الثورة الفرنسية... فلاسفة ينقذون أمة مهزومة (2/4): تحركات سياسية سلمية تمهد للثورة والإقطاعيون يشعلون الشرارة
كانت فرنسا المهزومة في الخارج و»المفلسة» والفقيرة جدا في الداخل تعيش حالة من الغضب المكتوم الذي يتصاعد يوماً بعد الآخر مع استمرار الملك لويس السادس عشر في «رعونته» وتجاهله للفقراء، والملكة في إسرافها وبذخها، وتفاعلت كتابات فلاسفة عصر التنوير «روسو» و«فولتير»، مع الظلم والفساد والفقر المتفشي فتحولت إلى «حطب الثورة» الذي تغذت منه حتى لحظات الانفجار.
مع تزايد الفقر وضغوطه هرب القرويون إلى باريس مدينة النور أملاً في عون الملك ونجدته، إلا أن لويس السادس عشر لم يرد إلا بالمزيد من الحفلات التي كانت عنوانا للبذخ في أوروبا كلها، ولم يصل تلك الجماهير الجائعة إلا قصص أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة عن كنوز القصر وبذخه وثراء حاشيته، ومقدار ما ينفق في القصور الملكية حتى قيل إن ما ينفق في تلك القصور الساهرة كان يكفي لإطعام شعب فرنسا كله.ولويس السادس عشر هو الشاب «لوي اوجست» الذي تولى عرش فرنسا وعمره 29 عاماً فقط خلفاً لجده لويس الخامس عشر الذي مات في 10 مايو 1774م، وعرف فيما بعد بلقبه الملكي لويس السادس عشر.وقد ورث الملك الشاب تركة ثقيلة، فالنفوذ الفرنسي باعتباره أكبر قوة في أوروبا تداعى والجيش مفتت ومرهق، وقد أصبحت فرنسا القوة البحرية الثانية بعد انكلترا والقوة البرية الثانية بعد روسيا القيصرية، والخزينة خاوية أو تكاد تكون كذلك، والإقطاع استفحل نفوذه.هذا بالإضافة إلى الزوجة المتسلطة ماري أنطوانيت بنت الإمبراطورة ماريا تاريز إمبراطورة النمسا، التي كانت تحكم قبضتها على الملك الشاب، حتى أنها قهرته كثيراً مما أضر بسمعته، كما أنها كانت كثيرة البذخ والإسراف رغم ما كانت تمر به فرنسا من ظروف صعبة، ويبدو أنها كانت مشغولة بشيء واحد فقط، وهو كيف تنفق كل أموال زوجها، حتى أنها لم تتردد في عزل وزراء زوجها الذين حاولوا التصدي لسفهها المالي بخطط تقشف لإنقاذ خزينة الدولة منها.وذاع صيت حفلات الملكة الصاخبة في أوروبا كلها حتى أن شقيقها الإمبراطور جوزيف إمبراطور النمسا اضطر إلى السفر متنكرا من فيينا إلى باريس ليقنع أخته الملكة الشابة بالإقلاع عن الإسراف والطيش، وأصغت إليه في ضجر، لكنها ضربت صفحا عن نصائح أخيها بمجرد خروجه من بوابة القصر الملكي، وعادت إلى سيرتها الأولى من التسلط على زوجها وإسرافها الذي لا يعرف حدوداً، في وقت كانت فرنسا تمر بأزمة عميقة تضرب في جذور الدولة ومؤسساتها بصورة غير مسبوقة، تنذر بصراع بين الملك والنبلاء بصورة مكشوفة.انتصار الإقطاعيشهد التاريخ أن المفجر الأول للثورة لم يكن البرجوازيون بل كان الإقطاعيين، فالنظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لفرنسا قبيل الثورة كان نظاما ينتمي للعصور الوسطى بجدارة، فقد كان الملك يحكم بموجب التفويض الإلهي على رأس الدولة تدعمه طبقة الاقطاعيين المعروفين بـ»النبلاء» الذين احتكروا جميع الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية وكانت سلطتهم في الأقاليم واسعة لدرجة فرض رسوم انتقال بين إقليم فرنسي وآخر.