الخلايا الجذعيَّة والطب... ترميم القلوب المكسورة

نشر في 03-12-2011 | 00:01
آخر تحديث 03-12-2011 | 00:01
No Image Caption
توصّل العلم إلى طريقة قد تنجح في معالجة أمراض القلب بواسطة الخلايا الجذعية. إلا أنه تم في المقابل تجميد العمل على مشروع يهدف إلى ترميم الحبال الشوكيَّة. ماذا كتبتThe Economist في هذا الصّدد؟

كانت الأيام الأخيرة حافلة بالنسبة إلى مناصري الطب التجديدي، أي الطب الذي يقوم على فكرة معالجة الأعضاء المتضرّرة أو حتى استبدالها باستخدام الخلايا الجذعية.

الخلية الجذعية هي الخلية التي تتولدّ عنها، أثناء انقسامها، خلايا أخرى منها ما يبقى على شكل خلايا جذعية ومنها ما يتحوّل إلى أنسجة وظيفية. تستطيع هذه الخلايا الموجودة في الأجنّة توليد أنواع مختلفة من الأنسجة في حين أن الخلايا الجذعية الموجودة لدى الكبار تنتج منها أنواع محدودة من الأنسجة: خلايا دموية أو خلايا عضلية.

سيحزن الأشخاص الذي يعقدون آمالهم على هذا المجال العلمي عند سماعهم بخبر سيئ يقول إن شركة Geron الأميركية التي كانت رائدة في مجال استعمال الخلايا الجذعية لأغراض علاجية، في طور الانسحاب من هذا المجال. في الواقع، تعمل هذه الشركة راهناً على إنهاء (أو بالأحرى بيع) مشروع اختبار الخلايا الجذعية الجينية في علاج االمشلولين جرّاء إصابة حبالهم الشوكية.

يقال إن تصفية هذه الشركة لأعمالها تعزى إلى أسباب مادية، ففي الوقت الذي أصبح فيه من الصعب تجميع رأسمال جديد، قرّرت الشركة تركيز عملها على علاجات السرطان التي تأمل في أن تحقّق أرباحاً مادية أكبر من تلك التي حققتها دراسة الخلايا الجذعية.

في المقابل، ثمة خبر سارّ بالنسبة إلى المهتمّين بالعلاجات القائمة على الخلايا الجذعية ورد في بحث علميّ نشر في مجلّة Lancet، أعدّه روبرتو بولّي وزملاؤه في جامعة Louisville. في البحث، استخدم العلماء خلايا جذعية أكثر تخصصاً (لا ينتج منها سوى خلايا قلبية) لتصليح قلوب الأشخاص المصابين بقصور قلبي. في حال أصبحت طريقة هذا الفريق العلمي شائعة ومعتمدة طبياً، سيكون لها فوائد كبيرة، فالمرض القلبي التاجي أكثر داء يتسبّب بحالات وفاة في العالم، قد أسفر في عالم 2008 عن وفاة 7.3 مليون شخص (أحدث الأرقام تعود إلى عام 2008). صحيح أنّ المريض المصاب بقصور قلبي (ناتج مثلاً من نوبة قلبية ألتفت عضلة القلب) قد يستفيد من جراحة زرع فلب، إلا أنه لا يوجد في العالم احتياط كافٍ من القلوب لإجراء هذه الجراحة. من هنا، جاءت فكرة إجراء إصلاحات للعضو المصاب لدى المريض.

ما زال قلبي يخفق

شارك في دراسة الدكتور بولّي 23 مريضاً أصيب كل واحد منهم في ما مضى بنوبة قلبية على الأقل، الأمر الذي دفع بولّي إلى إخضاعهم إلى جراحة توصيل الشريان التاجي التي تم فيها استبدال شريان الدم المسدود المسؤول عن إمداد القلب بالدمّ بشريان بديل مصنوع من وعاء دموي أخذ من منطقة أخرى، تكون غالباً الساق. في المعدّل، كانت قلوب هؤلاء المرضى تضخّ 30% من كمية الدم القصوى، وقد تمَّت الاستعانة بسبعة مرضى من أصل 23 ليشكّلوا مجموعة شواهد تقارن بينها وبين المجموعة الثانية النتائج ولم يخضع الدكتور بولّي أعضاء هذه المجموعة لأي علاج بعد الجراحة. أمّا المرضى الستة عشر الآخرين، فقد أخذ الباحثون عيّنات من أنسجتهم خلال الجراحة، ثم عمدوا إلى تفكيكها ليستخرجوا منها الخلايا الجذعية القلبية (يمكن التعرّف إليها من خلال وجود بروتين معيّن على سطحها)، ثم جعلوا هذه الخلايا تتكاثر بوضعها في أحواض لزراعة الأنسجة حتى أصبحت بالملايين.

