كيف يستجيب دماغنا للتخدير العام؟
تخطيط التغييرات التي تشهدها الدوائر العصبية الدماغية تحت تأثير المخدّر قد يلقي الضوء على أحد أكثر ألغاز علم الأعصاب تعقيداً ألا وهو: الوعي.
تُظهر شاشة الفيديو رجلاً في أواخر الستينات مستلقياً على طاولة الجراحات وفاتحاً عينيه. في خارج نطاق تغطية الكاميرا، يحرك طبيب أصابعه أمام وجه الرجل طالباً منه تتّبع حركتها بعينيه. بعد مرور ثوان قليلة على إعطاء المريض جرعة من العقار المخدّر القوي «بروبوفول»، راح جفناه ينطبقان على بعضهما البعض، ثم توقف البؤبؤان عن التحرّك. ما من شيء كان يدل على أن الرجل ما زال حياً سوى صوت التصفير الخلفي المستمرّ الصادر عن شاشة مراقبة دقات القلب. شرح الدكتور ايميري بروان قائلاً: «دخل المريض في حالة من الغيبوبة، فالتخدير العام يقوم على استخدام أدوية قادرة على التسبّب بغيبوبة معكوسة».بحكم عمله كطبيب في مستشفى ماساتشوستس العام، يشهد الدكتور براون بصورة مستمرّة على أكثر استكشافات الطب الحديث عمقاً وغموضاً. في الولايات المتحدة، يخضع يومياً ما يقارب الستين ألف مريض لعملية التخدير العام التي تفقدهم وعيهم وتسمح لهم بالتالي اجتياز أكثر الجراحات صعوبة وتعقيداً من دون الشعور بأي ألم.صحيح أن الأطباء يجرون التخدير منذ أكثر من 150 عاماً، إلا أنهم لا يزالون يجهلون حتى اليوم حقيقة ما يجري في دماغ المريض أثناء خضوعه للتخدير العام. حتى إنهم لا يعرفون الكثير عن مدى تأثير هذه الأدوية على الدوائر الدماغية نفسها التي نستخدمها خلال النوم، ولا عن الفرق بين التخدير وبين طرق فقدان الوعي الأخرى مثل الدخول في حالة من الغيبوبة بعد التعرّض لإصابة ما. فهل يقوم التخدير بإيقاف عمل أعضاء الدماغ أم أنه يوقف ببساطة عملية التواصل بينها؟ وما الفرق بين الخضوع للتخدير والخضوع للتنويم المغناطيسي أو الدخول في حالة من التأمّل العميق؟ وما الذي يحصل في الدماغ أثناء انتقال الإنسان من حالة الوعي إلى حالة اللاوعي؟ يجيب براون: «ما نعرفه أننا نستطيع إخضاعك للتخدير وإيقاظك منه بسلامة. لكننا عاجزون عن إخبارك بما يحصل فعلياً أثناء خضوعك للتخدير».يسعى براون، الذي يعمل أيضاً باحثاً في علم الأعصاب وأستاذاً محاضراً في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلى تحويل التخدير من مجرّد أداة سريرية حصراً إلى أداة قوية مستخدمة لدراسة الجوانب الأساسية المتعلّقة بالدماغ. كما يقول، ستساعد عملية فهم حقيقة ما يجري في الدماغ أثناء خضوعه للتخدير على جعل عمليات التخدير أكثر أماناً وفاعلية وعلى تقليل عوارضها الجانبية. كذلك قد تسهم في التوصل إلى علاجات جديدة لحالات الغيبوبة وللأمراض الدماغية الأخرى، وفي الإجابة عن بعض الأسئلة الأساسية في علم الأعصاب بما فيها طبيعة اللاوعي. في هذا السياق، يقول طبيب التخدير والباحث في علم الأعصاب في جامعة ميشيغان جورج مسهور: «علم التخدير أحد أشكال علم الأعصاب، ويتلخّص ما نقوم به يومياً في تغييرنا بشكل افتراضي كل جانب من جوانب الجهاز العصبي».