إضعاف الاستجواب... صنعة حكومية
الاستجوابات تزايدت بعد عام 1992 بسبب استشراء الفساد
بين الإحالة إلى المحكمة الدستورية، وطلب السرية، واستقالة الوزير المختص أو رئيس الوزراء، وتدوير الوزراء، واستقالة الحكومة، وحل المجلس، والانقلاب على الدستور ضاع معظم محاولات أعضاء مجلس الأمة تفعيل أداة الاستجواب.حصيلة الحياة الدستورية التي نحتفل بخمسينيتها هذه الأيام 62 استجوابا لم يتمكن مجلس الأمة من تفعيل مبدأ طرح الثقة الا في 14 استجوابا منها. ورغم ما يقال عن مغالاة النواب في الافراط في استخدام هذا الحق الا أن المسألة تأخذ أبعادا أكثر عمقا من هذا الطرح السطحي لتدخلنا في بحث الأسباب الحقيقية كاستشراء الفساد في الادارة العامة والذمم، وأسلوب اختيار الوزراء الذي لا يصنف الا لكونه اسلوبا اعتباطيا في حالات عديدة سواء ان كان الاختيار من بين أفراد الأسرة الحاكمة أو من عامة الشعب (29 استجوابا طال وزراء من الأسرة الحاكمة)، وصولا الى تنامي قوى الفساد منذ عام 1992 الى يوم توجنا فيه الحالة الكويتية بالايداعات المليونية التي تعد "فضيحة دولة" بمؤسساتها السياسية والاقتصادية والمالية لتصنف كقضية أخلاقية. لقد كان هروب الحكومات من المواجهة المستحقة وشراء الوقت لتفادي الاستجوابات السبب الرئيسي في تدهور الحالة العامة للبلد، فهي لا تؤمن بالتخطيط وفي ذات الوقت لا تريد أن يحاسبها أحد، لذا عمدت بقصد الى تعطيل أداة الاستجواب بشتى الطرق. وتمادت في افساد هذه الأداة بعدم معالجة مواطن الخلل الذي أثاره أكثر من استجواب، بل كانت تعتقد أن عدم قدرة المجلس على جمع أصوات كافية لطرح الثقة انتصار سياسي عظيم! الاستجواب مسألة دستورية بحته وأداة محاسبة سياسية لم تتفهمها الحكومات المتعاقبة بل ضاقت بها وحاولت بشتى الطرق تجنبها من أجل الحفاظ على صورة اعضائها بمنأى عن الهزيمة. فهي استخدمت اداة تشكيل لجنة تحقيق لمواجهة الاستجواب (نوفمبر 1968 ضد وزير العدل أحمد الجسار)، وجربت حل المجلس حلا غير دستوري لمواجهة 4 استجوابات (يونيو 1986 ضد وزراء المواصلات والنفط والمالية والتربية). كما استخدمت اسلوب استقالة الوزراء في 6 حالات لتجاوز استجوابات (وزير العدل سلمان الدعيج 1985، ووزير الاعلام محمد أبو الحسن 2004، ووزير الاعلام محمد السنعوسي 2006، ووزير النفط على الجراح 2007، ووزير الصحة د. معصومة المبارك 2007، ووزير الداخلية جابر الخالد 2011)، بينما استخدمت أسلوب اعفاء الوزراء من مناصبهم على أثر استجوابات قائمة في حالتين (وزير الصحة د. محمد الجارالله 2005، ووزير الاوقاف والعدل عبدالله المعتوق 2007). اما التدوير فقد استخدم لمرة واحدة (وزير المالية بدر الحميضي في اكتوبر 2007 ليصبح وزير النفط). أما وسيلة الحل الدستوري فقد تكرر 4 مرات على أثر استجوابات (وزير الأوقاف أحمد الكليب في مايو 1999، وفي مايو 2005، ومارس 2009، ونوفمبر 2011 وجميعها لرئيس الوزراء ناصر المحمد)، كما استخدمت الحكومة الاستقالة الجماعية كمحاولة للهروب الى الأمام من الاستجوابات وذلك في 6 حالات ( وزير الاعلام سعود الناصر 1998، وزير العدل سعد الهاشل 2001، ورئيس الوزراء ناصر المحمد في 4 حالات 2008، ومرتين في 2009، ومرتين في 2011). واستخدمت وسيلة تأجيل الاستجواب لمدة عام (استجواب رئيس الوزراء ناصر المحمد في مايو 2011) . ويتبين مما سبق أن الحكومات السابقة بذلت من الجهد لتجنب الشفافية والمواجهة وهي اساس العمل السياسي واستعاضت عنه بتكتيكات وقتية أشعرتها بتحقيق انتصارات وهمية جنت منها الادارة العامة للبلاد مزيدا من الفساد والتراجع.