سوزان عليوان في رشق الغزال الجملة تتباهى على النص وتقول: أنا هو
بعض الشعراء يتقن العنوان كأنّه البيت الأخير من القصيدة ولو أنّه، كلاسيكيًّا، تعتمره القصيدة قبّعة أو ترفعه فوق رأسها مظلّة. والبعض الآخر يثبت العنوان «رَفْعَ عتب» كأنّه خارج النصّ وليس له من وظيفة سوى أن يدلّ على النصّ مثلما يدلّ رقمٌ أو إشارة ما... وقد نجد شعراء تركوا للعاملين في المطابع أن يعنونوا لهم قصائدهم. أوّل ما يلفت قارئ ديوان «رشق الغزال» لسوزان عليوان غياب الفهرس رغم حضور عناوين القصائد إلاّ أنّ هذا الحضور ملتبس.
العناوين في ديوان «رشق الغزال» هي الكلام الذي تُستهلّ به النصوص وليس مستقلاًّ عنها ولو أنّه مكتوب بالخطّ العريض الأحمر، ما يعني بالتالي أنّ هذه العناوين الحمراء لا تعني بالضرورة توزُّع الديوان على قصائد إنّما قد يكون نصًّا، واحداً، طويلاً، شاءت الشاعرة أن تفصل فيه بين مساحة بوح وأخرى وأتى هذا الفصل من خلال ما يوهم بأنّه عنوان.تدخل سوزان عليوان شبكة الانتظار الشائكة من بداية بوحها: «أنتظرك/ بأقصى ما يستطيعه يأس/ بأقلّ قدْر من ظلّي». فاليأس قد ينتظر لأنّه فاقد القدرة على المبادرة والفعل فمن أين له أن ينسج الغد الآخر أو أن يعبر إلى الحبيب البديل. والظلّ افترسه اليأس وما بقي منه يقوم بواجب الانتظار إلى جانب اليأس... هكذا تعلن الشاعرة عن تلاشيها وضآلتها أمام الحبّ.تكمل الشاعرة نصّها بتشظٍّ يبدو مقصوداً، إذ لا ترابط بين كلام وآخر ولا نموَّ منطقيّاً في النصّ الواحد إلى حدّ يجعل من كلّ جملة نصّاً قصيرًا، وعلى سبيل المثال: «الليل قطعة من القلق صافية». مثل هذا الكلام يبدو مستقلاًّ عمّا سبقه وعمّا أتى بعده، كذلك: «ولكلّ طائر شكل صليب»... وكأنّ عليوان تريد أن تقول ما يمليه عليها ألمُها الجميل، لكن بلا رقابة واعية أو منطقيّة منها. وكأنّها تترك لقارئها أن يعالج فوضى النصّ على طريقته، وأن يفهم كما يريد، وأن يعدّل حيث تدعو الحاجة ويبدو أنّها تدعو على امتداد النصّ الطويل أو الكتاب.وضوح وغموض تتأرجح جملة عليوان بين وضوح بلا ظلال وغموض يفترس ظلالَه أحيانا: «حيث تسيء فهمي وأتمادى/ في هشيمي/ في هبائي/ في ألعاب البنفسج...»، ما يجعل القارئ معرَّضاً لصدمة الغموض بعد كلّ وضوح، فإذا فهمنا التمادي في الهباء والهشيم فإنّنا بلا شكّ ستوقفنا ألعاب البنفسج عند باب مغلق ولو أنّها استطاعت إلهاء عقلنا وخيالنا، إلاّ أنّها لم توصلنا إلى انفعال ما يتخطّى الشعور بالغرابة. لكن سرعان ما تنجح عليوان في اصطياد قارئها بالعبارة الواحدة التي تدلّ القارئ عليها من خلال إخراجها الطباعيّ: الجوف، حيث لا وعي يؤنس صاحبه». فأيّ جوف هو المقصود؟ هل هو الجوهر؟ هل هو منتصف الدرب في الحكاية العاشقة؟ هل هو الشعور بالإقامة في العمق الفارغ؟... أيًّا يكن هذا الجوف، إنّه مؤلم بغياب الأنس الذي يجود به الوعي على صاحبه.