دور السياسيين في خفض معدلات البطالة في الغرب

نشر في 17-09-2011 | 00:01
آخر تحديث 17-09-2011 | 00:01
No Image Caption
قد يتمثل الجانب الأكثر سوءاً في كون البطالة حالياً من النوع الذي ينطوي على خطورة، لأن حصة غير متناسبة من العاطلين هم من الشبان، ومعروف أن بطالة الشبان تخلف أثراً أكبر وأعمق من حيث الأجور المستقبلية الأدنى وتفاقم احتمالات البطالة في المستقبل أيضاً.

ليس من المستحيل بالنسبة الى رجال السياسة في الدول الغربية خفض المعدلات المخيفة للبطالة في بلدانهم، والقليل من الخيال سوف يساعد على تحقيق ذلك الهدف. ولو أن

الـ 44 مليون عاطل عن العمل في الدول الأعضاء الغنية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عاشوا في دولة واحدة لكان عدد سكانها في تلك الحالة مماثلاً لعدد سكان اسبانيا. ولو أن اسبانيا نفسها – والتي يوجد فيها أعلى معدل للبطالة في الدول الغربية حيث يصل الى 21% فإن عدد العاطلين عن العمل يضاهي عدد سكان مدينتي مدريد وبرشلونة معاً. وفي الولايات المتحدة فإن الـ 14 مليون عاطل عن العمل وفقاً للأرقام الرسمية سوف يشكلون خامس أكثر ولاية في عدد السكان, واذا أضفنا الى ذلك الرقم عدد العاملين بأقل من الوقت الذي يريدونه وسوف نجد أنفسنا أمام ولاية في مثل حجم تكساس.

والصورة ليست قاتمة على الدوام وبصورة متناسبة. وألمانيا، على سبيل المثال، يصل فيها الآن معدل البطالة الى حدود أدنى مما كان الحال عليه قبل الأزمة المالية العالمية. غير أنه في معظم دول العالم الغني تصل نسبة العاطلين عن العمل – على الرغم من انخفاضها بقدر قليل عن مستويات الذروة التي بلغتها في عام 2009 – الى معدلات عالية بصورة مخيفة حتى مع ازدياد القلق من احتمال عودة البعض من الدول الى أوضاع الركود الاقتصادي. ويتم دفع التكلفة الانسانية للأزمة الاقتصادية من جانب العاطلين عن العمل وذلك لأن البطالة تزيد من الاكتئاب وحوادث الطلاق وسوء المعاملة والى حد كبير كل شيء خطأ في الحياة.

الجانب الأسوأ

وقد يتمثل الجانب الأكثر سوءاً في كون البطالة في الوقت الراهن من النوع الذي ينطوي على خطورة. ويرجع ذلك الى كون حصة غير متناسبة من العاطلين عن العمل هم من الشبان ومعروف أن بطالة الشبان تخلف أثراً أكبر وأعمق من حيث الأجور المستقبلية الأدنى وتفاقم احتمالات البطالة في المستقبل أيضاً. وقد يكون العامل الأكثر أهمية هو كون البطالة قد تحولت الى حالة مزمنة بدرجة أكبر. وعلى سبيل المثال نجد أن الولايات المتحدة التي عرفت بمرونة في سوق العمل تصل فترة البطالة فيها بشكل وسطي الى 40 اسبوعاً مرتفعة بذلك عن معدل عام 2007 الذي كان في حدود 17 اسبوعاً فقط.

وفي ايطاليا تستمر مدة البطالة الى أكثر من سنة, ومن الأمور الأشد صعوبة إيجاد علاج للبطالة الطويلة الأجل وذلك نظراً لأن العاطل عن العمل يفقد نسبة من مهارته التقليدية وينفصل عن أجواء قوة العمل. ومن شأن ذلك أن يفضي الى استمرار ظلال المحنة التي تخفض معدلات النمو المستقبلية وتلحق الضرر بالأموال العامة, كما أنها ترهق النظام الاجتماعي لسنوات عديدة مقبلة. لن يتم علاج هذه الفوضى بسرعة كبيرة. وحتى مع تحقيق تسارع في النمو الاقتصادي فإن البطالة سوف تظل في معدلات عالية مثيرة للقلق لسنوات عديدة, والكثير من سبل العلاج مثل اعادة تدريب العمال سوف تتطلب الكثير من الوقت. ولكن مايثير الصدمة هو أن رجال السياسة لم يفعلوا سوى القليل في هذا الصدد. وقد علقت الولايات المتحدة في جدال مستمر مع زعم اليسار بأن الحكومة لاتنفق ما فيه الكفاية فيما يصر اليمين على أن الحكومة الكبيرة تدمر فرص العمل والوظائف. وعبر المحيط الأطلسي يبدو أن العديد من ردود الفعل على أزمة اليورو قد صممت من أجل زيادة معدلات البطالة, ويتعين على قادة الغرب عمل المزيد ولديهم القدرة على القيام بذلك.

