الناقد الأدبيّ د. حامد أبو أحمد: المشهد الثقافيّ تعوزه إعادة الهندسة
من رحم الثورة المصريَّة ولدت ائتلافات عدة في محاولة لرسم ملامح مشهد سياسي جديد، ثم كان لا بد من انتفاضة ثقافية موازية تحدد ملامح المشهد الثقافي، فدعت رموز ثقافية مصرية وطنية إلى تكوين «ائتلاف المثقفين الأحرار». في حواره مع «الجريدة»، أكَّد الناقد الأدبي الدكتور حامد أبو أحمد، رئيس هذا الائتلاف، أن المجتمع يحتاج إلى «المثقف الحارس» الذي يمكنه من إعادة هندسة المشهد الثقافي واستعادة قيمة الثقافة والمثقفين، لبناء واقع جديد يتناسب مع طموحات الأمة.
حول الائتلاف الجديد وأهدافه ورؤيته كان الحوار التالي.من أين انطلقت فكرة إنشاء «ائتلاف المثقفين الأحرار»؟من إدراكنا العميق بالمسؤولية الوطنية وإيماننا بدور المثقفين الفاعل في الوطن، وبأن ربيع الثورات في حاجة إلى انتفاضة ثقافية موازية له لتحقيق التلاحم بين عقل الأمة والجماهير، والتفاعل بينهما لبناء مجتمع ديمقراطي مثقف.ما هي دوافع تكوين هذا الائتلاف؟خلال الأربعة عقود الماضية، تعرَّض المثقفون لمخطط التهميش والإزاحة، بل والعزل، لمنع أي تأثير لهم على المجتمع سياسياً وثقافياً. الحقيقة، أن هذا المخطط بدأ تنفيذه منذ عهد السادات الذي كان يعتبر المثقفين مجرد «أفندية» متحذلقين، وجاء بعده مبارك وتعامل معهم بمنتهى الازدراء والكراهية فاصطفى مجموعة منهم خطف أبصارها بريق ذهب فيما ارتعدت فرائصها من سيفه، فعقدت معه اتفاقاً يقول: «لكم السلطة والنفوذ ولنا الولاء والطاعة». هكذا أدخل مبارك هؤلاء «المثقفين» في حظيرته ووضعهم على قمة الأجهزة والمؤسسات الثقافية، فهمَّشوا بدورهم الثقافة والمثقفين الذين أبوا دخول الحظيرة والانضمام إلى القطيع.لماذا لم يتصدَّ هؤلاء المثقفون لنظام مبارك قبل الثورة؟كان من الصعب جداً التصدي لهذا النظام نظراً إلى وحشيته، لا سيما أن مبارك لم يكن يخشى المثقفين فمارس معهم أنواع الإقصاء والتهميش والإفقار، رافعاً شعار «من ليس معنا فهو ضدنا».لكن ديكتاتورية النظام لا تبرر تخاذل المثقفين، أليس كذلك؟بالتأكيد. لا أعفي المثقفين من المسؤولية ولا أبرر قبولهم الدخول في الحظيرة صاغرين. كذلك لا أبرّئ المثقفين الذين رفضوا دخول الحظيرة فيما انسحبوا من المشهد الثقافي من دون أدنى مقاومة للقمع والفساد. لا بد من الاعتراف بأن المثقف استقال من دوره في التصدي للطاغية، ولم تقم النخبة بدورها في قيادة المجتمع، لذا لا بد اليوم من التصدي لمثقفي الطغاة.هل فكرت في إنشاء الائتلاف قبل الثورة؟ حاولت كثيراً، لكنني فشلت للأسباب التي ذكرتها آنفاً. هنا لا بد من الاعتراف بأن المثقفين انقسموا بين خادم للسلطة وبين منعزل خامل وبين رافض من دون أن يبادر إلى القيام بأي أمر. شخصياً، رصدت المشهدين السياسي والثقافي خلال فترة حكم مبارك في كتابي {الشهاب» وأصدرته قبل الثورة، متناولاً فيه فساد هذا الرئيس واستبداده، علماً أنني لم أجد ناشراً يجرؤ على إصداره، وبعد الثورة أصدرت الطبعة الثانية منه.هل ثمة استراتيجية يعتمد عليها الائتلاف لإعادة هندسة المشهد الثقافي المصري؟بالتأكيد. لدينا رؤية تنطلق من مفهوم شامل للثقافة يتجاوز فيض المنجز الإبداعي إلى أسلوب الحياة والتمسك بقيم حضارية، ونرى أن المثقف الحارس لمجتمعه لا ينفصل وعيه عن وعي الأمة، فهو حارسها ومرآتها. كذلك يسعى الائتلاف إلى اسقاط مثقفي الطغاة واستعادة هيبة المثقف، ويثمِّن دور الشباب ويؤمن بقدرتهم على تحمل المسؤولية المجتمعية للمشاركة في صناعة التقدم.ما هي الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها؟أولها، إعادة الثقافة إلى المجتمع المصري وإعادة الأخير إلى حالة الفعل الاجتماعي والسياسي. كذلك يهدف الائتلاف إلى التصدي لفلول النظام الثقافية والإعلامية مع التأكيد على دور المثقفين في عملية التحول الديمقراطي، وإفساح المجال أمام الثوار الحقيقيين ليأخذوا مكانتهم في صدارة المشهد الراهن.ما هي أهم التحديات التي تواجهكم؟لا شك في أن التحديات التي تواجه «ائتلاف المثقفين الأحرار» كثيرة، ونحن ندركها جيداً ونحاول في اجتماعاتنا وضع تصورات وحلول لمواجهتها. لعل أشد ما يواجهه الائتلاف الاستقطابين الإسلامي والقبطي، ناهيك بالإسلامي العلماني والمدني الديني والسلفي الليبرالي، إضافة إلى الإعلام الحالي الموَّجه الذي يدار بفلول مبارك، وهو الإعلام الذي يعمِّق الجهل والتخلف ولا يؤمن إطلاقاً بالثقافة الجادة ولا بدور المثقفين الحقيقيين.كيف تواجهون هذا الإعلام؟إعلام كهذا لا يسمح لنا بالتواصل مع الجماهير، لذا أنشأنا مجموعة على «الفيسبوك» لإبلاغ رسالتنا للمجتمع وللتواصل مع المثقفين ودعوتهم إلى الانضمام إلى الائتلاف. كذلك ندعو الإعلاميين الشرفاء الوطنيين إلى المشاركة في إعادة هندسة المشهد الثقافي المصري كي يستعيد الدور المصري الثقافي ريادته في مصر والمنطقة العربية.يربط مثقفون كثر تراجع الثقافة بسطوة تيارات سلفية على العقل المصري، هل ترى أن ذلك صحيح؟فعَّلت السلطة هذه التيارات السلفية في الأساس لإلهاء الناس وإسقاط العقل المصري في قضايا لا تمس جوهر الدين، إذ ينشغل الجميع عن المطالبة بالحريات وبحقوقهم في التنمية والعدالة الاجتماعية.هنا لا أبرئ المثقفين من مسؤولياتهم عن انهيار الثقافة وتراجع دورهم، ولا بد من أن أعترف ويعترفوا هم أيضاً بأنهم مارسوا النفاق للسلطة ولهذه التيارات الدينية في آن حتى وصلنا إلى ما نحن عليه، وهو ما أراه خيانة من المثقفين لدورهم الحقيقي ورسالتهم تجاه المجتمع.