جودت فخر الدين في فصول من سيرتي مع الغيم
انتماء عميق إلى الطبيعة... والقصيدة
في «فصول من سيرتي مع الغيم» يتنازل الشاعر جودت فخر الدين عن هويّته للطبيعة، ليعيد صياغة حضوره على يد غيمة أو شجرة أو حتى ورقة صفراء قد يكون الهواء هو الذي يلهو بها أو قد يكون هو دميتها.كثيرون هم الشعراء الذين استضافوا الطبيعة في نصوصهم، فتمدّ زهرة عنقها من قافية أو يمتزج ضباب يرعى الدروب والشجر بضباب المجاز... غير أنّ الذين تبنّوا حقيقة الطبيعة، وانتموا إليها كظلال لحقيقتهم، ومالوا إليها مَيْل الأزرق إلى السماء ليسوا على كثرة، لأنّ الكتابة التي تجاري حركة الفصول تتطلّب قلماً يرى بأكثر من العين، ويعيش بأكثر من القلب، ويفكّر، ربّما، بأكثر من العقل.على امتداد ديوان «فصول من سيرتي مع الغيم»، يحسن فخر الدين مدّ الجسور من أقصى الوضوح إلى أقصى الغموض، تلك الجسور المخصّصة للمتأمّلين الممزوج تألّقهم بشيء من التصوّف المجّاني، والشعور بالتلاشي، والرغبة في القبض على زبد المعنى المحمول على ظهور أمواج هادئة.يروق لصاحب السيرة الغيمية الإطلالة على المعنى من نافذة التعارض المسكون بالمفاجأة: «لم أجد غير نفسي/ فكيف تنكّرتُ لي؟!» فهو حظي بوجوده، غير أنّه لم يدعه يجتاز عينيه إلى قناعته كي لا يرغمها بالاعتراف. ويتابع: «...وكنت أرى كلّ شيء قصيراً،/ فرافقني الحَوْرُ،/ رافقني كأخ لي طويل/... وثالثنا كان ثوب الضباب الذي لفّنا»... إنّه أسير القِصَر، كأنّ عينيه تقزّمان كلّ ما ترى، أو ما هو خلف عينيه. ولكي ينجو من هذا الأسر اعترف بالحور أخاً لتعويض لا بدّ منه.والأخوان لفّهما ثوب الضباب، لتصير الطبيعة هي سيّدة المشهد، والشاعر بعضٌ منها، بعضٌ أصيلٌ وإن لم يكن له جذور في التراب مثل الحور، إلا أنّه طاعن في النحول والهشاشة، وضعيف أمام الأذى، وإنّ هذه الصفات المشتركة بينه وبين الحور لا تقلّ شأنا عن الجذور، وتجعله حائراً بين أن يكون الأساس أو الظلّ: «كان يفهمني الحور منذ البداية،/ ولكنّه كان مثلي نحيلاً وهشّاً،/ ويحفر فيه الأذى/ ربّما أنا ظلّ له، ربّما هو ظلّي». وينمو الكلام تصاعديّاً ويُتوَّج البوح بنرجسيّة اختبأت في براءة أوَّل الكلام لتظهر في آخره: «إنّه الحور،/ ضوء الشموخ وسرُّ الألق./ والكلام البهيج المعاني... إذا ما انطلقْ./ إنّه الحور،/ سرُّ الصداقة ما بيننا أنّنا نتشابه في خجل./ ونعانق وحشتنا في الأعالي،/ ويحفر فينا الأذى».وحشةبعد الحور، يقصد الشاعر الليل: «وأجلسني نحو نافذة من نوافذه، كي أرى خَلْفَه». والليل يقدّم لآلئ الوحشة أيضاً، ويجول بالشاعر: «فإذا الأرض خوف الغزالة، مهدُ السّراب، صدى الأغنيات». ليستمرّ ماضياً إلى حقيقته وحقيقة الوجود من خلال عناصر الطبيعة، ففي ظلمة الليل يشمّ رائحة خوف الغزالة، ويتيقّن من أنّ السراب أبو الأرض وأمّها، وأنّ الأغنيات التي حملت الدنيا على ظُهور قوافيها تنتهي أصداء نائمة بين جناحَي الظلام. ومن الحور والليل ينتقل الشاعر إلى الشعر: «وكنت أرى كلّ شيء قليلاً/ فقال لي الشعر: هذا طريقي،/ عليك إذا سرت أن تتلمّسه دائما،/ أن تضيّعه دائما،/ أن تراه وأن لا تراه،/ عليك إذا من أن تهيم معي».ومع الشعر ينذر فخر الدين وقته لحقيقة ظلِّها سراب أو لسراب ظلِّه حقيقة، ويمضي وبه شهيّة ليرى الزمن طائراً يحطّ على كفّه، وليس سوى الشعر له أن يصير الزمان». وكان الزمان الذي يتكوّن بين الأصابع، وليس سوى الشعر له أن يداعب الوقت، فيغدو الاثنان كائنين يتبادلان ما لا تدركه الكلمة بعين ولا تطاوله بيد: «لا تنقبض ضجرا أيّها الوقت، أو وحشةً، أو خواء.../ فحَسبُكَ أنّك ترضى بنفسك حين يداعبك الشّعر.»