التوجه نحو النمو الاقتصادي

يتعين توجيه الأولوية المباشرة نحو دعم الطلب – أو على أقل تقدير عدم الحاق الضرر به. وقد يكون جناح اليسار على حق في جانب واحد هو: ان السبب الرئيسي لمعدلات البطالة الحالية العالية يرجع الى حدة الركود الأخير اضافة الى ضعف وتيرة التعافي التي أعقبته. غير أنه على الرغم من ذلك فإن الدول الغربية قد شرعت باتخاذ سياسات مناقضة ومعاكسة. وفي البعض من الحالات, على سبيل المثال, كان اللوم يقع على السياسة النقدية التي يمكن شرحها على النحو التالي : يتعين على البنك المركزي الأوروبي أن يعكس مساره بشأن زيادة معدلات الفائدة التي قام بها في الآونة الأخيرة, غير أن المسؤول الرئيسي في هذه الحصيلة يتمثل في تحول جماعي سابق لأوانه نحو سياسة تقشف مالي من جانب الحكومات المعنية.

وكما سبق أن ذكرنا وبصورة متكررة في هذه المجلة فإن رجال السياسة في حاجة الى تحقيق صفقة مع أسواق السندات. وبكلمات اخرى : الجمع بين السياسات التي تحتضن النمو في الوقت الراهن وبين الاجراءات التي سوف تمكن من وضع العجز المالي تحت السيطرة في الأجل المتوسط. وعملية رفع سن التقاعد, على سبيل المثال, سوف تفسح المزيد من المجال من أجل تحفيز وتنشيط النمو الاقتصادي في الأجل القصير. وسوف يتمثل اختبار أجندة الرئيس باراك اوباما حول الوظائف وما اذا كانت خطته كبيرة بما يكفي للتصدي للتشديد والتضييق المالي وتحقيق مايعادل 2% من الناتج المحلي الاجمالي وهي النسبة المقررة للسنة المقبلة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو الى أين سوف تذهب أموال الأجل القصير؟ قد يكون البعض من أشكال التحفيز الاقتصادي أفضل من أشكال اخرى في ما يتعلق بمسألة دعم التوظيف. وعلى سبيل المثال فإن خطة تقديم مساعدات لتطبيق عملية العمل لساعات أقل في ألمانيا قد ساعدت على اقناع الشركات بعدم القيام بطرد العمال, والمساعدات التي قدمها الرئيس اوباما من أجل التقنية الصديقة للبيئة عملت على تضخيم الأسس لقلة مختارة من الشركات ولكنها لم تقدم سوى القليل من أجل تحسين فرص العمل. ويتعين على الحكومات اعطاء الأولوية للبرامج التي تحقق ذلك الهدف. والبعض من الانفاق على البنية التحتية مثل شق الطرق واصلاح المدارس يقع ضمن تلك الفئة. وكذا الحال بالنسبة الى حوافز الضريبة التي تخفض تكلفة التشغيل وخاصة بالنسبة الى العمال الإضافيين الجدد – وهو ما يجعل من المنطقي بالنسبة الى الولايات المتحدة توسيع الخفض على جداول الرواتب. ومن هذا المنطلق، وفي الحالة الأميركية، فإن هذا ما تقدمه المساعدة الفدرالية الى الولايات وذلك نظراً لأن الطريقة الرئيسية التي تتبعها الولاية من أجل خفض ميزانيتها تتمثل في تسريح العمال.

سبل المساعدة

وهكذا توجد طرق تستطيع أموال الحكومة من خلالها تقديم العون. غير أن من الواضح أيضاً أن فوضى الوظائف ليست متمحورة فقط حول الطلب: وليس بالإمكان حلها من خلال تقديم المزيد من الحوافز وحدها. وتوجد أدلة كثيرة – تختلف من هبوط معدلات التوظيف بالنسبة الى العمال الأقل مهارة الى ارتفاع نسب العجز – تشير الى أن الدول الغربية تواجه مشكلة وظائف كانت تعتمل قبل وقت طويل من بدء الأزمة المالية العالمية. وقد خفض المزيج المكون من التقنية الحديثة والعولمة من الطلب على العمال الأقل مهارة، كما أن العديد من العمال لم يتمكنوا من التجاوب مع هذه التغيرات العميقة في سوق العمل.

ويوجد أمام التحول في الطلب على المهارات سبيله الطويل، وهو يشير الى أن جزءاً مهماً من اي برنامج تشغيل يجب أن يشمل تغيرات في التعليم، والمزيد من التدريب من أجل لإعداد الناس في العالم الغني لوظائف الغد والتخلص من القيود الحكومية.

ولكن من الواضح ايضاً أن سياسات سوق العمل نفسها تستطيع تحقيق فارق كبير. وفي اسبانيا توجد نسبة تصل الى 46% من الناس تحت سن الـ 25 من العاطلين عن العمل بسبب وجود نظام مزدوج يشتمل على عمال دائمين وعلى عمال مؤقتين يسهل تسريحهم وهم من فئة الشباب الى حد كبير. وفي وسع دول البحر البيض المتوسط الأوروبية تعلم الكثير من الطريقة الألمانية في سوق العمل. والولايات المتحدة افضل حالاً في التدمير الخلاق ولكنها تستثمر القليل جداً في سبل اعادة العاطلين عن العمل الى وظائفهم. وقد يتعين على اوباما النظر الى ماحدث في هولندا والدانمرك من أجل الحصول على أفكار حول اصلاح نظام البطالة الهرم وتحسين خططه الخاصة بالتدريب.

إن القيام بهذه الخطوات كلها بصورة صحيحة سوف يجعل تحقيق الهدف أكثر سهولة, غير أن الحكومات الغربية احتاجت الى وقت طويل جداً من أجل استيعاب خطورة مشكلة العمل, وسوف يعاني الكثير من الناس نتيجة لذلك.

back to top