إيقاع سريعلطالما كان علم الأعصاب يستفيد من التجارب الطبيعية، أي تلك التي يخسر فيها المرضى ذاكرتهم، أو قدرتهم على النطق، أو تنظيم مشاعرهم بعد تضرّر بعض أجزاء دماغهم أو استئصالها جراحياً. ولا ينفك أطباء التخدير يشرفون يومياً على مثل هذه الحالات، ويراقبون عملية اختفاء عناصر الوعي لدى المرضى. مثلاً، يفقد المرضى أثناء خضوعهم للتخدير العام القدرة على الشعور بالألم، والوعي، والذاكرة، والقدرة على التحرّك. ويستطيع طبيب التخدير التحكم بهذه التغيرّات بطرق مختلفة عن طريق تغيير جرعات الأدوية المستعملة وأنواعها.يقول براون: «إذا استقصينا مختلف الوظائف المرتبطة بالوعي، فقد نصبح قادرين على البدء بتجميع أقسام أحجية الصور المقطوعة.» عليه، قد يصبح علماء الأعصاب قادرين على البدء باكتشاف خفايا الوعي كما اكتشفوا خفايا كل من الذاكرة والنطق.يُشار إلى أن الدكتور براون ينتمي إلى مجموعة صغيرة من باحثين في علم التخدير يستخدمون آلة التخطيط الكهربائي للدماغ المعنية بمراقبة نشاط الدماغ الكهربائي، كي يفحصوا بصورة تدريجية كل جانب من جوانب عملية التخدير لدى الإنسان والحيوان. اليوم، أصبحت أجهزة مراقبة النشاط الدماغي الموصولة بجهاز تخطيط الدماغ الكهربائي شائعة في غرف الجراحات، وبعض أطباء التخدير يتعقّب نشاط المرضى الدماغي بواسطة شاشات مراقبة متوافرة في الأسواق تستخدم الخوارزميات لتحويل إشارات جهاز تخطيط الدماغ الكهربائي إلى فهارس خامة. (ثمة أطباء لا يراقبون سوى المؤشرات الجسدية مثل معدّل دقات القلب ومستوى الأوكسيجين في الدم). يضيف براون قائلاً إن قلة من الأطباء تحرص على قراءة البيانات الأولية الصادرة عن تخطيط الدماغ الكهربائي.ينظر بروان إلى هذه البيانات من وجهة نظر مغايرة لوجهات نظر معظم أطباء التخدير، إنها في الواقع وجهة نظر خبير في الإحصاء. فبعد حصوله على شهادة في الطب وعلى دكتوراه من جامعة هارفرد في أواخر الثمانينيات، حرص هذا الدكتور على العمل في هذين المجالين بصورة منفصلة. فكان يجري الجراحات في مستشفى ماساتشوستس العام من جهة، ويشرف على مختبر أبحاث متخصص في تطوير الخوارزميات التي تعالج الإشارات لاستخراج المعلومات من البيانات الحيوية من جهة أخرى.لم يكن بروان يقدّر تجارب علم الأعصاب التي كانت تجري أمامه يومياً، إلى أن جاء ذاك اليوم الذي اقترح فيه أحد زملائه القيام بدراسة عن المرضى الذين يخضعون للتخدير. يقول براون: «ما إن تتضح الأمور أمامك وتنقشع شيئاً فشيئاً، حتى تبدأ بإدراك أن أقسام الدماغ لا تتوقف عن العمل جميعها في آن. يحصل ذلك وفقاً لتراتبية معيّنة ولتدرّج محدد».يحصل الأمر نفسه عندما يبدأ مفعول الأدوية المخدّرة بالزوال. عادةً، تكون وظائف الدماغ الرئيسة أول الوظائف التي تستعيد نشاطها: في البداية، يعود الإنسان إلى التنفس، ومع دخول أقسام جذع الدماغ المسؤولة عن التحكم باللعاب وبقنوات الدمع حيّز النشاط، يمتلئ فم المريض باللعاب وعيناه بالمياه. كذلك يبدأ المريض بالبلع وبالسعال جراء استعادة المناطق المتحكّمة بالحاسة المرتبطة بالحلق نشاطها. في المرحلة الأخيرة، تبدأ عيناه بالتحرّك كما تظهر عليه علامات الاستجابة مع العالم الخارجي. بعد مرور بعض الوقت، يزول شعور الترنّح ويستأنف الدماغ وظائفه المعقدّة. يشرح براون: «عندما تتنّبه لهذه التحولات وتراقبها عن كثب، تكتشف أنها رائعة. كنا لنبدو مهملين بحقّ لو أننا لم نقرّر آنذاك المضي قدماً في أبحاثنا ومحاولة كشف طبيعة هذه الحالات وحقيقة ما يجري في الدماغ، والتفكير بطرق جديدة لتحسين عملية التخدير».