الأسلحة الكهرومغناطيسيَّة...تدمِّر الإلكترونيّات بدلاً من البشر

نشر في 29-10-2011 | 00:01
آخر تحديث 29-10-2011 | 00:01
ولّى زمن الرصاص والقنابل التي أصبحت من مخلّفات القرن العشرين، فحروب القرن الواحد والعشرين تعتمد على الأسلحة الشعاعية. هذا هو تصوّر الحرب الذي يسود أذهان مجموعة من الخبراء التكنولوجيين الذين يعملون على بناء أسلحة قادرة على تدمير أنظمة العدوّ الإلكترونية عوضاً عن قتل العدو أو تفجيره ليغدو أشلاء. نتيجة لهذه التقنية الجديدة، ستصبح الحروب أقل دموية وأكثر فاعلية من المعارك التقليدية التي نشهدها راهناً. ماذا كتبت «الإيكونوميست» في هذا الشأن؟

تأتّت فكرة صناعة الأسلحة الكهرومغناطيسية، وهو الإسم الدقيق والعلمي للأسلحة الشعاعية، من زمن الحرب الباردة التي كانت تُستعمل خلالها الطاقة اللاسلكية المنبعثة من انفجار قنبلة نووية في الجوّ لحرق أعمدة العدو الكهربائية وشبكات الهاتف التابعة له وحتى لإتلاف أسلاك دراجته النارية من خلال ضخّ شحنة كهربائية مرتفعة في الأسلاك الموجودة في هذه الأعمدة والشبكات والدرّاجات.

لكن لحسن الحظ، لم تُجرّب بعد هذه التقنية الجديدة (علماً أنه أجري عليها بعض الاختبارات). لكن في نطاق عمل أصغر، توصّل العلماء العسكريون إلى تطوير أسلحة تقوم على المبدأ نفسه، من دون الحاجة إلى إحداث انفجار نووي. صنعوا نبضات كهرومغناطيسية بواسطة المغنيطرونات، مولّدات الموجات الصغرية المستخدمة في أجهزة الرادار (وفي أفران الميكروويف). وعليه حصلوا على عدّة تكنولوجية تستطيع إسقاط صواريخ العدو وطائراته، وإيقاف الدبابات ومنعها من إكمال مسارها، وتعطيل الزوارق السريعة. تستطيع هذه التقنية كذلك إيخاف الجنود من دون أن تقتلهم.

في الواقع، يجد أشخاص كثر غير اختصاصيين في المسائل الحربية أن الأسلحة الكهرومغناطيسية تشبه أجهزة الرادار. اليوم، يعمل السلاح الجوي الأميركي على تطوير مجموعة من هذه الأسلحة مستنداً في ذلك إلى نوع من أنواع أجهزة الرادار يُعرف برادار صفيف المسح الإلكتروني النشط. عندما يكون هذا الرادار مبرمجاً للعمل مثل بقية الرادارات، ينشر موجاته الصغرية في منطقة واسعة النطاق. وبكبسة زرّ، يمكن تركيز طاقته كلّها في نقطة واحدة. في حال التقت هذه النقطة مع صاروخ أو طائرة قادمة، ستعطِّل أنظمة الجسم الهدف الإلكترونية.

راهناً، يُحظّر استعمال رادارات صفيف المسح الإلكتروني النشط حتى تلك الخفيفة بما فيه الكفاية لتوضع في المقاتلة الضاربة المشتركة (إف 35)، لتدمير صواريخ الجوّ- جوّ وصواريخ الأرض- جوّ (تتحفظ قوات السلاح الجوي، لأسباب يمكن تفهّمها، عن تقديم تفاصيل تبيّن قدرة هذه الرادارات). في المقابل، تتميّز أجهزة الرادار الموضوعة في المركبات الأرضية أو البحرية بقوة وفاعلية كبريين. فهي قادرة على مهاجمة الصواريخ الباليستية والطائرات على حدّ سواء التي غالباً ما تكون أنظمتها الإلكترونية محميّة بشكل أفضل.

في حالة المقاتلة أف 35، غالباً ما يكون النظام المدفعي الكهرومغناطيسي دفاعياً أكثر منه هجومياً. في المقابل، ثمة طائرة أخرى، هي طائرة Boeing Growler، تستخدم الأنظمة الكهرومغناطيسية كأسلحة هجومية. طائرة  Growler، التي استخدمت للمرة الأولى في العراق في عام 2010 واستُعملت بعدئذ بصورة مكثّفة (إنما سرّية) خلال حرب الناتو ضدّ قوات معمّر القذافي في ليبيا، نسخة مطوّرة عن طائرة Super Hornet.