حظي الملك وطبقة النبلاء بالدعم الديني الذي وفره لهم رجال الكنيسة لنهب الشعب، وشارك رجال الدين الإقطاعيين نفوذهم وأموالهم وقهرهم للفلاحين البؤساء الذي شكلوا غالبية المجتمع الفرنسي وقاعدته العريضة المهضومة الحق، ففي الوقت الذي أعفي رجال الكنيسة من الالتزامات المالية للدولة، حمل الإقطاعيون التزاماتهم على الفلاحين، فأصبح الفلاح مطالبا بالتزاماته الشخصية بالإضافة إلى سداد التزامات سيده الإقطاعي.في هذا النظام المتشابك المصالح بين الملك والإقطاعيين والكنيسة الكاثوليكية لم يكن من المتوقع أن يحدث أي خلاف بين «أضلاع مثلث الشر الثلاثة»، لكن هذا ما حدث قبيل الثورة فقد كان إفلاس الملكية نقطة البداية، إذ خسرت خزينة الملك آخر مدخراتها في حرب الاستقلال الأميركية (1775-1783م) التي اشتركت فيها فرنسا بثقلها من أجل تحقيق فوز معنوي على حساب انكلترا العدو اللدود، ولم يعد من حل لدى الملك إلا فرض ضرائب مرتفعة على النبلاء ورجال الكنيسة.هنا وجد الإقطاعيون فرصة ذهبية للانقضاض على الملكية المطلقة وانتزاع سلطاتها مقابل المال الذي سيدفعونه، فقرروا استخدام قوة المال لإكراه الملك على قبول ضرب من الحكم الدستوري يتيح لهم مشاركة متزايدة في شؤون الحكم.وكانت شرارة المواجهة بين الملك والإقطاعيين عندما قدم المراقب العام للمالية «كالون» مشروعا للملك في أغسطس 1786م يهدف إلى إلغاء امتيازات الإقطاعيين وفرض الضرائب على الشعب الفرنسي كله بنسب متساوية وجعل مسؤولية جمعها لرجال الحكومة لا للإقطاعيين، وهو أمر أدرك كبار الإقطاعيين والكنيسة خطورته عليهم، فتحركوا سريعا ضده وأطاحوا بـ»كالون» وعينوا مكانه «لومني دي بريين» رئيس أساقفة تولوز، وهو ما عد نصرا سريعا للإقطاعيين ورجال الأكليروس.وباستمرار المعركة بينهم أعلن الإقطاعيون سحب دعمهم للملك مادياً، وهو أمر دعا «بريين» إلى تحذيرهم بقوله: «مادام النبلاء ورجال الدين تخلوا عن الملك، حاميهم الطبيعي، فلابد من الارتماء في أحضان العامة (أي البرجوازية)».ولم يكتف الإقطاعيون بذلك، بل أعلنوا العصيان والتمرد في الأقاليم الفرنسية، وهو ما كان يعني انتصارا لطبقة الإقطاعيين ورجال الدين وانهيارا تاما لسلطة الملكية بصورة غير مسبوقة، في حين لم تكن شخصية لويس السادس عشر تسمح له بمواجهة مثل هذه الضغوط، لذلك لم يكن منه إلا الرضوخ للإقطاعيين وقبول مطلبهم بدعوة مجلس طبقات الأمة المشكل من ممثلي الطبقات الفرنسية الثلاث (الإقطاعيين والإكليروس والعامة) للانعقاد في أول مايو 1789م بناء على مطالب النبلاء، وكان هذا الانتصار الكبير للإقطاعيين آخر ما سجلته هذه الطبقة من انتصارات، وهو الانتصار الذي حفرت به تلك الطبقة قبرها وقبر الملك جميعا.