستيك للمياه المعدنية تثبت معاً بقطعة قماش، ولكنها تمتص الصدمات، وتقيهم شر الحجارة.

في المشهد لا ترى إلا ما تقع عليه عيناك، وتحت القصف لا أشاهد الجانب الآخر من الميدان، ولا أجرؤ على النظر إلى أعلى. كانت البنايات المطلة على الجبهة، بموازاة سور المتحف، تسقط علينا شهباً من الرصاص والقنابل الحارقة، المولوتوف. اتصلت بأحمد حسو، أعلم أنه يعمل في جهة إعلامية ما في ألمانيا. سألته: «هل لكم كاميرا هنا في الميدان؟». قال إنه يعمل في الإذاعة لا التلفزيون، وسيحاول الاتصال بأي من زملائه. صرخت فيه: «أدركونا، نحن نتعرض لإبادة، تلفزيون الدولة يحرض علينا الغوغاء، يحاولون سحقنا». اتصل بي انتشال التميمي من روتردام، ونوري الجراح من لندن، وأيمن بكر من الكويت، وأصدقاء من سورية، وكنت أطمئنهم، وأضحك من وراء قلبي، وهم فهموا أو أحسوا بافتعال الثبات، واهتزاز الثقة، ونصحتهم بالابتعاد عن الفضائيات، لأنها تركز فحسب على عمق الكارثة، وتثبت الصورة، ولا تذهب بعيداً عن هذا العمق الدامي.

كنت حريصاً في الكلام، مع غير المصريين، ومع المصريين في الخارج أيضاً، وطمأنت أيمن بكر في الكويت. وحين اتصل بي أسامة عفيفي، لم أترك له فرصة للكلام، وقلت له: «الإبادة شاملة، والإغارة من فوق العمارات ومن الشوارع المحيطة بنا. اتصل فوراً بفوزي، أو اللي اسمه جابر. موقف الجيش سيئ وغير مفهوم». أزعجته الجملة الأخيرة، وشرحت له أننا لا نطالب الجيش بقتال البلطجية، أو الزحف أمامنا، وإنما بتحريك دبابتين إلى الأمام 200 متر، عند تمثال عبد المنعم رياض، وستوجد تلقائياً منطقة عازلة، بموازاة سور المتحف، ليبعدوا عنا. نحن في مرمى النيران من فوق البنايات، وجسر أكتوبر. ونصحني بقراءة رسالة نصية على تلفوني.

لم أكن قرأتُ رسائل هاتفية منذ الصباح. هدأت قليلاً، وقلت لأسامة إن لدي تفسيراً واحداً حسن النية بالجيش، هنا والآن، لعله يرخي الحبل لآخر مدى لاستنفاد القوى المعادية للثوار، تمهيداً لإزاحة مبارك من دون أن يشعر باللوم تجاه الرئيس. تركني أهذي، ثم سألني عن حالي، فقلت: أحتاج بشدة إلى كوب شاي، عطشان وجائع وقلق، ولا أستطيع أن أغادر، ولو إلى دورة المياه، ثم إن الميدان ليست فيه دورة للمياه، وأنا مزنوق ولم أشعر بذلك إلا الآن.

ضحكنا، وقلت إن الناس هنا يحتاجون إلى الشاي والسجائر.

رجعتُ إلى عمق الميدان لأستريح، ولم أطمئن فعدت إلى أول سور المتحف. هنا أول حدود جمهورية الميدان، منطقة غير خطرة وغير آمنة. ارتقيت دبابة لأرى المشهد، وكانت الطلقات النارية لا تزال تهبط من الشرفات أو أسطح البنايات. فتحت التلفون، وقرأت رسالة الجيش: «القوات المسلحة حريصة على أمنكم وسلامتكم ولن تلجأ الى استخدام القوة ضد هذا الشعب العظيم»، ووجدت الرسالة نفسها مرسلة بعد ست دقائق. قلت لضابط كبير، قدرت أنه عقيد أو عميد، لم أتبيّن رتبته، إذ يرتدي سترة مضادة للرصاص، وحوله جنود يرتدون مثله: هذه الحرب يمكن أن تنتهي بتحريك دبابة أو اثنتين من حاملات الجنود، إلى نهاية السور، هذه المسافة تكفي لعزل الفريقين.