وتتنازل الشاعرة عن أيّ حقّ أو شعور بالامتلاك، لأنّها تحمل في أعماقها قَدَر النهر الذي يتفرَّغ للمسير غير محتفظ بأكثر من خريره وغربته التي تتركه مكتفياً بالحريّة: «أطفالي ليسوا لي/ صغارك أيضاً/ وهل يعبأ نهر/ بخاتم أو وريث؟» وفي تنازل عليوان عن وَرَثة لها يكونون امتداداً للحمها ودمها وأحلامها فهي لا تتنازل عن الحبّ ولو كان قدرُها فيه أن تكون الشجرة وحبيبها الحطّاب: «بمتعة حطّاب/ تقطع أطرافي/ مزهوًّا تنتحر/ متوهِّماً أنّك معذّبي وقاتلي»، فهي تعرف تماماً أنّها شجرة تحمل حطّاباً أيضاً في داخلها كما أنّ حطّابها يحمل شجرة في داخله، وعليه، فإنّ اللّبس بين القاتل والقتيل سيزيد، وعلى رغم ما تتركه الفأس في خاصرة شجرة إنّ عليوان تمجّد الألم وتعتبر أنّ وحشيّة الفأس ملأتها كائنات أليفة: «لولاك/ لما صهرني الألم أوراقاً/ لما أصبحت/ كلّ هذه الكائنات الأليفة».والحريّة عند عليوان العاشقة ظلّ أصيل بين ظلالها الكثيرة، وتدعوها إلى مغادرة كلّ شكل يحاول أسْرَها، والصُّوَر في هذا السياق لا تقلّ أسْراً عن الأقفاص: «بلا صخب/ أغادر صُوَري وأقفاصي». وإذا انحنت الشاعرة فلا يمتّ انحناؤها بصلة إلى أيّ استسلام سوى الاستسلام للذات بهدف اكتمال العاطفة: «أنحني حتّى أصبح حضني». والحريّة التي تعيشها في ظلمة ذاتها الدافئة تتمنّاها منسكبة في الآخر، وتريدها وشماً على اسمه الذي تطلقه عالياً مع الطيور: «حرًّا من حروفه/ من حبال الحناجر/ من الدلالات الدامعة/ وقشرة الألقاب/ من قفص متناثر في صدري»...هكذا تحطّم عليوان اللغة في الحبّ حين تكون بلا أبواب وبلا نوافذ، وحين يكون الصوت سجناً والدمع سجناً واللقب سجناً والقفص الصدريّ، أيضاً، سجناً لقلب يريد أن يمضي إلى الحبّ بجناحين مكتملَين. وحين يمسي الحضور ضرباً من الاستحالة تتوّج عليوان الغياب ملكاً على عرش الحضور: «...لغيابك الذي/ في غيابك/ صار صديقي»، وتواصل الإبحار مغمسة مجذافها في الموج الطالعة منه رائحة النهاية: «... وجنوحي نحو جثّتي»، ومستعدَّة لوضع يدها في يد الموت بسلام واطمئنان من يصافح صديقاً: «بنداء الهاوية أبدأ حياتي/ كمن يموت/ مبتسماً/ لا لشيء/ سوى أنّه أحبّ وسامح وحلّق/ بلا راية/ مع النسور»...ذات عاشقةإذا كانت عليوان تَنشد لغة عميقة في الحبّ، وتبحث عن جملة تتّسع لِذاتها العاشقة، فهي تفتح شبّاكها أحياناً وتطلّ على الدنيا التي لا تخصّها وحدها، وتصوّر ربيع الشّرق تحت مطر الرصاص: «ضفائر وجنازير/ وليس الموت مجازاً/ وليس في سحنته/ ملمح من ملاك»، وتخبّئ المرأة في الحرّيّة وكأنّها بذلك توحي بأنّ المرأة الشرقيّة تحتاج أيضاً إلى ربيعها الذي تأخّر كثيراً في زحمة الفصول: «ثورة إثر ثورة إثر ثورة/ والحريّة حوريّة/ والسواحل مقابر تتراكم»... لكنّ عليوان سرعان ما تعود إلى مشهدها الخاصّ، وتسعى إلى إحصاء أجنحة الدمع: «لدمعتي أجنحة لا تحصى»، وإلى ملاقاة الأيائل: «أنشُد نبعاً/ لا تأسره حفرة/ نشيداً أرحب من ثقوب النايات»... إنّ قارئ «رشق الغزال» يلاحظ رموز الحريّة في معظم النصوص ويشعر بتمزّق صاحبة الكلام بين المجازفة نحو الحريّة والاستسلام لعاطفة مقيّدة: «وليست الروح من حجر/ لأنحتها/ وأحرّر حصاناً/ إلى صهيله/ داخل الصخرة العملاقة/ أصغي»...في «رشق الغزال» أدّت الشاعرة سوزان عليوان جملة خاصّة أو، إذا جاز القول، نصَّ الجملة لأنّ صاحبته شظّته عن سابق تصوّر وتصميم، ولا شكّ أنّ الغموض في أكثر من مكان نصّيّ شظّى المعنى، وعلى القارئ أن يقرأ قراءة ترميميّة بهدف الوصول إلى غزلان المعاني، على طريقة عليوان.