مئة نيسان في سلّة سعيد عقل... شاعر لا يخطو إلا على رؤوس القمم

نشر في 08-07-2011 | 00:01
آخر تحديث 08-07-2011 | 00:01
No Image Caption
إنهم الشعراء، بشهادة قصائدهم أوّلا. يتسلّقون شجر اللغة العالي. يغمسون أيديهم في الأعشاش التي تؤلّف فيها طيور المعنى أجنحتها وتكسوها ريش الدهشة. تلتبس عليهم أصابعهم، فيبدو بعضها مفردات وبعضها معاني. يبقون فوق. يجوعون، فيأكلون سنابل الضوء. ويعطشون فترضعهم الشمس حليب ذهبها. إنهم الشعراء، القليلون مثل ابتسام الدنيا، النادرون مثل فرح على شرفة الوجود. إنهم الذين تجود بهم الحياة بين زمن بخيل وآخر، وسعيد عقل واحد كثير من هؤلاء القليلين.

في 4 يوليو (تموز) سنة 1912 فتح سعيد عقل عينيه للدنيا في زحلة، وقد هزّ سريره اثنان: أمّه وملاك القصيدة. انتبه إلى الشاعر الذي فيه في سن مبكرة فعمل على صقله وعرِقَ عقله وقلبه له فمدّه بكثير من الاعتناء والمعرفة ليكون شاعراً يخطو من قمة إلى أخرى وليس له خطو سوى على رؤوس القمم. ويرى الكثير من النقاد أن لعقل فضل الريادة في بثّ الروح الجديدة في الشعر العربي، ومنهم الشاعر أنسي الحاج الذي يعتبر الثورة الشعرية العربية مدينة لعقل أولا، لا لـ{مواكب» جبران خليل جبران ولمحاولات جماعة أبولو وذلك بـ{المجدلية» و{بنت يفتاح» و{قدموس» و{رندلى».

ولا بد حين نتحدّث عن سعيد عقل الشاعر أن نستهلّ الكلام عنه كإنسان ذي التزام ثابت إنسانياً وجمالياً ووطنياً وقومياً، لأن شعره شديد الالتصاق بشخصيته وبصدقه مع ذاته، فهو الشاعر الذي لم تسلبه المنابر والمناسبات وعالم الأضواء والشهرة والعلاقات شيئاً من كيانه، إذ يحضر دائماً بما فيه من امتلاء بعيداً عن أيّ تنازل أو مسايرة.

يؤمن سعيد عقل بالله ويَلْبَسُه شِعراً وحبّاً، ويعتنق القومية اللبنانية عقيدة ما يعني أنه لا ينتمي إلى غيرها من القوميات، وتحديداً القومية العربية، وها هو يطلب من نقيب المعلمين الشاعر أنطوان السبعلاني أن يتكلم إلى جانبه في احتفال المعلّم، سنة 1971، في الأونيسكو، الإمام موسى الصدر قائلاً بالفم الملآن قد يكون «هذا الإمام الوحيد الذي يقول لبنان ليس عربياً». وعليه، مثلما دفع عقل عربياً ثمن قوميّته دفع ثمن التزامه بالقصيدة العربية التي لا تتخلى عن وزن وقافية، فاضطهد من جماعات الحداثة وفي مقدّمهم مجلّة «شعر»، غير أنّه استطاع وبشجاعة وجدارة وحنكة أن يثبت حضوره عربياً وأن يكون متقدماً على الحداثويين على رغم نفوذهم الكبير، لا سيما إعلامياً.

في سياق الكلام على قومية عقل، يجدر استرجاع مهرجان الأخطل الصغير سنة 1969 في ذكرى مرور سنة على وفاته، وقد حضر كبار شعراء العرب آنذاك وبينهم سعيد عقل وعمر أبو ريشة الذي استغلّ المنبر ليورد في قصيدته أبياتاً تحيي كتائب الفتح في فلسطين. فما كان من عقل إلا أن أضاف إلى قصيدته أبياتاً تحيي الجيش اللبناني فكان الحضور معسكَرَين ألهب الأول أبو ريشة والثاني عقل.

كتب سعيد عقل الله منتمياً إليه كما الهدير إلى الموج والبياض إلى ريش الملاك: «أعطنا ربّ قبل كلّ عطاء/ أن نحطّ التفاتة في سناك/ كل ما دون وجهك الجمّ وهم/ أعطنا ربّ أعطنا أن نراك». وسعى إلى التعمّق في دراسة الأديان على اختلافها إلى أن غدا لاهوتياً يُذْكر بين لاهوتيي الكنيسة. وكتب لبنان وطناً لا يستطيعه التراب، فهو الصخرة معلّقة بالنجم: «لي صخرة، علّقت بالنجم، أسكنها/ طارت بها الكتب، قالت: تلك لبنان». لبنانه بعضٌ من لغة الله: «أنا حسبي أنّني من جبل/ هو بين الله والأرض كلام». لبنانه يحتكر الخلود وكلمة حبّ: «أرض بلادي وحدها/ تبقى وديوان غَزَل». لبنانه تمتدّ جذوره من أول التاريخ، من بدايات البدايات، وقد بناه عقل على قاموس من الأسماء التي غدت رموزاً في قصائده، وهو في كتاب «قدموس» سنة 1944 يبحر عميقاً في الزمن ويسمو بلبنان إلى حدود المعجزة ويدعو إلى لبننة العالم...