لم يقاطعني الرجل. استمع إليَّ بهدوء، ثم أبلغني أنه لم يتلقّ تعليمات.

تغيرت ديموغرافيا التحرير. زاد عدد الملتحين، وكانوا الأقرب إلى خط الدفاع، من دون شعارات تبرز انتماءهم لغير جمهورية الميدان. قبل منتصف الليل بدقائق، رأيتُ سيارة نقل تابعة للجيش، تعطي ظهرها للبلطجية، وتشقّ صفوف المدافعين عن الميدان. كنتُ أتابع المشهد من فوق دبابة، مع غيري ممن يستريحون من الرشق، ولا يستطيعون الابتعاد عن «الجبهة»، والسيارة التي تتحرك لا يقودها جندي، بل شاب يرتدي هلاهيل فوقها سترة لعل فيها حجارة، هو منا، فكيف استطاع أن يدير محرك سيارة يستحيل وجود مفتاحها معه أو مع أي من مواطني الميدان؟ ولماذا لا يعترضه الجيش؟ وإلى أين يذهب بها؟ كانت السيارة التي تحمل بضعة من الرماة، وكثيراً من الحجارة الصغيرة، دخلت شارع البستان، ثم وقفت على بعد نحو مئة متر، ومالت بزاوية قائمة، وتبعها شبان يحملون قطعاً من سيارات محترقة، استكملوا بها إغلاق الشارع الذي سدَّته السيارة أمام الإغارات، وأمن الميدان هذه الجبهة. بعد دقائق تحرَّكت سيارة نقل أخرى للجيش، يقودها شاب آخر، سد بها شارع قصر النيل، عند منتصف المسافة بين ميداني التحرير وطلعت حرب.

شغلتني مناورة الشابين، بعض الوقت، عن ساحة التراشق، ونحن في منتصف الليل تقريباً، والنار تلتهم سيارة للجيش، على مقربة من تمثال عبد المنعم رياض، والجيش يتابع ولا يغار على ممتلكاته، ولا يهم بالدفاع عن مسالمين جاء لحمايتهم من الشرطة، ثم تركهم لبلطجية بعضهم من الشرطة. لم يمضِ وقتٌ يحسب حتى توقف هبوط القنابل من البنايات المطلة على الميدان، وقد زحزح المغيرون إلى ما بعد التمثال، فاحتلوا جسر أكتوبر، وزحف الثوار واحتلوا أرضاً استراتيجية طولها نحو 200 متر، تمثل عنق ميدان التحرير، وتمنع عن أهله الخطر، وتحرك المستشفى الميداني خلف خطوط الالتحام مباشرة، وكل بضع دقائق، يأتي مصاب في رأسه، يتصبب دماً. تجرى له إسعافات أولها تطهير الجرح، ووضع ضمادة مُعقَّمة، ويتناول بعض الماء، ويعود لمواجهة الذين أصابوه.

من فوق الجسر توالت القذائف، والقنابل الحارقة، بجنون يعوِّض البلطجية سماء أجبروا على التنازل عنها للثوار الزاحفين، آخرها سطح بيت عال يضم طابقين فقط، ويقع على ناصية شارعي رمسيس ومحمود بسيوني. لم أنتبه إلى هذا البيت سابقاً، كيف لا أراه إلا حين أشعل البلطجية واجهته؟ هو اللهاث الذي يجعلنا لا نرى الجمال في بيت أثري كهذا، أقدم وأعرق من عمر  «دول» عدة تتطاول علينا، غروراً أجوف بفائض نفط وأموالٍ وقلة لياقة. القادمون فوق الجسر لا يرون هذا البيت، ينشغلون بلوحات إعلانية تستر روعته، والمشاة لا يملكون ترف التأمل، وهم في الزحام يتدافعون للبحث عن موطئ آمن لأقدامهم. الحريق طهَّر أعيننا، فأدركنا أن هنا بيتاً يستحق الاهتمام.

