جين أوستين إلى الواجهة مجدداً.. هل ماتت مسمومة بالزرنيخ؟!

نشر في 27-11-2011 | 00:02
آخر تحديث 27-11-2011 | 00:02
No Image Caption
يمكن القول إن موت المشاهير (أو بعض الأحداث في حياتهم) بات مصدر إلهام لكتابة العشرات من الروايات والأبحاث والمقالات. من يتابع هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، يلاحظ مدى اهتمام الغربيين بها، إذ يختار الباحث أو الروائي موت أحد النجوم ليصنع من تداعياته كتاباً أو مقالاً فيه كثير من التشويق (صدرت عشرات الكتب حول موت مارلين مونرو)، وهذا ما حصل أخيراً في رواية «الموت الغامض للآنسة أوستين» عن الروائية جين أوستين للكاتبة ليندسي أشفورد.

قبل البدء في الحديث عن الروائية جين أوستين وموتها الغامض وما استنتجته الكاتبة ليندسي اشفورد، ربما علينا التأمل في جملة أخبار ثقافية حول موت المشاهير، خصوصاً الأدباء والشعراء والرسامين. لنتذكر مثلاًً كيف عاد بعض الباحثين الألمان لتبيان حقيقة قطع أذن فان غوغ، وقد خلص مؤرِّخان ألمانيان إلى أن هذا الرسام لم يقطع أُذنه بنفسه، كما هو شائع، بل قطعها له صديقه ومنافسه الرسام الفرنسي بول غوغان.

نشر المؤلفان أُطروحتهما، في كتاب صدر في ألمانيا، فدحضا الرواية المعروفة التي كانت تقول بأن فان غوغ بتر أذنه اليمنى تحت وطأة حالة من الإنهاك العصبي والجنون، بعد مشاجرة مع صديقه غوغان، ويأسه من تحقيق مشروعه في إقامة تعاونية للرسامين في مدينة آرل. يُشار إلى أن الغرب يهتم بقضية أذن فان غوغ، بينما في العالم العربي شخصيات أدبية وفكرية كثيرة قُتلت اغتيالاً ولا يجرؤ أحد في البحث عن موتها وحقيقته.

في سياق متصل، وبعد مرور 40 عاماً على غياب الشاعر التشيلي بابلو نيرودا والذي قيل إنه توفي بالسرطان، أطلَّ سائقه مانويل أرايا، ليؤكد أن نيرودا مات مقتولاً من عسكر بيونشيه. ورد هذا التصريح خلال لقاء منشور أجرته مجلة «بروسيسو» المكسيكية مع السائق، وطبقاً لأقوال الأخير عن مجريات الأحداث في شريط فيديو، فإن نيرودا كان يتمتَّع بصحة جيدة، وقرر حينها الإقامة في المنفى، في المكسيك، ابتداءً من يوم 24 سبتمبر (أيلول) عام 1973، أي قبل يوم من وفاته.

صار موت نيرودا لغزاً جديداً وفكرة لفيلم سينمائي أو رواية، تماماً كلغز الشاعر غارسيا لوركا في إسبانيا الذي قتله الجنرال فرانكو وهناك من يبحث عن عظامه الآن. كذلك بعد مرور 50 عاماً على رحيل الروائي الفرنسي ألبير كامو بحادث سير في الجزائر، جاء من يقول إن الحادث دبَّرته أجهزة الاستخبارات السوفياتية.

جاء على لسان جوفاني كاتيللي، الخبير في أوروبا الشرقية أن الأمر لهذه العملية صدر شخصياً عن وزير الخارجية السوفياتي آنذاك ديمتري شيبيلوف، انتقاماً منه على انتقاد حملة القمع التي قامت بها موسكو ضد الانتفاضة المجرية في الخمسينيات، من خلال مقال نشره الكاتب كامو في مارس 1957، وهاجم فيه صراحة الوزير بسبب أحداث المجر.

نصل إلى بيت القصيد. بعد مرور نحو قرنين على موت جين أوستين، ادعت الخبيرة في كتابة الجريمة ليندسي أشفورد أن سبب وفاة أوستين هو التسمم بالزرنيخ وليس السرطان، وأنها استقت تلك النتيجة بعد قراءة مستفيضة لرسائل الروائية الراحلة الشخصية.

