تربية الخادمات للأبناء خطر يهدِّد الأسرة

نشر في 03-11-2011 | 00:02
آخر تحديث 03-11-2011 | 00:02
الاعتماد على الخادمات في تربية الأبناء ظاهرة تزداد خطورتها في ظل انشغال المرأة العربية بمهام قد تجبرها على أن تغيب عن بيتها فترات طويلة، ومع تنامي هذه الظاهرة التي لم تأخذ حقّها في الدراسات الاجتماعية ترتسم علامة استفهام حول مدى تأثيرها الإيجابي والسلبي في النشء والعلاقات الأسرية.

يقول د. نبيل صادق (أستاذ في قسم تنظيم المجتمع في كلية الخدمة الاجتماعية- جامعة حلوان): «مع انتشار هذه الظاهرة خصوصاً في دول الخليج العربي حيث تستعين الأسر الميسورة بخادمات، لا بد من أن يكون لدى هذه الأسر وعي باختيار خادمات لديهن قدرة على الارتقاء بوعي الأطفال».

يضيف صادق: «يمكن استقدام خادمات يتمتّعن بمؤهلات عليا، وثمة كليات تخرّج جليسات للأطفال متخصّصات بالتربية والاعتناء بالطفل نفسياً وصحياً وجسدياً وفكرياً، ما يضمن وجوده في أيدٍ أمينة».

يشدِّد صادق على ضرورة أن تتولّى جهة ما سواء مؤسسة أهلية أم تربوية إعداد خادمات أو جليسات للأطفال لتنشئة سليمة للأبناء خصوصاً إذا كان الوالدان مشغولين بسبب العمل أو لدواعي السفر.

تهميش دور الأم

توضح  د. ميرفت الشربيني (أستاذة علم الاجتماع  في المعهد العالي للخدمة الاجتماعية- جامعة المنصورة) أن تربية الأبناء وتنشئتهم اجتماعياً وتوجيه سلوكياتهم مسؤولة عنها الأسرة المتمثّلة في الوالدين، لكن مع مرور الأيام تبرز عوامل أخرى في تكوين هذه السلوكيات وتشمل الحضانة، المدرسة، الجيرة، الأقارب، وسائل الإعلام.

تضيف الشربيني أنه في ظلّ الظروف الاقتصادية تضطرّ الأم إلى العمل فترة قد تمتدّ إلى أكثر من نصف النهار، فتستعين بخادمة لرعاية أطفالها. «لهذه الخطوة تأثير إيجابي وسلبي، فالخادمة التي يكون لها دور إيجابي في تربية الأبناء تعي أساليب التربية الحديثة وقد لا تلمّ بها الأم نفسها، لذا تناولت هذه الناحية في بحثي بعنوان «عوامل انحراف الأبناء»، بالإضافة إلى إدراكها أن مهمتها ملء الفراغ الذي يحدثه غياب أحد الوالدين أو كليهما بسبب سفر أو مرض مزمن أو انفصال الزوجين وإشباع دور الوالدين المفقود».

تشير الشربيني إلى أنه نتيجة لوجود الأطفال مع الخادمة أكثر من وجودهم مع الأم تحرص الأسر على اختيار خادمة لديها مواصفات خاصة من شأنها تنشئة الأبناء بطريقة تربوية سليمة.

أما تأثير الخادمة السلبي، برأي الشربيني، فيكون في جنوح الأبناء نحو انحرافات جنسية وغيرها وتشمل الذكور والإناث، وقد تؤدي إلى تكوين مشاعر سلبية مثل الخوف والعدوانية والكذب واضطرابات جسدية...

مشاكل نفسيَّة

ترى  د. عبير عيسى (أستاذة مساعدة في الطب النفسي في كلية الطب في جامعة عين شمس) أن الاعتماد على الخادمة في تربية الأبناء يسبِّب مشاكل نفسية مثل الجفاء بين الطفل ووالديه، انعزاله وتقوقعه مع نفسه والتواصل مع الآخرين من خلال الإنترنت فحسب، شعوره بالخوف والتلعثم في الكلام نتيجة عدم التواصل مع والديه وافتقاده البعد العاطفي فينمو بطريقة لا يعرفانها.

تضيف عيسى أن الخادمة قد تعلّم الطفل مبادئ لا تتّفق مع قيمه ومعتقداته خصوصاً إذا كانت الأم تعتمد على خادمات أجنبيات.

خبرات أولى

يؤكد د. أحمد عبد الكريم، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة القاهرة، أن «السنوات الأولى من حياة الإنسان تشكِّل مرحلة الصياغة الأساسية لشخصية الطفل، وتتّضح أهمية البيت أيضاً عندما نعرف أن أُسس السلوك الاجتماعي تبنى في المنزل ويصبح هذا السلوك إحدى سمات الشخصية الثابتة».

يضيف عبد الكريم: «تركّز التربية الحديثة على أهمية الخبرات الأولى للأطفال وآثارها في تباين ميولهم واتجاهاتهم، ومن الصعوبة بمكان التخلّص من هذه الملامح مستقبلاً سواء أكانت سوية أم غير سوية».

يلفت عبد الكريم إلى أن الدراسات التي أجريت على هذه الظاهرة، على قلّتها، أثبتت تأثير الخادمة السلبي في تكوين شخصية الطفل، من هنا يشدّد على أن المسؤولية تقع على عاتق الأم باعتبار أنها المسؤول الأول والأخير عن تربية الطفل ورعايته، ذلك أن الخادمات والمربيات يتحدّرن في غالبيتهن من مجتمعات فقيرة وغير مثقّفة، ما يؤثر سلباً على سلوك الطفل وانفعالاته العاطفية والوجدانية واللغوية. وقد  أجمع الباحثون على أن الخادمة أصبحت من ضروريات المرأة العاملة وأن دور الأم في المنزل تقلّص بسبب اعتمادها الكلي على الخادمة في أداء الأعمال المنزلية ورعاية الأبناء.

يلاحظ عبد الكريم أن هذه الظاهرة صارت عامة وتترتب عليها مشاكل تتنوّع وتختلف حسب ظروف كل مجتمع والقيم والمبادئ والمعتقدات التي يؤمن بها، «بالتأكيد تترك الخادمة آثاراً قد تكون إيجابية أحياناً، لكن الغالب في المجتمعات العربية التأثير السلبي لاختلاف عاداتها وتقاليدها وقيمها وأخلاقها وسلوكها... هذه الأمور مجتمعة هي في صلب التنشئة الاجتماعية لدى الطفل، فإذا اختلفت المعايير التي ينضبط بها الطفل مع والديه مع المعايير التي ينضبط بها مع الخادمة يكون التناقض سيّد الموقف والأثر السلبي أكبر، مثل اكتسابه لغة الخادمة وقد لا تكون العربية، هنا تكمن الخطورة خصوصاً أن الأخيرة تتولى مسؤولية تلبية حاجات الطفل، فيحدث ارتباط عاطفي وجسدي بينهما كونها تمضي معظم وقتها معه وتصبح مرجعيّته الأولى، فيتعلّم سلوكها ويتحدّث بلغتها».

يشير عبد الكريم إلى أن المشكلة تبرز عند دخول الطفل إلى صفّ الروضة فيعاني، بسبب لغته التي اكتسبها من الخادمة، من تهكّم أقرانه وسخريتهم، ما يولّد لديه شعوراً بالنقص والغربة وحالات من الارتباك والتلعثم».

back to top