ورق وشاعرفي قصيدة «ورقٌ لفصول خريف كثيرة» يكمل فخر الدين انتماءه إلى الطبيعة، ويحاول قراءة ما بعد الصّفرة في: «ورق ينتزع الشارع،/ يحمله،/ ويطوف به»... فيغدو هذا الورق شاعراً، والشارع نصُّه: «يمحوه،/ ثمّ يعيد كتابته،/ يرسمه بالألوان». والخريف فصل مثمر، واللون فاكهة تشبع جوع العين وأكثر. والأشجار ذاهبة إلى عرس ومستعدّة لارتداء العراء بعدما تنهي تبرّجها: «ما بال خريف تخرج فيه الأشجار،/ وتثمر ألواناً؟/ ما بال خريف هو أعراس،/ تتبرّج فيها الأشجار... لكي تتعرّى؟». والورق المتعدّد الاصفرار يحترف الحركة الهادفة، ويريد أن يعيد روحاً بينما هو يتنازل عن روحه: «ورقُ الأشجار هنا عَصْفُ هباءٍ/ يسترجع روحاً هائمة،/ منذ بدايات العالم». وبين دفّتَي كتاب الطبيعة الخريفي يكتفي الشاعر بالأشجار أصحاباً: «أصطحب الأشجار وأمشي». وينسج حواراً حميماً مع نبت الأرض وكأنّه يستعيض به عن نَبْت اللحم والدم من بني البشر: «قالت إحدى الأشجار: تقدَّم منّي/ فتقدَّمتُ،/ وقالت إحداهنّ: أتعرفني؟/ فتلعثمتُ،/ ومدَّت لي إحداهُنّ ذراعيها/ فتداعَيْتُ قليلاً،/ وأنا أنقل خطوي بين الأشجار».وتأتي قصيدة «يوميّات بيضاء»، الموزّعة على يوميّات بالمعنى الحقيقي، لتظهر الثلج الزائر الدنيا في أوّل العام أوّل صفحة بيضاء برسم الشاعر: «1-1-2008/ يقول لي الثلج في أوّل العام:/ قف، وابتدئ،/ ها أنا الآن صفحتك الخاليَهْ.» ويفرح فخر الدين بالعرض الاستثنائيّ ممتلئاً من غبطته ونشوته اللتين جاد بهما السيّد الأبيض الحبيب، ويحاول: «... في كلّ يوم صناعة معجزة للبياض»، كما يحاول قراءة المشهد بوصف ليس بريئا من العمق والانخطاف: «نُتَفُ الثلج تسبح ملء الفضاء الصغير،/ وصدر النهار غدا ضيّقاً، وقريبا من الأرض،/ والشجر المتطاول صار بلا رؤية.../ صار منخطفاً،/ يتطلّع، لكنّه لا يرى»... وكم أنّ هذا الشجر يشبه الشاعر المتطاول أيضاً ليرى المعنى الخفيّ في صدر غيمة ترتجل ثلجها، وفي بياض ثلج يسطو على معنى الصباح حين يستطيع شقّ سواد الليل أعزل، بلا صوت، «عندما يهبط الثلج في الليل،/ كيف يشقّ السواد بلا أيّ صوت؟/ تراه بذلك يسرق معنى الصباح؟».ظلال المفرداتتصادر قصيدة «فصول من سيرتي مع الغيم» المساحة الأكبر في الديوان، وفيها يواصل فخر الدين إعلان اتّحاده بالطبيعة، ومن الغيوم السائرة على طرف السماء العالية يقع ظلّ فيدعوه فخر الدين إلى الإقامة في صوته: «أو تشرّبتُ ظلاًّ تساقَطَ منها بلا هدف،/ وبنيتُ سماء له في كلامي». والغيمة هي بيتُ حبّ لصنوبرتين: «تلفّهما غيمة حين تعتنقان»، وهي المعطّرة برحيق الورد: «للورود التي أشرَقَتْ غيمة/ تتخطّى سياج الحديقة حيناً فحيناً/... وترجع مزهوّة عاطِرَه»... وإلى الحبّ يحمل الغيم فخر الدين: «دائماً كنتَ توهمني بالوضوح،/ وكنّا نعيش الهوى غيمة غيمة» فحتّى الحبّ يتقمّص الغيم في الشاعر الباحث عن غيمة تكون إطاراً عاشقاً له أو رَحِماً لجنينَيْن كبُرا على وقت وشوق: «دعي الحبّ يمضي بلا علمنا، وبلا علمه،/ ونحن نغيب ونعلو كطيرين في غيمه».كتب جودت فخر الدين فصولاً من سيرته مع الغيم فأتت سيرة ذاتية تختصر انتماءه إلى الطبيعة التي يطلّ منها على القصيدة، بعيداً من أحداث حياته التي توارت في ظلال المفردات وتنازلت عن حضورها لصالح التأمّل، ليهدي الشاعر إلى نفسه ولادة جديدة من خلال تلاشيه في الطبيعة وعمراً سنواتُه شجر حور، وأشهره ورق أصفر، وأيّامه ثلج، ليغدو بوصلتَه إلى الوقت عقرب يدور في صدر غيمة.