مختارات من النثر العربي... تغريب العربيّة تضليل قام به نفرٌ من الأدباء
اختارت الدكتورة وداد القاضي أجمل النّصوص من مؤلّفات أدباء العربيّة وكتّابها- قديمهم وحديثهم- وصنّفتها في أبواب تتناول التجربة الفرديّة والجماعيّة وآفاق المعرفة، وضمّتها في مجلّد من 532 صفحة صدر عن منشورات «دار المشرق» بعنوان «مختارات من النثر العربي».أن يختار أحدهم أجمل ما قرأ، وخصوصًا إذا كانت ثقافته تعادل ثقافة الدكتورة وداد القاضي في اللغة والأدب والفلسفة، ويقدّمه لنا مصنفًا في أبواب رئيسة تتفرّع منها موضوعات عدّة لكلّ منها نماذج كثيرة في أدبنا قديمة وحديثة، فإنّ ذلك غاية ما يتمنّاه كلّ من يحبّ المطالعة ويرغب في اكتساب المعرفة.
دوافعتنبع الدوافع التي حوت المؤلفة على جمع هذه المجموعة من المختارات من منبع واحد هو حرصها على إبقاء العلاقة الطبيعية قائمة بين الشباب العربي والأدب العربي، إذ تكاد الجفوة أن تقوم بينهما، محدثةً هوّة تتّسع على مرّ الأيام، ويعمل في توسيعها نزوع نحو «التغريب» في ثقافتنا العامة وفي مناهجنا الدراسية. ويرافق هذا التغريب «ترويج مضلل يقوم به نفر من الأدباء والمفكرين أخذوا منذ نصف قرن أو يزيد- بعد أن تلقوا ثقافتهم في البلاد الاجنبية- يرفعون من شأن الآداب الأجنبية ويحطون من شأن الأدب العربي والثقافة العربية، مدّعين أنهما مقصّران في الفكر وفي العبارة وفي الأسلوب».وفي رأي الدكتورة وداد القاضي إنّ الردّ على هؤلاء لا يكمن في الجدل النظري، إنما بتقديم أمثال هذه المختارات التي تظهر ما في التراث العربي من مستويات أدبية وفنية وفكرية وثقافية عالية، يمكن أن تقارن بأرقى الآداب العالمية الأخرى.اختيارتعقّبت المؤلّفة الكثير من المختارات التي وضعت من قبل في هذا الميدان. فوجدتها لا تفي بالغرض الكامل، إذ تفتقر في معظمها إلى رؤية أو فلسفة واضحة في الاختيار، فبعضها يقتصر على فنون أدبية معينة دون غيرها، وبعضها الآخر يجمع قطعًا متفاوتة بين الطول المسرف والقصر المسرف، وقد يعنى بعضها بالأدب الخالص من غير اهتمام بالمحتوى الفكري.لهذه الأسباب حرصت في انتقائها على تطلّب القطع التي تجمع بين الارتفاع بالفكر إلى المستوى الإنساني، وبين القدرة التعبيرية عن شتى ضروب النشاط الأدبي، وبين الإشراق في الأسلوب، مع أكبر قدر من السلامة في اللغة والنحو، ومن المتانة في التركيب، ومن الدقة في التعبير، ومن البساطة الفنية، وفي هذه الشرائط جميعًا يتساوى عندها الأدب القديم والأدب الحديث.على هذا الأساس من الرؤية الشمولية للأدب العربي جاءت قطعها منتقاة من حقول مختلفة، فيها التاريخ والجغرافية والعلم الطبيعي والأسطورة والأخلاق والفلسفة، وذلك في فترات تاريخية متباينة، ولدى كتّاب ينتمون إلى مختلف الأقطار العربية.