أدوية مخدرة من جملة الأمور التي استرعت انتباه براون أثناء مراقبته تخطيط الدماغي الكهربائي الخاص بمرضاه، القدرة الكبيرة والسريعة التي تتمتّع بها الأدوية المخدّرة مثل البروبوفول على تغيير النشاط الدماغي. مع وصول مفعول المخدّر إلى المريض، يتحوّل نمط نشاط دماغه الطبيعي المتميّز بموجات منخفضة الحدّة إنما عالية التردد إلى نمط آخر يتميز بنبضات أقل تردداً إنما أكثر حدّة، وكأن نشاط الدماغ السريع تغيّر ليحل مكانه نشاطاً أكثر هدوءاً. كذلك لاحظ براون أن موقع التغييرات التي شهدها نشاط الدماغ انتقل من القسم الخلفي إلى القسم الأمامي من الدماغ. صحيح أن الأطباء يستطيعون إدخال المريض في حالة من اللاوعي العميق تصل إلى درجة إصدار جهاز التخطيط الكهربائي للدماغ خطوطاً مستقيمة مشيرة إلى انعدام أي نشاط دماغي، إلا أنه يلاحظ أنه في معظم الحالات يتناوب نشاط الدماغ المبيّن في التخطيط مع فترات من الجمود النسبي التي قد تدوم لبضع دقائق. يقول بروان إن الجراحات في الدماغ تبدو «منظّمة للغاية»، ويضيف: «يتّبع نشاط الدماغ أنماطاً زمنية ومكانية منتظمة للغاية».في الإطار عينه، يقول براون إن بعض الأدوية يتسبّب بانخفاض تردد الموجات الدماغية المبيّنة في قراءات التخطيط الكهربائي للدماغ، فتولّد بالتالي موجات متأرجحة بطيئة ومنتظمة في المناطق الكبيرة من الدماغ. في المقابل، يولّد بعض الأدوية الأخرى موجات متأرجحة سريعة ومنتظمة في بعض مناطق الدماغ. وبما أن أطباء التخدير يعمدون عادةً إلى إعطاء المريض مزيجاً من الأدوية المخدرة، قد تحدث آثار هذه الأدوية في آن. يشرح براون أن تأثير الأدوية يتمثّل في اكتظاظ الإشارات الدماغية وفي عجز مختلف أقسام الدماغ عن التواصل مع بعضها البعض.خلال الأعوام القليلة الماضية، أيدّت الدراسات التي أجريت على تخطيط الدماغ الكهربائي الفكرة القائلة إن المخدّر لا يوقف عمل الدماغ فحسب، إنما يؤثر أيضاً على شبكات الاتصال القائمة داخل الدماغ. أظهر بحث الدكتور مسهور مثلاً أن التغذية الاسترجاعية بين القسم الأمامي والخلفي من الدماغ تتعطّل أثناء خضوع المريض للتخدير العام، ما يؤدي بالتالي إلى قطع الاتصال بين مختلف الشبكات الموجودة في الدماغ، ويُعتقد أن التغذية الاسترجاعية عنصراً مهماً لدراسة حالة الوعي.في الإطار عينه، يقول أنثوني هيودتس الذي يعمل كطبيب تخدير في كلية الطب التابعة لجامعة ويسكنسن بولاية ميلووكي، إن تأثير التخدير لا ينحصر بمجرّد تعطيل الحواس. أجرى هيودتس تجربةً أعطى فيها جرعات بسيطة، تقل عن تلك المعطاة في المستشفيات، لبعض المتطوعين وبمراقبة نشاط دماغهم أثناء فقدانهم لوعيهم. يقول في هذا المجال: «وجدنا أن الدماغ المُخدّر كان لا يزال يتفاعل على نحو كبير مع المحفّزات». أظهر تخطيط الدماغ الكهربائي وتقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي المعتمدة عادةً لقياس النشاط الدماغي بطريقة غير مباشرة، أن الدماغ المُخدّر كان يتفاعل مع الضوء والأصوات. لكن لسبب ما لم تكن هذه المعلومات الحسّية تُعالج وتُدمج في نوع النشاط الضروري لتحفيز الوعي.