بعد مرور حوالى أربعة أشهر على خضوع كل مريض للجراحة الأصلية، تحديداً بعد استقرار حالة قلوبهم، استعمل بولّي قسطرة لإدخال مليون خلية من الخلايا الجذعية المولّدة حديثاً إلى عضلة قلبهم المتضرّرة، وكانت النتائج مذهلة. فعلى رغم انسحاب مريضين من الدراسة، شهد المرضى الأربعة عشر الباقون تحسناً ملحوظاً. بعد مرور أربعة أشهر على جراحة نقل الخلايا هذه، أصبحت قلوبهم تضخّ 38.5% من كمية الدم القصوى، وارتفعت النسبة لتصل إلى 42.5% بعد عام من جراحة الإصفاق الشرياني. يُشارة إلى أن قلوب مجموعة الشواهد لم تشهد هذا التحسّن، وانخفضت كمية الخلايا الميّتة في القلوب التي نقلت إليها الخلايا الجذعية.

مع ذلك، يعجز العلم عن تفسير هذه المعجزة التي حققتها الخلايا الجذعية القلبية. يرجح البعض أن تكون الخلايا الجذعية المحقونة قد شكَّلت عضلة قلبيَّة جديدة، وثمة اقتراح آخر يقول إن المواد الكيماوية التي تفرزها هذه الخلايا الجذعية تسبّبت بتغيّرات في الخلايا الموجودة أساساً في القلب، وهذا اقتراح مدعوم بأعمال الدكتور بول ريلاي من جامعةUniversity College في لندن الذي حفزّ خلايا جذعية (لدى الفئران) كانت موجودة أساساً لتحويلها إلى عضلة قلبية من خلال إضافة بروتين يدعى ثيموسين بيتا 4 الذي يحدث تحولاً جينياً جذرياً في الخلايا الجذرية، وبالتالي يفعّل نشاطها.

راهناً، يبحث العلماء في طرق أخرى لتصليح القلب المتضرّر، إذ ينوي إدواردو ماربان، مدير معهد سيدارس- سيناي لأمراض القلب في لوس أنجليس، إجراء اختبارات لمعرفة ما إذا كانت الخلايا الجذعية المأخوذة من بنك الخلايا تفي بالغرض وتعطي النتيجة نفسها، أم إن جهاز المناعة سيرفضها. على صعيد آخر، يعتقد ديباك سريفاستافا من معهد غلادستون لأمراض القلب والأوعية الدموية الواقع في سان فرنسيسكو، أنه توصّل إلى طريقة علاج أفضل تقوم على عدم استخدام أي خلايا جذعية، إذ نجح في إعادة برمجة خلايا النسيج الضام الخاصة بالفئران لتصبح قادرة على التحوّل إلى خلايا عضلة قلبية، ثم اختبرها في قلوب فئران أصيبت بنوبات قلبية، وينوي اختبار طريقته هذه على الخنازير ومن بعدها على الإنسان.

لدى الدكتور بولّي مشاريعه أيضاً في هذا المجال. يأمل في أن يتمكّن قريباً من بدء تجربة كبيرة تستند إلى تجربته الصغيرة الناجحة، وقد لا نضطرّ إلى الانتظار طويلاً ليأتي يوم يصبح فيه بالإمكان معالجة قلب مريض في منتصف العمر وإطالة حياته لبضع سنوات إضافية. إلا أن ذلك ليس عذراً للتهاون: فالوقاية طالما كانت وستبقى خيراً من ألف علاج. لكن بالنسبة إلى الأشخاص الذين لم تنفعهم الوقاية، يقدّم عمل الدكتور بولّي ومعاونيه ومعارضيه الأمل في أن تصبح في المستقبل النوبة القلبية التي تخيف كثراً اليوم حالة صحيَّة أقل خطورة وفتكاً بالإنسان.

back to top