مجلس طبقات الأمةفي 4 مايو 1789م، جاء اليوم المشهود حيث تجمع النواب من جميع المقاطعات الفرنسية في قصر فرساي بحضور ممثلي طبقات المجتمع الثلاث رجال الدين والإقطاعيين والعامة، في مشهد مهيب لا تخطئ العين دلالته تقدم كهنة كنيسة القديس «لويس» بفرساي الجميع تلاهم ممثلو الطبقة العامة (البرجوازية) وهم يرتدون الملابس السوداء، ثم تلاهم نواب النبلاء بملابسهم المذهبة، ثم نواب الإكليروس، ثم جاء الملك والملكة في موكب مهيب يحيط بهما أفراد أسرة البوربون العريقة.كان مظهر الموكب فاتنا للجميع، فقد بدا أن فرنسا بطبقاتها قد توحدت من جديد بعد طول تمزق، وأن الأزمة في طريقها للحل، لكن تحت السطح بمظاهره الخادعة كانت حمم البركان تعتمل في القاع فأثناء مرور موكب نواب العامة تعالت صيحات وتصفيق النظارة من أهل المدينة المزدحمين فوق أسطح المنازل، وهو ما تكرر أثناء مرور الملك لويس السادس عشر، بينما استقبل الفرنسيون مواكب النبلاء ورجال الدين والملكة بالصمت المبطن بالاستهجان.كان الاجتماع منذ البداية ينحاز إلى طبقة العامة التي شكلت نصف عدد مقاعد مجلس طبقات الأمة، فقد كان عدد مقاعدهم 621، في حين كان عدد مقاعد النبلاء والإكليروس معا 593 مقعداً، وكان هذا بناء على طلب من البرجوازيين الذين رفضوا المشاركة إلا بعد رفع تمثيلهم إلى ما يزيد على عدد ممثلي الإقطاعيين ورجال الدين معا، وهو ما وافق عليه الملك، فكان بداية لسلسة من الانتصارات البرجوازية.وزاد من قوة موقف العامة (البرجوازية) أن معظم نواب الإكليروس كانوا من أصول برجوازية فانحازوا في الوقت المناسب للطبقة العامة، وكان تشكيل ممثلي العامة من البرجوازية، فقد كان ثلثاهم من رجال القانون والإدارة، في حين شكل رجال الأعمال والمصارف نسبة 13 في المئة، وملاك الأراضي والزراع والأعيان 10 في المئة، ورغم تنوع خلفياتهم إلا أنهم عملوا في انسجام على اعتبار أن مصلحتهم واحدة.رفض نواب الإقطاعيين ورجال الدين فكرة التصويت المفتوح بإحصاء عدد أصوات الأعضاء، وفضلوا أن يأتي القرار عن طريق اتخاذ كل طبقة قرارها الخاص ثم تجمع قرارات الطبقات الثلاث وتؤخذ الأغلبية بفارق صوت، وهو ما يعني عمليا تهميش طبقة العامة (البرجوازية) وحرمانها من أغلبية الأصوات التي تمتلكها، ورغم محاولات البرجوازية لإقناع كبار الإقطاعيين بحلول وسط ترضي الطرفين فإن عناد الإقطاعيين كان بالمرصاد لهذه المحاولات، فقد ألقى الإقطاعيون المنتشون بانتصارهم على الملك القفاز في وجه البرجوازيين، وهو ما نقل الصراع بين الملكية والإقطاع إلى الصراع بين الإقطاع والبرجوازية الصاعدة.قبل نواب الشعب (البرجوازية) التحدي سريعا ورفضوا مقترحات الإقطاع، وعملوا على تجميع قواهم وأهدافهم على رأي واحد واضح. وبعد مراسلات استمرت لأسابيع أرسل نواب العامة في 10 يونيو لجنة إلى ممثلي طبقتي النبلاء والإكليروس تدعوهم بشكل نهائي إلى اجتماع موحد، وتحملهم مغبة رفض هذا العرض، مؤكدين أنهم يمثلون نحو 96 في المئة من مجموع الأمة، فهم لذلك أصحاب السلطة الشرعية فيها، لذلك إذا رفض ممثلو الطبقتين ما يريده نواب الشعب فإنهم سيأخذون في تشريع للأمة بدونهم، وذهبت هذه الدعوة التي كانت تحمل تطورا خطيرا أدراج الرياح في ظل استعلاء مبطن بالغباء من قبل الإقطاعيين. الجمعية