قد يساعدنا فهم هذه التغييرات فهماً معمّقاً على ابتكار علاجات جديدة للإصابات الدماغية ولسائر الاضطرابات، فأنماط الموجات المتأرجحة والمنتظمة انتظاماً دقيقاً التي لوحظت في أدمغة المرضى الذين أعطيوا أدوية مخدّرة كانت مشابهة للأنماط التي لوحظت لدى الأشخاص الذين فقدوا وعيهم خلال نوبات الصرع أو الذين دخلوا في غيبوبة عميقة. كذلك تشبه حالة نصف الوعي الناتجة من تناول كميات صغيرة من الأدوية حالة التيّقظ العادي أو مراحل النوم الأولى. لكن كي يكتشف العلماء والباحثون بدقة الطريقة التي تترابط بها هذه الأنماط وأسباب هذا الترابط، لا بد لهم من القيام بأبحاث ودراسات أكثر عمقاً.تخطيط انهيار الشبكاتبغية التحقق مما إذا كان التخدير يتسبّب بتعطيل التواصل بين مختلف مناطق الدماغ، يحتاج العلماء إلى طريقة تسمح لهم بتخطيط النشاط الدماغي في هذه المناطق وبتجسيد التفاعلات القائمة بين هذه المناطق مع تفاصيل مكانية أكبر. من هنا، جاء اختيارهم لتقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي التي تقيس التغييرات في تدفق الدم المرتبطة بالنشاط العصبي. أثناء عمله مع المهندس البيولوجي باتريك بوردون وغيره من الزملاء في مستشفى ماساتشوستس العام، طوّر براون طريقة تسمح له في الوقت نفسه بالحصول على تسجيلات تخطيط الدماغ الكهربائي وإجراء مسح بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لأدمغة المرضى أثناء دخولهم في حالة من التخدير العميق.تنطوي عملية تصوير دماغ المريض الذي يخضع لعملية تخدير على بعض الصعوبات لأنها تتطلّب تخدير المريض داخل الماسح الضوئي وخارج غرفة الجراحات العادية. لكن نجح براون وزملاؤه في إيجاد طريقة لحل المشاكل التقنية ومشاكل السلامة العامة، إذ استعانوا بمتطوّعين سبق لهم وأن خضعوا لجراحات ثقب القصبة الهوائية، ما يعني أنه سيكون من السهل على العلماء استعمال أنبوب لتنظيم تنفس المتطوّعين عند وقوع أي طارئ. في عام 2009، أظهر الباحثون أنهم يستطيعون أن يسجّلوا تخطيط الدماغ الكهربائي وبيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي الخاصة بالأشخاص المخدّرين من دون تعريض حياتهم للخطر. أما اليوم، فنجدهم يعملون على الربط بين التصوير وبيانات تخطيط الدماغ الكهربائي من جهة، والتغييرات الملاحظة في نشاط أدمغة المرضى الذين يخضعون للتخدير من جهة أخرى.يعمل براون أيضاً مع بوردون على دراسة مرضى الصرع الذين زُرعت في أدمغتهم إلكترودات لأيام عدّة بغية تسجيل نوبات الصرع وتحديد موقعها. ففي الوقت الذي يخضع فيه المرضى لجراحة ترمي إلى إزالة مناطق الدماغ المعروفة بمناطق النوبات، تسجل الإلكترودات نشاط الموجات الدماغية أثناء إخضاع المريض للتخدير. صحيح أن هذه الإلكترودات تجمع بيانات تغطي مناطق دماغية أصغر من تلك التي يغطيها التخطيط الكهربائي أو التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، إلا أن دقة البيانات المتأتية عن الإلكترودات أكبر بكثير وتسمح للعلماء بفهم ما يجري في الدماغ على المستوى الخلوي أثناء خضوع المريض للتخدير. قد يساعد إجراء دراسات إضافية على أدمغة الحيوانات على كشف مزيد من التفاصيل لأن دماغ الحيوان يسمح للعلماء بزرع الإلكترودات على نطاق أوسع وفي مواقع محددة. كذلك ستمكن هذه الدراسات الباحثين من أن يوثّقوا، من داخل الدماغ نفسه، تغيرات يشهدها نشاط الدماغ عند انتقاله من حالة الوعي إلى حالة اللاوعي.