وثَّق حظر التجول علاقات الجيران، بالتوازي مع اجتذاب ميدان التحرير زملاء وأصدقاء شغلتهم الدنيا سنوات عدة، وجعلتهم بخلاء ولو باتصال تلفوني. قابلت كثيرين حال اللهاث اليومي دون لقائنا، مع التأكيد المتواصل على ضرورة هذا اللقاء. خيّل إلي أن الماشي هناك، يحمي رأسه بكاب، ويحمل حقيبة صغيرة لا تثقل ظهره، هو عادل البنداري.


قلت له:

ملعون أبو أي شيء يمنع الناس أن تلتقي... إلا في ثورة!».

عادل كان سعيداً ليس بالثورة، وإنما بالتمرد على دائرة لا تنتهي، من انشغالات تؤدي إلى انشغالات، حتى لا يجد الإنسان أمامه إلا مواصلة الجري، لإدراك نهاية مستحيلة للدائرة. وقال إن الأيام تتشابه، وكان لا بد من زلزال مثل هذه الثورة، لإعادة التفكير في أمور بديهية أو تبدو كذلك، منها الحق في الإجازة. ضحك وقال إنه قرر أن يبيت الليلة في الميدان، مستيقظاً لن ينام. كان قد طاف أركان الميدان الأخرى، كما نفعل جميعاً للاطمئنان على بيتنا. وسألني: هل رأيت الضابط الواقف هناك، في مدخل شارع طلعت حرب، عند الدبابة؟ قلت إن الدبابات في كل مكان، والضباط أيضاً، يتساوى وجودهم مع عدمه، وأنني كدت أضيق بشعار «الجيش والشعب إيد واحدة»، وسألته: ماذا يفعل هؤلاء؟ وأشرت إلى ضباط حول الدبابات أمام مدخل المتحف. قال إن شاباً ذهب إلى الضابط عند مدخل شارع طلعت حرب، ورفع يده بالتحية، فما كان من الضابط إلا أن تناول يد الشاب وقبلها، ودمعت عيون الحاضرين. ونصحني بالرفق بهم، فيجب ألا يمارسوا أي لون من العنف، ولو بدفع البلطجية إلى ما وراء ميدان عبد المنعم رياض.

كنا تحت القصف، وحافلة (ميني باص) للجيش تتحرك، من العمق إلى الجسر. عفريت آخر أدار محرك السيارة، كما فعلها أخوان له، حين أدارا قبل ساعة سيارتي نقل للجيش، لصد الإغارات الجانبية. توقفت السيارة أمام البيت المشتعل، على مقربة من الجسر، ثم اعتلاها شباب يواجهون المعتدين فوق الجسر، وأمدهم آخرون بالحجارة، وحققت السيارة/المنصة بعض التكافؤ بين الفريقين فارتدع البلطجية، ولكنهم لم يهنوا تماماً، وتواصلت القنابل الحارقة.

كنا في نحو الثانية صباحاً، ومدكور ثابت يتصل بين وقت وآخر، ليطمئن على الأحوال وعلى سلامتي، وقلت له إن الميدان الآن آمن، ثمة تكافؤ بين الفريقين، بعد دحر البلطجية وإجبارهم على عدم تجاوز الجسر، ونبّهته إلى أن المتحف في خطر، ما زال في مرمى نيرانهم، ولا توجد سيارة إطفاء، واقترحت عليه أن يكلّم من ظننته صديقاً له علاقة ببعض الأجهزة، وضحك قائلاً:

-  «والله ما أقدر، هو يظنني لا أعرف، ويتعامل معي على أنه شريف}.