الوطنيةعمل ممثلو الشعب بسرعة وذكاء فقد أعلنوا في يوم 17 يونيو سنة 1789م تأسيس «الجمعية الوطنية» التي ستمثل الشعب منذ ذلك الحين باعتبارهم أصحاب الحق في التكلم باسم الأمة والتصرف باسمها، والتي كان إعلان وجودها على الساحة الفرنسية يعني تحويل الملكية المطلقة تلقائيا إلى ملكية مقيدة، وإنهاء امتيازات الإقطاعيين، بمعنى آخر كان إعلان الجمعية الوطنية يعني وفاة النظام القديم من حيث المضمون، وشكل من الناحية السياسية بداية الثورة.أعلن نواب الشعب عدم شرعية الضرائب الحالية، لكنهم قرروا الاستمرار في جبايتها ما دامت الجمعية منعقدة كخطوة تكتيكية، حتى لا يتم حل الجمعية بمرسوم ملكي بربط الجمعية بعملية جمع الضرائب الحيوية بالنسبة لخزينة الملك الخاوية.وقرروا كذلك إنشاء لجنة للتموين كي تنظر في مشكلة الغذاء وقلته وما يتهدد البلاد من المجاعات، وأنها بعد قبول دستور جديد ستتكفل بديون الدولة وتوافق على سدادها، وكانت هذه القرارات رغم بساطتها أول مرة يرفع فيها الشعب الفرنسي صوته في وجه السلطة القديمة.لم تمر أحداث يوم 17 يونيو مرور الكرام فقد كانت لها تبعاتها المتوالية كلعبة الدومينو، إذ ما كادت تسقط الورقة الأولى حتى تداعت بقية الأوراق، فقد هال النبلاء ورجال البلاط ما جرى، وأجمعوا على ضرورة ذهاب الملك إلى مقر «الجمعية الوطنية» في موكب رسمي ليعلن أن قراراتها ملغاة، وتم إغلاق مقر الجمعية الوطنية من قبل قوات الملك انتظارا لزيارة الملك المرتقبة للجمعية.واستشار لويس مجلسه الخاص، فحذره وزير ماليته الجديد «نكر» من أن مجلس الطبقات سينهار ما لم تذعن طبقتا الإقطاعيين والإكليروس، وأن الضرائب لن تدفع، وأن الحكومة ستصبح مفلسة لا حول لها ولا قوة، واعترض وزراء آخرون بأن التصويت الفردي سيكون معناه دكتاتورية العامة، وإصابة طبقة النبلاء بالعجز السياسي، وبالتالي إضعاف سلطة الملك ذاته وتقليل امتيازاته، وقرر لويس أن يقاوم الجمعية الوطنية لأنه شعر بأن عرشه يعتمد على النبلاء والإكليروس، وقدم «نكر» استقالته بعد أن هزم، ولكن الملك أقنعه بالبقاء لعلمه أن الشعب سيقاوم خطوة كهذه.تحرك رجال الجمعية الوطنية بسرعة فقرروا القسم على صيغة اخترعوها تخول لهم عقد جلسات الجمعية الوطنية في أي مكان، طالما أن أعضاءها مجتمعون، وقد كان الأعضاء يقسمون هذا القسم التاريخي العظيم بحماسة شديدة والشعب محيط بهم في صمت يتجلى فيه عطفه عليهم وتأييده لهم. وقد خلد الفنان ديفيد مشهد قسم أعضاء الجمعية في صورة رائعة مكللة بالروعة والجلال.سارع النبلاء إلى احتلال أرض ملعب التنس لمنع اجتماع اعضاء الجمعية من جديد، فما كان منهم إلا ان وضعوا القسم موضع التنفيذ واجتمعوا في كنيسة «القديس لويس» وهناك حقق نواب الشعب انتصارا جديدا حيث انضم إليهم 144 من القساوسة و4 من كبار رجال الدين واثنان من النبلاء.