الاحتباس الحراري يهدِّد الأرض تحاليل غير مطمئنة
في أحد أيام مليارات السنين الماضية، حلّت كارثة بالكواكب الأكثر قرباً من الأرض. يعتقد علماء جيولوجيا الكواكب أن ثمة دلائل كثيرة تشير إلى أن فينوس وقع ضحية انبعاثات منفلتة من غازات الدفيئة حوّلته إلى الكرة المشتعلة التي هو عليها اليوم. ويتوقع العلماء بصورة شبه مؤكدة أن تصيب كارثة مماثلة كوكب الأرض في غضون مليوني سنة تقريباً مع ازياد توهج الشمس ولمعانها.
يطرح الحديث عن تحوّل الأرض إلى الكرة المشتعلة سؤالاً مهماً: هل تكون انبعاثات ثاني أوكسيد الكاربون الناتجة من ممارسات البشر محفّزاً على تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري؟بحسب عالم المناخ جايمس هانس، هذا احتمال وارد للغاية، فقد كتب منذ بضعة أعوام: «إذا حرقنا احتياطات النفط والغاز والفحم كافة، ستكون لدينا فرصة كبيرة في التسبّب بتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. وإذا حرقنا رمال القطران وطين القطران الصحفي، أعتقد بأننا سنجعل من الأرض كوكب فينوس آخر».نشر أخيراً كل من كولين غولدبلايت من جامعة فيكتوريا الكندية وآندرو واتسون من جامعة إيست آنغليا البريطانية، تحليلاً مثيراً للاهتمام لهذه الإجابة، ومع أنهما بعيدان كل البعد عن التشاؤم الذي ينظر به هانس إلى مستقبل كوكب الأرض، إلا أن النتائج التي خلصا إليها لم تكن جميعها مطمئنة، إليكم نبذة عنها.يخشى هذان العالمان، بحسب Technology Review، من أن يساهم تزايد انبعاثات ثاني أوكسيد الكاربون في الغلاف الجوي في ارتفاع درجة حرارة الأرض، وفي تسريع عملية تبخّر مياه المحيطات. فالبخار المائي الإضافي (أحد الغازات الدفيئة) يؤدي إلى تفاقم الاحتباس الحراري ودخول عملية التبخر في حلقة مفرغة من ارتفاع درجات الحرارة، ما قد يسفر في نهاية المطاف عن تبخرّ المحيطات.لا تتوقف هذه الظاهرة إلا عندما تصل حرارة الغلاف الجوي إلى ما يقارب ألف و400 درجة مئوية، حينها تنبعث عنه أشعة حرارية لا يستطيع البخار المائي امتصاصها. هكذا ينتهي الأمر بهذه الأشعة بالانتشار في الفضاء.بالتالي، يعتبر هذا السيناريو ألا شيء قادر على وضع حد لتفاقم ظاهرة الاحتباس عند حصول ارتفاع صغير في درجات الحرارة مثل الارتفاع الحراري الذي شهده العلماء في الأعوام القليلة الماضية. إلا أن السجلات المعدّة على مرّ السنين تظهر لنا أن الارتفاع البسيط في درجات الحرارة لا يؤدي إلى انفلات غازات الدفيئة.يدرك علماء الفيزياء الجوية أن فيزياء الغلاف الجوي ليست بهذه البساطة. في هذا الإطار، يشير غولدبلايت وواتسون إلى أنه عندما ترتفع الحرارة تبعث الأرض كمية كبيرة من الحرارة إلى الفضاء، ما يؤدي إلى تبريد هذا الكوكب ويعيد إليه توازنه. أهم ما علينا معرفته أن ثمة حداً أقصى لكمية الإشعاع التي قد تنبعث عن الغلاف الجوي، ما يعني أن ظاهرة الاحتباس الحراري لا تتفاقم إلا عندما تقترب الأرض من بلوغه.السؤال الذي يشغل بال الجميع راهناً: هل يمكن لانبعاثات غازات الدفيئة التي تسبّب بها الإنسان على مرّ تاريخه أن تجعل كوكب الأرض يقترب من هذا الحد الأقصى وتسفر بالتالي عن تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري؟يجيب غولدبلايت وواتسون عن هذا السؤال كما يلي: «الخبر السار أن الدلائل كافة تقريباً تدفعنا إلى الاعتقاد بأن من المستبعد أساساً أن تتفاقم هذه الظاهرة جراء إدخال كميات من غازات الدفيئة غير القابلة للتكاثف، مثل ثاني أوكسيد الكابون، إلى الغلاف الجوي».دور الغيومفي المقابل، ثمة تحذير مهم لا بد من التوقف عنده، فالفيزياء الجوية علم معقّد للغاية إلى درجة أن علماء المناخ لا يعرفون عن قوانينها ومفاهيمها سوى الشيء القليل. مثلاً، يقرّ غولدبلايت وويلسون بأن الاستنتاجات الواردة أعلاه لم تأخذ بعين الاعتبار الدور الذي قد تضطلع به الغيوم في هذه العملية، وبأن جهل العلماء بعمليات تنطوي عليها ظاهرة الاحتباس الحراري تطرح علامات استفهام بارزة. في هذا الإطار، يقول غولدبلايت وواتسون: «هل ثمة دراسات فيزيائية ناقصة أو افتراضات غير مدعّمة، إذا صححناها اليوم أظهرت لنا أن الاحتباس الحراري آيل إلى التفاقم؟ لا نستطيع الإجابة عن هذا السؤال».إننا أمام واقع مثير للقلق، والمطلوب من دون أدنى شك هو بذل جهود حثيثة لفهم فيزياء الغلافات الجوية الرطبة والساخنة فهماً أفضل، وهذا تحديداً ما قد بدأ البعض القيام به.يخشى غولدبلايت ووالتسون أن يضطرا إلى البدء بالتفكير باستراتيجيات للتخفيف من مخاطر الاحتباس الحراري، في حال تبيّن أن تحليلهما غير صحيح: «سنصبح في وضع صعب لن تخرجنا منه سوى الهندسة الجغرافية». يُذكر أن هذين العالمين كانا قد خصّصا بعضاً من أبحاثهما لدراسة هذه المشكلة، يذكران: «قد يشكل تغيير مدار الأرض حلاً مستداماً في المستقبل البعيد».«يبقى الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة ضرورة لا مفرّ منها»، كتب غولدبلايت وواتسون في خاتمة بحثهما.