وقد جُهّزت هذه الطائرة بخمس مخدّات طولية: مخدّتان موضوعتان تحت كلّ جناح ومخدّة موضوعة تحت جسم الطائرة. يحتوي بعض المخدّات على رادارات صفيف المسح الإلكتروني النشط أو أسلحة كهرومغناطيسية مماثلة، بينما تحتوي مخدّات طولية أخرى في داخلها على معدّات تنصّت. إجمالاً، يمكن استخدام المخدّات الطولية للتجسّس على وسائل اتصال العدوّ أو لتدميرها، وللتصدّي لنيران الطائرات المضادة، ولتعطيل الأنظمة الإلكترونية الخاصة بالمركبات الأرضية، ولإخافة طائرات العدو بحيث لا تجرؤ على الطيران (وعلى الأرجح لإسقاط هذه الطائرات إلكترونياً علماً أنّ ما من جهة ستؤكد أنها تستخدم هذه التقنية لمثل هذا الغرض). تستطيع طائرة Growler الاحتفاظ بذخيرة أسلحتها والهمهمة من خلال إخراج توربينات خاصة تدفع الطائرة أثناء طيرانها علماً أن الولايات المتحدة أوصت على 114 طائرة من هذا النوع وقد تسلّمت حتى الساعة 53 طائرة.

أرضاًَ وبحراًَ وجواً

ليست الطائرات هي المركبات الوحيدة التي يمكن منها إطلاق نبضات كهرومغناطيسية. تعمل شركة الدفاع البريطانية BAE Systems على بناء سلاح كهرومغناطيسي يمكن تحميله على السفينة. وبحسب مجلّة Aviation Week، فإن هذا السلاح المسمّى بسلاح الموجات الصغرية العالية الطاقة قوي بما فيه الكفاية لتعطيل محرّكات 30 زورقاً سريعاً. بالتالي، لن تتعرّض السفن التي تُزوّد بمثل هذا الجهاز أبداً لاعتداء مشابه لذلك الذي تعرّضت له المدمّرة الأميركية  USS Cole في عام 2000 عندما اصطدمت بها سفينة تابعة لتنظيم القاعدة محمّلة بالمتفجّرات. كذلك قد يكون مثل هذا السلاح مفيداً لإيقاف عمليات الاعتداء التي يشنّها القراصنة على السفن التجارية.

قريباً ستجهّز المركبات الأرضية، هي الأخرى، بمدافع كهرومغناطيسية. في عام 2013، تأمل الولايات المتحدة بنشر استعمال جهاز لاسلكيّ يسمح بإيقاف المركبات. هذا الجهاز، الذي طوّرته إدارة الأسلحة غير المميتة في كوانتيكو بولاية فيرجينا، عبارة عن ناقل موجات صغرية يشبه من حيث حجمه وشكله الأقمار الاصطناعية الصغيرة التي تدور على سطح السيّارات المصفّحة. عندما يوجّه هذا الجهاز باتجاه مركبة أخرى، يتسبّب بتعطيل محرّكها ما يحول دون عملها.

لهذه الطريقة اللطيفة في التعامل مع العدو، والتي تتمثّل في إيقاف زوارقه السريعة وتعطيل دباباته، إيجابيات مفاجئة. هي تسمح، على سبيل المثال، بتوسيع دائرة الأهداف التي يمكن إصابتها. ويبدو أن بعض الحيل الشائعة المعتمدة في الحروب الحديثة، مثل بناء مراكز اتصال في المستشفيات أو حماية المواقع بواسطة «دروع بشرية» مدنية، يفقد فاعليته عندما لا يتم تدمير سوى النظم الإلكترونية في أجهزة العدو. ومع أن تعطيل هذه النظم في الطائرات سيتسبّب حتماً في تحطّمها، إلا أنه في حالات كثيرة أخرى، لا تتسبّب هذه التقنية للإنسان بأي ضرر جسدي مباشر.

واليوم، تتمثّل أحدث طرق محاربة العدو في صاروخ «لا يؤذي الإنسان» يحمل سلاحاً كهرومغناطيسياً بدلاً من رأس قذيفة متفجّرة. تجري عمليات تطوير هذا الصاروخ في قاعدة كيرتلاند للسلاح الجوي الواقعة في نيو ميكسيكو وسيتم اختباره قريباً في قاعدة White Sands لإطلاق الصواريخ.

لكنْ ثمة في الواقع سلاح كهرومغناطيسي واحد على الأقل صُمّم لمهاجمة جنود جيش العدو مباشرةً بهدف دفعهم إلى التراجع عوضاً عن قتلهم. طوَّرَت هذا السلاح، الذي يُعرف بنظام الإنكار النشط، إدارةُ الأسلحة غير المميتة بالتعاون مع شركة Raytheon. يقول كيلي هيوغ، أحد المسؤولين في إدارة الأسلحة غير المميتة الذين تطوّعوا ليجرَّب عليهم هذا النظام، إن هذا السلاح يسخِّن الرطوبة الموجودة على بشرة الإنسان ليصل الأخير إلى مرحلة يشعر بها أنه موضوع في فرن ساخن. وتتمثّل ردّة فعل الناس الأولية عند تعرّضهم لهذا الشعاع في الفرار، وتبلغ رقعة انتشار الشعاع مئات الأمتار.