انحازت الملكة ماري أنطونيت إلى الإقطاعيين، ومن خلالها مارسوا نفوذا قويا على الملك لويس السادس عشر الخانع أمام زوجته المتسلطة. لذلك عندما انعقدت الجلسة الملكية في يوم 23 يونيو 1789م، كان موقف الملك لويس السادس عشر واضحا في انحيازه للنبلاء، رغم إعلانه استعداده أن يكون ملكا دستوريا حقيقيا، فلا تجمع القروض ولا الضرائب دون موافقة مجلس طبقات الأمة، كما أبدى استعداده لاتخاذ الخطوات لرفع الرقابة عن الصحف، وهي قرارات في ظاهرها انتصار للبرجوازية وإنهاء لحكم أسرة البوربون المطلق.وأنهى لويس السادس عشر خطبته بقوله: «إني أقول لكم بحق إنه ما من ملك كان لشعبه مثل ما أنا لكم. فكونوا معي أكن معكم، وإلا قمت وحدي بالعمل لتحقيق مصالح الأمة واعتبرت نفسي مندوبها الوحيد».كانت هذه الأقوال للاستهلاك المحلي، وما يظهر على السطح فقط، أما في الواقع فقد التف لويس السادس عشر على ما حققته «الجمعية الوطنية» فقد ربط الملك تلك الإصلاحات بشرط أساسي، وهو الاعتراف ببطلان جميع القرارات التي اتخذتها «الجمعية الوطنية»، مع تأكيد أنه «يريد أن يظل التمييز القديم بين طبقات الدولة الثلاث (الإقطاعيين والإكليروس والعامة) كاملا، لأنه مرتبط ارتباطا أساسيا بدستور مملكته». ومعنى ذلك أن الملك أراد ببساطة العودة إلى النظام القديم، متجاهلا رغبة الشعب الحقيقية التي عبر عنها ممثلو البرجوازية، بل وعمل على تكريس نفوذ طبقتي الإقطاعيين ورجال الدين تحت مسمى الحفاظ على النظام القديم.وقفة ميرابووهكذا اختار الملك - بضغط من الملكة - طريقه وحسم اختياره بالاستسلام لدرجة الانبطاح أمام الإقطاعيين، وليس للبرجوازية ممثلة الشعب، وهو ما يعني من وجهة نظر البرجوازية أن كل الطرق سدت أمامها، ولم يعد هناك من حل إلا الثورة، أي أن الصراع بين الإقطاعيين والبرجوازية وصل إلى قمته بصراع مكشوف بين الملك والبرجوازية.لذلك عندما أمر الملك ممثلي الطبقات أن يخلوا القاعة انسحب النبلاء وغالبية رجال الدين، بينما رفض نواب البرجوازية الانسحاب، وقرروا تحدي أمر الملك مباشرة، لأن انسحابهم كان يعني القضاء عليهم من قبل أعوان الملك.وقد حسم «ميرابو» الموقف لدى نواب الشعب عندما وقف بينهم خطيبا قائلا: «أيها السادة... إني أعترف لكم بأن الذي سمعتم الآن ربما كان في مصلحة الأمة، ولكني أشك دائما في كل ما تهديه إلينا يد الاستبداد، وأتوجس منه خيفة، فما هذه الدكتاتورية الشائنة؟! إنهم يريدون أن يكرهونا بقوة السلاح على أن نسلك سبيل السعادة الذي يرسمونه لنا، فمن هذا الذي يصدر هذا الأمر؟ إنه وكيلكم! من هذا الذي يضع هذه القوانين؟ إنه وكيلكم أيضا! إنه هو عين الشخص الذي كان ينبغي عليه أن يتلقى الأوامر منكم، نعم أيها السادة عنا نحن الذين نمثل 25 مليونا كلهم ينظرون إلينا ويتطلعون إلى ما سنحمل إليهم من السعادة، ولكن ها أنتم تجتمعون وتتناقشون تحت قوة السلاح... فمم يخشون علينا؟ أين هم أعداء الشعب الذين يريدون حمايتنا من أيديهم؟ إنني أطلب إليكم أن تكونوا عند حد القسم الذي أقسمتموه. إن هذا القسم يمنعكم أن تنفضوا حتى تضعوا لهذه الأمة دستورا».كان من الطبيعي أن تنتشر روح الحماسة وتلتهب المشاعر بعد سماع هذه الخطبة، لذلك عندما جاء الماركيز بريزيه كبير أمناء القصر يطالبهم بتنفيذ أوامر الملك، رد عليه باييي (عالم فلكي وأحد ممثلي نواب الشعب) قائلا: «لا يمكن للأمة المجتمعة هنا أن تصدر إليها أوامر».