لي صخرة

إلى المرأة مضى سعيد عقل كبيراً، في صدره الكثير من العفة التي طالما سكنت صدور أجداده الزحليين، وهي قبل أن تحضر حبيبة حضرت بصفتها امرأة في شعره لها حضورها الحرّ ومشيئتها وهي في قصيدة «لي صخرة» تقف عند حدود لبنان وتسأل الزائر عن هويّته: «إن كنت من غير أهلي، لا تمرّ بنا/ أو لا فما ضاق بابن الجار جيران» فأي امرأة عند أيّ شاعر عربي معاصر لعقل في عمره الذهبيّ تقف عند بوّابة الوطن حاملة في خصرها المفتاح وتقول: «ومن أنا؟ لا تسل، سمراء منبتها/ في ملتقى ما التقت شمسٌ وشطآن». كلمة سمراء هنا ذات أكثر من دلالة ولعلّ أهمّها الحرية، فالسمرة لا تأتي من ظلام الخيمة وظلمها إنّما من الشمس والماء والهواء...

بينما انهمك العالم غرباً وشرقاً ليحتفل بالمرأة وليمة جسد قصدها سعيد عقل بلا يدين: هِم يا حبيبي بلوني الليلكي/ هِمْ لا تقرِّب يدا/ هِمْ بالنظَرْ/ أبقى الأثر/ ما لم يَزَلْ موصَدا»، وسأل عنها الفراشات التي مرّت بشبّاكه: «فأغمزهنّ: أمِنْها ارتزقتُنّ/ بشِّرنني أنّني مُرْتَزِق»، وتمنّى لو كان فراشة من السرب، لا ليحطّ على جسدها ويقطف زهرة اللذة، إنّما ليسكب عمره في عينيها حتى آخر ليلة: «وما لامست أَنْمُلي ذلك النحر/ كلا، ولا الناهد المنطلِق/ ولكنني كنتُ متُّ بعينين/ خمرُ السماء إذا يندَلِقْ»...

وسعيد عقل في كلّ ما كتب هو شاعر الجمالية، النحات الذي يستعمل الأزاميل الصغيرة جداً وذات الرؤوس الدقيقة، المتأثّر بالرومنطيقية الأوروبية والرمزية والبرناسية من دون أن يُحسَب على أيّ منها، فهو أخذ من الرومنطيقية ولم يأخذها، لأنه لا يحترف التشكّي والتألّم إنما بشّر بالفرح والأمل، وضجّ شعره بالرمزية لكنها ليست سمة عامة له فسعيد عقل يلجأ إلى الرمز بحدود ويتقن توزيع الظلّ والضوء في لوحته الشعرية ويرفض المغالاة في الرمز على حساب المعنى الذي يريده أن يصل بوضوحه، وحذا حذو البرناسيين في أناقة الصناعة غير أنه ليس برناسياً من ألفه إلى يائه...

المحكيّة اللبنانيّة

يبقى التطلّب شعرياً صفة أساسية من صفات سعيد عقل. وذلك نلحظه من محاولة تعريفه الشعر: «الشعر قبضٌ على الدنيا مشعشعة/ كما وراء قميص شعشعت نُجُمُ». فمن له أن يقبض على الدنيا مشعشعة؟ وبماذا يقبض؟ صعبٌ هو عقل، واحترم صعوبة أداء نصِّه وتميّز بجملة شعرية تشبهه إلى حدّ التطابق، وهو يلعب اللعبة مطوِّراً في شكل القصيدة العربية الكلاسيكي مقنعاً من يريد أن يقتنع أن الحداثة ممكنة دائماً من دون الحاجة إلى الهدم وبتر الجذور، ومن دون سحب الشعراء العرب من القبور ولفّ أعناقهم بحبال المشانق بتهمة الوزن والقافية.

ولسعيد عقل حكاية تُروى مع الشعر بالمحكية اللبنانية، لا سيّما من خلال ديوان «يارا» 1961 وقد كتبه بالحرف اللاتيني، وهو يحاول أن يفعل كما فعل مصطفى أتاتورك في تركيا، وكان يهدف إلى الانتشار عالمياً، وقامت القيامة في دنيا العرب عليه باعتباره يجازف ويتجرّأ على اللعب في النار، على رغم أنّ أخصامه شهدوا له بأنه رقم صعبٌ في اللغة العربية وبأنّ له تاجاً وعرشاً يُدلّ عليه. لم يكتب عقل بالعامية زجّالا إنما كتب شاعراً رائداً، وجدّد بموازاة ابن مدينته وعصره الشاعر ميشال طراد، غير أنّه اكتفى من الشعر العاميّ بأن كتبَ اسمَه بالحرف العريض في سجلّه الذهبيّ.

سعيد عقل الذي يحتفل اليوم بمئويته لبنانياً ظاهرة استثنائية بشخصه وشعره، وعرف على امتداد عمره الطويل ماذا عليه أن يفعل ليبقى حاضراً غداً كما هو مالئ الأمس واليوم، مراهناً على عمل العقل في الشعر غير مكتف بما تمليه العاطفة، بحسب قول صديقه الأديب أنطوان قازان. وسعيد عقل المتقن صناعة أمسه ويومه ستتقن له قصيدته وحدها صناعة غدٍ لا ينتهي، وهو القائل: «أجمل التاريخِ كان غداً».

back to top