هذه الأسلحة المضادة للأفراد مثيرة للجدل. فقد أظهرت التجارب التي أجريت على القردة بما فيها تلك التي أُبقيت فيها عينا القرد مفتوحتين لمعرفة ما إذا كان الشعاع يتسبّب بفقدان البصر، أن هذا السلاح الشعاعي لا يتسبّب بأي أضرار دائمة. لكن عندما أرسلت في مايو 2010 إلى أفغانستان مركبة آلية مزوّدة بنظام الإنكار النشط، ما لبثت أن شُحنت إلى الولايات المتحدة من دون أن تستخدم. وكانت وزارة الدفاع قد تحفّظت على ذكر سبب ذلك. لكن يشتبه في أن هذا الأمر يُعزى إلى حقيقة أن الأسلحة مثل نظام الإنكار النشط تذكّر الكثيرين بالأسلحة الشعاعية المستعملة في أفلام الخيال العلمي، وفي أن يكون استعمالها في الحروب خطأ جسيماً يشوِّه صورة البلد لدى الرأي العام. ذلك أن تعطيل وسائل اتصال العدو وتدمير الصواريخ أمران شائعان في الحروب ومقبولان لدى الناس، في حين أن توجيه الأشعّة الساخنة إلى العدو قد يسيء إلى سمعة الجهة التي تقوم بذلك، وقد يثير حالة من الذعر في أوساط المدنيين.

حمّام الماء البارد

مما لا شك فيه أن كلّ فعل يقابله ردّ فعل مساوٍ ومعاكس، واليوم نلاحظ أن الباحثين منكبّون على إيجاد طرق لتعطيل الأسلحة الكهرومغناطيسية خلال تطويرها. وتشبه وسائل تعطيل كثيرة قفص فاراداي الذي سُمّي نسبةً إلى الباحث الذي اشتهر في القرن التاسع عشر بإرساء أسس البحث في مجال الكهرومغناطيسية.

قفص فاراداي درع من المواد الموصلة يحول دون اختراق الأشعة الكهرومغناطيسية الجسم الذي تُوجَّه إليه الأشعة. ولا بد لهذه الدروع من أن تكون ثقيلة. ويُعتبر النيكل وشبكة البوليستير المغطاة بالنحاس نقطة انطلاق جيّدة في مجال البحث هذا. كذلك تُستعمل أيضاً في صناعة أقفاص فاراداي الأقمشة الممعدنة التي تُعالج كيماوياً لزيادة قدرتها الموصلية. لكنّ سعر قفص فاراداي مرتفع، لذا طوّرت شركة EMP-tronic المتخذة مقرّاً لها في مورارب بالسويد درعاً مشابهاً لذلك المستخدم في الطائرة المقاتلة السويدية Gripen، ويمكن استعماله  لتغليف الأبنية به، لكن لا بد من أن يكون ذلك لأسباب وجيهة لأن تغطية 20 متراً مربعاً بقفص فاراداي مصنوع من شبكة نحاسية تكلّف 300000 يورو (أي ما يوازي 400000 دولار).

وقد تصبح عملية تغطية الأبنية بالدروع الوقائية أقلّ كلفة مما هي عليه اليوم. في الوقت الراهن، ثمة فريقان علميان- الأول يعمل في المركز الوطني للأبحاث في كندا والثاني شركة Global Contour الواقعة في تكساس- يعملان على تطوير إسمنت موصل للكهرباء قادر على إعاقة مرور النبضات الكهرومغناطيسية. سيفوق سعر هذا المزيج، الذي تعدّه Global Contour والمؤلَّف من ألياف الفولاذ والكربون ومن مكوِّن لن تفصح الشركة عن حقيقته، سعر المتر المربّع من الإسمنت العادي البالغة قيمته 150 دولاراً بـ20 دولاراً فقط.

بدأ منذ الآن سباق حماية المركبات الصغيرة والمباني من الأسلحة الكهرومغناطيسية. لكن تبقى حماية السفن مسألة صعبة تحتاج إلى دراسة معمّقة، فلأسباب واضحة جداً لا يمكن تغليف السفن بالإسمنت. كذلك فإن بناء قفص فاراداي تقليدي للسفن في محيط سفينة بحرية عملية مكلفة للغاية.

في هذا السياق، يعتقد دانييل تام الذي يعمل في مشروع قيادة الأنظمة الحربية الفضائية والبحرية في سان دييغو، بأنه توصّل إلى طريقة تسمح بحماية السفن من الأشعة الكهرومغناطيسية. يقترح تام استعمال أيونات الصوديوم والكلوريد الموصلة للكهرباء الموجودة في مياه البحر لبناء نوع جديد من أقفاص فاراداي.

إنها لفكرة مبتكرة وطموحة، وسواء أكانت هذه الطريقة ناجحة أم فاشلة، فهي تظهر أن طبيعة الأساليب القتالية الحديثة في طور التغيّر.

مما لا شك فيه أن للقنابل والرصاص مكانتهما الخاصة، إلا أن مجرّد التفكير بأن حمام مياه باردة قد يحمي سفينة من الهجمات هو فكرة خيالية بعض الشيء.

back to top