موضوعاتلمّا كان همّ المؤلفة الأكبر موجَّهًا الى انتظام القطع المختارة في إطار رؤية فكرية واضحة- بعد استيفائها الخصائص التي ترشحها للاختيار- أقامت لها بنية خاصة ترتكز على ثلاثة موضوعات كبيرة، تشكّل في مجموعها الضروب الكبرى الأساسية لمجالات التعبير الانساني وهي: «التجربة الفردية» و{التجربة الجماعية» و{آفاق المعرفة». وتحت الموضوع الكبير الأول يندرج عدد من الموضوعات التي تدخل في نطاق تجربة الفرد، مثل موضوع السيرة الذاتية، وموضوع علاقة الآباء بالأبناء، وموضوع موقف الأفراد من الحب، وموقف الأفراد من الموت، ولكل من هذه الموضوعات نماذج كثيرة في أدبنا قديمه وحديثه.وتحت الموضوع الكبير الثاني يندرج عدد آخر من الموضوعات التي تتحدث عن هذه الجماعة البشرية أو تلك وتجاربها الإنسانية الاجتماعية المختلفة، وتحته يدخل أيضًا: البعد التاريخي أو المنظور التاريخي، ثم ما تصوّره المفكرون أو الأدباء العرب أو تطلّعوا إليه من نماذج الكمال.أما الموضوع الكبير الثالث- وهو آفاق المعرفة- فقد اختارت فيه مجموعة من القطع التي تعبِّر عن آفاق الطبيعة، والعقل، والروح، والفنّ، والتعلم، وقد عالجها الكتّاب العرب عبر العصور في أشكال فنية متنوّعة.استعمالتبلغ القطع المختارة في هذه المجموعة خمسًا وسبعين قطعة، في كل قطعة منها- على تفاوتٍ بينها- مجال واسع لنواحي التحليل الفكري والتمرين اللغوي والنقد الفني. وهذا يعني أنّ المؤلّفة لم تضع هذه النصوص للقرّاء فحسب، بل وضعتها أيضًا للتدريس الجامعي، فأشفعتها بمناقشات وتمرينات، تكشف عما في القطعة الواحدة من أبعاد وتربط القطع بعضها بالبعض الآخر، وتثير القارئ إلى التفكير في القضايا الفكرية المطروحة وتحليلها، ومن هذه التمرينات ما يعتمد المقارنة بين موقفين فكريين أو أكثر، عرضهما غير واحد من الكتّاب، ولا ريب في أنّ المقارنة مجال مفيد لتوجيه القارئ إلى المزيد من التعمق والتأمل، ولعله في بعض الأحيان أن يحدد له طريقًا أو يتّخذ موقفًا خاصًّا بين مختلف المواقف إزاء القضية المطروحة. وعلمًا بأن هذه المختارات تمثّل عملاً اجتهاديًا ضخمًا، فإن الدكتورة وداد القاضي تعترف بأنه قد توافر لديها عدد لا يُستهان من الموضوعات الحديثة التي نشرت بعد صدور كتابها.منتخباتاستكمالاً لهذا المقال فقد وجدنا من المفيد والممتع انتقاء بضع نصوصٍ تندرج في نطاق التجربة الفرديّة لتكون نموذجًا للقارئ الذي يبغي التعرّف أكثر إلى آثار أدبائه ومفكّريه.من توفيق الحكيم إلى أندريه... ليس كل شعر فنّا عاليًا، لأنه يعظ أو يصوّر أو يرنّم، فالشعر الحق هو شيء أبعد كثيرًا من مجرد إصابة الأهداف الظاهرة، أو تحقيق الأغراض المباشرة، بل ربّما انحطّ الشعر في عرف الفن العالي، لأنه اقتصر على صياغة حكمة أو تصوير منظر أو إحداث جرْس... إنما الشعر الحق قد يتوسّل بهذه الأشياء لبلوغ مأرب أسمى: هو الارتفاع بالناس إلى سحب لا تُبْلَغُ، والرحيل بهم إلى عوالمَ لا تُنظر... هو أن يُرِيَهُم من خلال كلماته البسيطة ووسائله البادية أشياء لم تكن بادية ولا طافية، في محيط ضمائرهم الواعية، هو بالاختصار ذلك السحر الذي يوسع ذاتية الناس، فيرون أبعد مما ترى عيونهم، ويسمعون أكثر ممّا تسمع آذانهم، ويَعُون أعمق مما تعي عقولهم... هذا هو الشعر... وهذا هو المقصود من كلمة «الشعر» في إطلاقها على كافة الفنون... ما من فنّ عظيم بغير شعر، أي بغير تلك المادة السحرية التي تجعل الناس يدركون بالأثر الفني، ما لا يدركون بحواسِّهم ومَلَكَاتِهم...