وعلق الأب سييس قائلا: «أيها السادة إنكم اليوم كما كنتم بالأمس، لقد اجتمعنا على أن نحصل للشعب الفرنسي على حقوقه، فلنمض في مباحثاتنا». وهنا أعلن المجتمعون بطلان الجلسة التي ترأسها الملك واعتبروا كأن قراراتها لم تكن.وقبل أن يرحل كبير الأمناء حاملا جواب البرجوازية وقف ميرابو قائلا مقولته المشهورة: «اذهب يا سيدي، وبلغ مولاك أننا لن نغادر هذا المكان إلا على أسنة الحراب». وما كاد ميرابو يتمم كلمته هذه حتى صاح النواب في صوت واحد: «نعم هذه هي إرادة الجمعية». واقترح «ميرابو» على الأعضاء التصويت على قرار يعطي نواب الشعب حصانة ضد المحاكمة، وهو ما وافق عليه الأعضاء لتتحول «الجمعية الوطنية» إلى سلطة رسمية في فرنسا بدون الرجوع إلى الملك.ترقبت باريس رد فعل ساكن قصر فرساي وزوجته المتسلطة، وكان الملك في مأزق حقيقي فالنبلاء تخلوا ورفضوا التعاون معه، بل رفعوا راية العصيان في أكثر من مقاطعة فرنسية، والجيش فضلا عن أنه متعب ومرهق من حروب الاستقلال الأميركية مشتت في المقاطعات الفرنسية، فضلاً عن الخزينة الخاوية التي تمنع الملك من شراء ذمم بعض الإقطاعيين ورجال الدين، لكل ذلك قرر الملك الانحناء مؤقتا أمام العاصفة، ففضل عدم تنفيذ تهديده بفض المجلس بالقوة، قائلا: «إذا كانوا لا يريدون مغادرة المكان فدعوهم وشأنهم».وفي اليوم التالي 24 يونيو 1789م انضمت غالبية رجال الدين – ذوي الخلفية البرجوازية - و47 من النبلاء إلى ممثلي البرجوازية، وعلى رأسهم الدوق دورليان ابن عم الملك صاحب النفوذ الواسع في فرنسا، وهو أمر أثر في الملك لدرجة أنه قام بنصح بقية النبلاء ورجال الدين بالخروج على أوامره والانضمام إلى العامة، فساروا إليها كارهين متثاقلين يحوطهم شعور بالهزيمة وضياع السلطان.ولقد أراد دوق لوكسمبرغ زعيم النبلاء أن يثني الملك عن أمره هذا، فقال له: «إن هذا الأمر يا مولاي يعتبر بمنزلة إعلان من جلالتكم بأن سلطة الجمعية الوطنية أصبحت فوق كل سلطة، والنبلاء مستعدون لأن يفدوا جلالتكم بأرواحهم». فما كان من الملك المغيب إلا أن قال: «إني لا أريد أن يموت أحد من أجلي».هكذا بدا في سماء فرنسا أن الثورة السلمية التي قام بها ممثلو البرجوازية قد نجحت، وأن الملك مع الإقطاعيين قد رضخوا للتغير الاجتماعي الذي حدث في فرنسا وأنتج قوى سياسية جديدة ممثلة في البرجوازية.وعلى هذا الأساس بدأت الجمعية الوطنية في اتخاذ خطوات تكرس انتصارها السريع، ففي يوم 7 يوليو اختار المجلس لجنة لوضع دستور جديد يحد من سلطات الملك، وفي يوم 9 يوليو غيرت «الجمعية الوطنية» اسمها إلى «الجمعية التأسيسية»، وفي يوم 11يوليو قدم «لافاييت» مشروعه الخاص بإعلان حقوق الإنسان، ليعتقد الكثيرون بعد هذه التطورات أن الثورة قد انتهت دون أن تراق في سبيلها نقطة دم واحدة، لكن فرنسا كانت على أعتاب منعطف تاريخي بالغ الخطورة، فأكثر الثورات دموية في التاريخ كانت على وشك البداية.