عناصر الوعيإذا كنت قادراً على تبيان المراحل التدريجية التي يمرّ بها الدماغ أثناء فقدانه للوعي تحت تأثير الأدوية المخدرة، هل بامكانك تعريف الوعي؟لا يتردد الدكتور براون في الإشارة إلى أنه لا يدرس الوعي بصورة علنية. فكلمة الوعي كلمة فوضاوية يحاول الكثير من علماء الأعصاب تفادي استعمالها. في الواقع، تتلخص مقاربته في دراسة ما يُسمّى بحالات الإثارة المتغيّرة التي تشمل التخدير، والنوم، والغيبوبة، والتنويم المغناطيسي، والتأمّل، بالإضافة إلى بعض أنواع الإضطرابات مثل الفصام والصرع ومرض الباركنسون. ويعتقد براون أن فهم طريقة عمل الدماغ عندما لا يكون في حالة وعيه الطبيعية سيساعد حتماً في تعريف حالة الوعي.نجحت بعض الدراسات التي تناولت عمليات التخدير، في التشكيك في نظرية مشهورة تربط الوعي بنوع معيّن من الموجات الدماغية يبلغ تردّدها ما يقارب الأربعين هرتز. وفي هذا السياق، يشير ماسهور إلى ان الأبحاث التي أجريت عن التخدير تظهر أن هذه الموجات تتواجد حتى في دماغ المرضى الفاقدين للوعي. ولكن الأنماط التي لاحظها أطباء التخدير تؤيد نظرية أخرى تعتبر أن الوعي ينبثق عن تكامل بين معلومات موجودة في شبكات كبيرة في الدماغ. ويقول هيودتس إن الأدوية المخدّرة المختلفة تتمتّع بتركيبات كيميائية مختلفة وبآثار مختلفة مثل حجب الذاكرة أو إبطاء عمل الدماغ، ولكن « إذا أعطينا كميات كبيرة بما فيه الكفاية من هذه الأدوية، سنلاحظ أنها ستقوم في مرحلة معيّنة بالقضاء على حالة الوعي. والحالة هذه، كيف نستطيع أن نصل إلى هذه النتيجة المشتركة مع وجود كل هذه الأدوية المتنوّعة التي تعمل وفقاً لآليات جزيئية مختلفة؟» تعتبر الإجابة الوحيدة عن هذا السؤال أنه بما أن الوعي ناتج عن التفاعل المركّب بين مختلف أنواع الأنشطة الدماغية، يمكن بالتالي تعطيله بطرق مختلفة عدة.يأمل الدكتور براون في أن تمتدّ النتائج التي توصل إليها عمله إلى مجالات أخرى. فمعرفة المزيد عن طريقة عمل الدماغ أثناء خضوعه للتخدير، قد تساعد الباحثين على مراقبة نشاط دماغ المرضى الغارقين في حالة إنباتية وقد تكشف أنهم يشعرون بما حولهم أكثر مما كان يُعتقد سابقاً. بالإضافة إلى ذلك، قد تنبثق عن هذا البحث تقنيات تخدير أكثر أماناً مفيدة لمعالجة اضطرابات النوم، كذلك قد تتولّد عن طرق إحياء الوظائف المعرفية لدى الأشخاص المخدّرين استراتيجيات جديدة قادرة على إخراج الناس من حالة الغيبوبة. في هذا الإطار، أظهرت دراسات تناولت عقار الكيتامين المخدّر المستخدم بصورة شائعة في عمليات التخدير أنه قد يكون مفيداً لمعالجة مرض الاكتئاب؛ كذلك قد يتبيّن أن الأدوية المخدّرة الأخرى تتمتّع بقدرات علاجية تخولها لتصبح أدوية للأمراض النفسية.ختاماً، لا بد من القول إن دراسة ظاهرة فقدان الوعي تحت تأثير التخدير لن تكشف طبيعة العقل الواعي فحسب، إنما ستلقي أيضاً الضوء على هذه الأشكال الخامدة أو المتبدّلة من حالة الوعي.