ليندسي أشفورد، التي توجهت إلى مسقط رأس أوستين، منذ حوالى ثلاث سنوات، وشرعت بكتابة روايتها البوليسية الجديدة بعنوان «الموت الغامض للآنسة أوستين»، سريعاً ما وقعت يدها على مجلد يضم رسائل أوستين، وذات صباح انتبهت لعبارة كتبتها الروائية قبل أشهر قليلة من وفاتها، وورد فيها: «أنا الآن أتحسن بشكل كبير وها أنا أستعيد لياقتي قليلاً، بعدما كنت متهالكة، ويغلب علي اللونان الأبيض والأسود والألوان العليلة الأخرى».

لأنها درست تقنيات الجرائم الحديثة والسموم لتساعدها في كتابة روايتها البوليسية، أدركت أشفورد فوراً أن هذه الأعراض قد تعزى للتسمم بالزرنيخ، والذي يتسبب بذوبان «الألوان والصبغات»، فمساحات من الجلد تصبح بنية أو سوداء، بينما تتحول مساحات أخرى إلى اللون الأبيض.

ترى أشفورد في هذا الوصف أعراض التسمم بالزرنيخ الذي يبدِّل لون الجلد سريعاً، إلى بقع يتراوح لونها من البني حتى الأسود. بعد فترة قصيرة، التقت أشفورد بالرئيس السابق لـ{جمعية أنصار جين أوستين» في أميركا الشمالية، الذي أخبرها أن خصلة من شعر أوستين، وهي بين محفوظات أحد المتاحف المجاورة، قد فحصها زوج من الأميركيين، وهما حاليا في عداد الأموات  للتأكد من فرضية التسمم، وهذا بعدما اشتريا المحفوظات في مزاد عام 1948، وكانت النتيجة إيجابية. يُذكر في هذا السياق أن الرواية عن موتها تقول إنها أصيبت بمرض «إديسون» وهو مرض يصيب الكلى، وبعد فترة قصيرة لم تعد تستطع السير لمسافة طويلة، وقد استخدمت للتنقل عربة القردة، التي ما زالت حتى الآن في متحف جين أوستين في (شاوتون).

في مايو (أيار) عام 1817 تدهورت صحة أوستين، ولم يتوافر علاج لمرضها، وتوفيت بين ذراعي أختها في الساعات الأولى من يوم 18 يوليو (حزيران) 1817، وكان عمرها 41 عاماً.

تخمينات ورفض

ترفض المسؤولة عن طبع روايات أوستين في «دار كامبريدج» جانيت تود تخمينات أشفورد، ومع أن الأخيرة حريصة ومتلهفة لرؤية عظام أوستين وهي في المختبر لتحليل وجود الزرنيخ، فهي تعلم أن هذا غير ممكن. عن ذلك قالت: «أستطيع أن أفهم أن المجتمع سيثور ضد هذه الفكرة «.

يمكن القول إنه سواء كانت تحليلات ليندسي أشفورد حول أوستين حقيقة أم قائمة على التخمينات، فهي في الأحوال كافة صنعت ميديا لروايتها الجديدة، وأدخلتها في لائحة الكتب التي ستحظى باهتمام القراء والنقاد، خصوصاً أنها حول رواية الروائية الأكثر إلهاماً لأفلام السينما والدراما التلفزيونية، وقد توقفت عن الكتابة عندما شعرت أنها غير قادرة على التمييز بين مجريات حياتها الخاصة وبين حبكة النص الروائي. تعتبر أوستين من رواد الحركة الروائية البريطانية، إذ تمتعت كتاباتها بخصوصية ميزت أدبها بظرافة وجمال لغوي لا يخلو من رشاقة البنية السردية، ومن سخرية الأسلوب، إذ عبّر أدبها عن مرحلة انتقالية في الأدب الإنكليزي، من أدب القرن الثامن عشر الموسوم «بالكلاسيكية الجديدة» إلى أدب القرن التاسع عشر الذي وصف بـ{الأدب الرومنسي».

back to top