(مقتطف من كتاب «زهرة العمر»)أبو حيّان التّوحيدي يحرق كتبهإنّ العلم- حاطك الله- يراد للعمل، كما أنَّ العمل يراد للنَّجاة، فإذا كان العمل قاصرًا عن العلم، كان العلم كَلاًّ على العالم، وأنا أعوذ بالله من علم عاد كَلاًّ وأورث ذُلاَّ، وصار في رَقَبة صاحبه غُلاّ، وهذا ضرب من الاحتجاج المخلوط بالاعتذار؛ ثم اعلم- علَّمك الله الخير- أنَّ هذه الكتب حَوَتْ من أصناف العلم سرَّه وعلانيتَه، فأمَّا ما كان سرًّا فلم أجد له من يتحلى بحقيقته راغبًا، وأمَّا ما كان علانية فلم أُصب من يحرص عليه طالبًا، على أنِّي جمعت أكثرهم للنَّاس ولطلب المَثَالةِ منهم ولعقد الرّياسة بينهم ولمدّ الجاه عندهم، فَحُرمْتُ ذلك كلَّه- ولا شكَّ في حسن ما اختاره الله لي وناطه بناصيتي، وربطه بأمري- وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجَّةً عليَّ لا لي.( من رسالةٍ كتبها إلى صديق له سنة 400 هـ. أوردها «ياقوت» في «معجم الأدباء».)الخوف من الموت أسبابه وعلاجه...فأما من خاف الموت لأجل العقاب الذي يُوعَدُ به بعدَه، فينبغي أن نبيّن له أنه ليس يخاف الموت بل يخاف العقاب، والعقاب إنّما يكون على شيء باقِ بعدَ البدن الداثر. ومن اعترف بشيء باقٍ بعد البدن فهو لا محالةَ سيعترف بذنوب له وأفعال سيّئة يستحقّ عليها العقاب، وهو مع ذلك معترف بحاكم عَدْلٍ يعاقب على السّيئات لا على الحسنات، فهو إذن خائف من ذنوبه لا من الموت. ومن خاف عقوبةً على ذنب، فالواجب عليه أن يحذر ذلك الذنب ويجتنبه، وقد بيّنا فيما تقدّم أنّ الأفعال الرديئة التي تسمّى ذنوبًا إنّما تصدر عن هيئات رديئة، والهيئات الرديئة هي للنفس وهي الرذائل التي أحصيناها وعرّفناك أضدادها من الفضائل، فإذن الخائف من الموت على هذه الطريقة ومن هذه الجهة هو جاهل بما ينبغي أن يخاف منه، وخائف ممّا لا أثرَ له ولا خوفَ منه، وعلاج الجهل يكون بالعلم. فإذن الحكمة هي التي تخلّصنا من هذه الآلام والظنون الكاذبة التي هي نتائج الجَهَالات، والله الموفق لما فيه الخير.(مستقاة من «كتاب تهذيب الأخلاق» لمسكويه.)طه حسين يراجع عهد طفولتهلقد رأيتك ذات يوم جالسة على حِجْر أبيك وهو يَقُصُّ عليك قصّة «أوديب ملكًا» وقد خرج من قصره بعدَ أن فقأ عينيه لا يدري كيف يسير، وأقبلت ابنته «أنتيجون» فقادته وأرشدته. رأيتك ذلك اليوم تسمعين هذه القصة مبتهجة من أوّلها، ثم أخذ لونك يتغير قليلاً قليلاً وأخذت جبهتك السمحة تَرْبَدُّ شيئًا فشيئًا، وما هي إلاّ أن أجهشت بالبكاء وانكببت على أبيك لثمًا وتقبيلاً، وأقبلت أمّك فانتزعتك من بين ذراعيه، وما زالت بك حتى هدأ روعك. وفهمت أمك وفهم أبوك وفهمت أنا أيضًا أنّك إنما بكيت لأنّك رأيت أوديب الملك كأبيك مكفوفًا لا يبصر ولا يستطيع أن يهتديَ وحده، فبكيت لأبيك كما بكيت «لأوديب».(مقتطف من كتاب «الأيام».)