الأديب عز الدين شكري فشير: لا أكتب للجوائز وسعيد بتقدير لجنة البوكر
اختارت لجنة جائزة «البوكر» في نسختها العربية روايته «عناق عند جسر بروكلين» في القائمة الطويلة، وقال عنه النقاد إنه يقدم نوعاً وشكلاً جديداً للرواية من خلال أعماله، والتي تتضمن تواصلاً بين الشرق والغرب، وتعتبر كتاباته امتداداً لما قدمه رفاعة الطهطاوي في «تلخيص الإبريس»، والطيب صالح في «موسم الهجرة للشمال» وغيرهما.إنه الدكتور عز الدين شكري فشير، الذي عمل في السلك الدبلوماسي فترة وتولى رئاسة المجلس الأعلى للثقافة بعد ثورة يناير إلى أن قدم استقالته قبل شهرين، وكان معه هذا الحوار...
عندما اختيرت روايتك «عناق عند جسر بروكلين» ضمن ترشيحات جائزة «البوكر» العربية قلت إنك لم تكتب للجوائز، وإن التكريم دليل على التميز والنجاح، كيف؟مثل كل الناس أسعد بالتقدير حين يأتي ولا أحد يكره الجوائز. لكن من العبث أن يكتب المرء لجائزة أو أن يعطيها أكبر من حجمها الحقيقي. الجائزة، أي جائزة، هي تقدير لجنة التحكيم التي تمنحها، لا أكثر ولا أقل. بالتالي، النظر إلى الجوائز على أنها أحكام نهائية وخالصة الموضوعية هي نظرة خاطئة وضارَّة. قلت هذا الكلام حين رشحت «غرفة العناية المركزة» للبوكر عام 2008، وقلته في سياق النقاش الحاد حول جوائز الدولة في مصر، وأقوله الآن ثانية: يجب أن نتعامل مع الجوائز بحدة أقل وتسامح أكبر: إن نال أحد جائزة قدمنا له التهاني للتقدير الذي ناله، لكن ذلك لا يعني أن من لم ينل الجائزة أقل منه بالضرورة. بل يعني أن لجنة التحكيم فضلت العمل الذي نال الجائزة، هذه اللجنة، في هذا العام، وهذا رأيها في هذا الوقت، لكن قرار أي لجنة تحكيم ليس كلاماً منزلاً.كيف استطعت الجمع بين العمل الأدبي والهدوء وبين العمل السياسي وما به من صراعات وغيرها؟الاثنان يحتاجان إلى الهدوء ويعتمدان على الصراع. علاقتي بالسياسة ليست مباشرة، بل أدرس المسألة وأحللها وأقدم المشورة، كذلك لا أنافس في انتخابات ولا أدخل صراعاتها. في الرواية أفعل الشيء نفسه: الشخصيات هي التي تتصارع، وهذا الصراع يجعلها حقيقية وقريبة إلى قلب القارئ، وفي الحالتين التزم الهدوء بل والعزلة. باختصار، دوري أن أرقب الواقع بعين فاحصة، وأن أحلل صراعاته وأقول شيئاً عنها. بين السياسة والأدب، الفارق الرئيس هو الحرية والجمال اللذين يتمتع بهما الأدب وتفتقدهما السياسة. السياسة جافة وقبيحة غالباً، لذا فلا غنى لي عن الأدب.في رواية «عناق عند جسر بروكلين» طرحت تساؤلات كثيرة حول العلاقة بين الشرق والغرب من خلال ما ينقله الأبطال. كيف ترى الصورة بين هذين العالمين؟تطرح الرواية تساؤلات كثيرة، ليست عن علاقة الشرق والغرب فحسب، بل أيضاً عن علاقة الإنسان بالآخرين. رأى البعض فيها تساؤلات الغربة والوجود الإنساني، والحب والكراهية والخوف والأمل واليأس والكبرياء وغيرها من مشاعر. هذا في رأيي أفضل ما في الرواية، أن تطرح أكبر قدر ممكن من الأسئلة، لكن بشكل يمتع القارئ.في الشرق والغرب قصص طويلة ومعقدة، والمشكلة الكبرى في رأيي هي أن الناس يأخذون بأفكار جاهزة من دون فحص لها أو مراجعة. ما هو الشرق، وما هو الغرب؟ هل نسأل أنفسنا هذا السؤال أم نأخذ إجابات معدة سلفاً ونمضي بها من دون أن نعيد النظر فيها. أنا من أنصار إعادة النظر، فهي التي توصلك إلى نتيجة مختلفة. أما الاتباع الأعمى فيوصلك إلى النتائج نفسها التي وصل إليها من تتبعهم، وعلى كل شخص أن يختار ما يريد لنفسه الاتباع أو التفكير. لماذا نجد في الرواية قدراً كبيراً من التخيل والسرد وتأملاً للواقع وتوثيقه؟ كيف أفاد هذا المزيج الرواية؟الخيال أساس الرواية، إنه «الخميرة» التي تحول المادة الخام (وقائع الحياة الصغيرة وشخصياتها العادية التي يتأملها الكاتب) إلى شخصيات وأحداث ورواية. تنوع المادة الخام، ما تسميه أنت بتأمل الواقع وتوثيقه، يعطي الرواية أبعاداً جديدة تثير اهتمام القارئ، ولو كانت الروايات كافة تتناول واقعاً واحداً لملَّ القارئ وانصرف عنها. تصور لو كتب الجميع عن الحياة في الصحراء، أو في الريف، أو عن قصص الحب! تأمل الواقع وتنوعه يعطي الراوي مواد خاماً جديدة أو أكثر تنوعاً، لكن في النهاية الخيال هو الذي يحدد ما إذا كانت هذه المادة الخام ستتحول إلى شيء جميل أم لا. مثلاً، رواية «أبوعمر المصري» فيها الكثير من التأمل لواقع معروف، التنظيمات الإسلامية المسلحة والقتال في أفغانستان، وهو واقع فيه الكثير من الدماء ومشاهد العنف. لكن الخيال هو الذي يحول هذه الوقائع المعروفة إلى عمل جميل تأخذك صفحاته من بداية الكتاب إلى آخره.هذا الخيال هو الذي يمكنني من سرد رواية بثمانية أشخاص رئيسة، لأن هؤلاء تجمعهم أشياء ويجيبون عن أسئلة متداخلة وحياتهم متشابكة. تروي الشخصيات حكاياتها، فيضعها القارئ مع بعضها لتنير له كل حكاية جانباً من حكاية أخرى هو وحده الذي ينسجها، فكأنك تدخل القارئ معك في الرواية كشخص منها، وهذا جزء من استمتاع المؤلف والقارئ.ما الفرق بين روايتي «عناق عند جسر بروكلين» و{غرفة العناية المركزة»؟الفارق أنهما روايتان مختلفتان بالموضوع والشخصيات والأحداث والأمور كافة. ثمة تشابه جزئي في البنية: حادث رئيس يجمع الشخصيات، لكن هذا هو مقدار التشابه في رأيي، والباقي مختلف تماماً. لكني أترك هذه الأحكام للنقاد واستمع باهتمام إلى آرائهم.كنت أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة في ظروف صعبة، لماذا تركته وماذا أضفت إليه في هذه المدة القصيرة، وكيف برأيك ننهض بالثقافة العربية؟لا أعتقد أني أضفت شيئاً إلى المجلس، ولم تكن تلك مهمتي. كنت أميناً عاماً للمجلس لإعادة هيكلته بما يحقق استقلاله عن سيطرة الدولة ويحوله إلى أداة للتعبير الثقافي الحر، وقد أمضيت الأشهر الأربعة فيه أنظم حوارات ومشاورات بين أطراف الجماعة الثقافية حول ذلك الأمر بتفاصيله كافة، إضافة إلى بعض المشاريع الأخرى الخاصة بإعادة تنظيم جوائز الدولة وعملية النشر والنظام الإداري في المجلس.وضعت مشاريع لهذه الأمور كلها بعد مشاورات مكثفة مع المعنيين وتسلَّمها وزير الثقافة للإشراف على تنفيذها، علماً أن الصديق الوزير عماد أبوغازي طلب مني الاستمرار للإشراف على التنفيذ، لكن لم يكن ذلك ممكناً، لأن ذلك سيستغرق ما يزيد على العام وأنا أفضل التأمل والتحليل والكتابة على الانخراط في الصراعات السياسية.أما النهضة بالثقافة العربية فتأتي من بابين: دعم الحرية في المجتمع عموماً، وتوسيع أفق التعليم الأساسي ونقله من التلقين إلى شحذ التفكير والخيال، وهذا أمر يطول شرحه.