قال عادل البنداري إن المصريين، يقصد مواطني الميدان، بعد هذه المعركة لن يكونوا بحاجة إلى فياغرا! قلت إن من يتحدى خطراً كبيراً تمحى مخاوفه الصغيرة، تزول عقد الاضطهاد، ويتأكد له أنه المنتصر، في الشارع والعمل والسرير. هذه ليلة باردة جداً لو ابتعدنا عن الميدان أو عن هذه الساحة، حيث التراشق وهدير قرع طبول الحرب فوق هذا السور الحديدي. في فلسطين أعلى نسبة للخصوبة ما دام الخطر قائماً، ثمة كفاح من أجل البقاء بالنهار، وكفاح آخر بالليل. وقطع كلامي اتصال أسامة عفيفي، وكنت سأتصل به، وأحثه على الاتصال بفوزي فهمي، لإرسال سيارتي إطفاء؛ فالمتحف ليس بعيداً عن عبث البلطجية، هم يتمسكون بالجسر، آخر معاقلهم، ومن لديه الاستعداد لقتل أخيه لن يتردد في إحراق المتحف. أبلغته أنني تحاملت على نفسي واتصلت بجابر الوزير لأنبِّهه، ومن حسن حظي أن تلفونه مغلق.

اتصلت بزميلي في الأهرام المسائي عبد الخالق صبحي، وأبلغته أن المتحف في خطر، ولا بد من إجراء سريع ينقذه. واتصل أسامة بعد ثوان، وقال إن فوزي لا يرد، وسيتصل بعماد أبو غازي. قلت إن المعركة دائرة، والعصفور هارب، مذعور في عشه، لا يفتح التلفون خشية أن يقفز الغاضبون في وجهه، ورجاله في مؤسسات وزارة الثقافة غائبون، لم أر أياً منهم في الميدان، وكان عليهم أن يأتوا الليلة، بمساعديهم وموظفيهم، ويبيتوا هنا لحماية المتحف بأجسادهم. لم أتذكر في هذا الزحام، واللهيب يهبط علينا، زاهي حواس الذي أصبح وزيراً للدولة لشؤون الآثار، غاب تماماً عن ذاكرتي، ولم يقترح أسامة عليَّ الاتصال به. في ما بعد، فسّرت استبعاد الذاكرة والضمير الثقافي لزاهي، في ذلك الموقف العصيب، إسقاطاً لنموذج يمثل نظام مبارك، لا هم له إلا الاستعراض باتخاذ آثار مصر خلفية لصوره في الصحف والفضائيات، وحين تكون الآثار في خطر يهرب من المواجهة، ويغيب عن المشهد.

اقترح أسامة أن أكتب له أحداث هذه الليلة. قلت إن المشهد أكبر من قدرة اللغة، أي لغة تضيق عن وصف ما يجري وتعجز. اللغة تمسك بما يستطيع العقل إدراكه، ولا أستطيع إدراك هذا الحدث الجلل، ولا أعرف كيف أكتبه.

قرب الفجر بدا التعب واضحاً على الفريقين. هدأ المعتدون فوق الجسر، وتوجَّت ضمادات مخضبة بالدماء جبين العشرات من الثوار ورؤوسهم، كان بعضهم يصر على العودة إلى ساحة القتال، وهو يتحامل على إصابة في ساقه، أو إحدى ذراعيه. اطمأنيت، وقال عادل إنه سيظل حتى الصباح، وقلت إنني سأرجع إلى البيت، وهنأته بنجاح الثورة في اختبار القوة. هتفت لنفسي: فلتحيا التكنولوجيا. لا بد من أن تحسم المعركة لصالح الإنترنت، لا الجمال وثقافة الصحراء والبداوة.

كنت أعبر جسر قصر النيل، وكلمني أسامة عفيفي، فهنأته أيضاً بنجاح الثورة، وهو استغرب إذ كنت أصرخ فيه قبل ساعة. وقلت:

-  «لكل ثورة اختبار، والليلة نجحنا بجدارة».

-  «البلطجية تراجعوا؟».

-  «بقاياهم هناك، المهم أن الخطر زال».

وقلت إن المجد للتكنولوجيا، للعقل البشري في إبداعه، وسألته:

-  «كيف كانت الثورات تنجح في عصور سابقة؟».

وانقطع الاتصال فجأة. انتهى الشحن من كثرة الاتصالات، وعليَّ أن أواصل الطريق في صمت.