عقب فوزه بجائزة الدولة التشجيعيّة...الشاعر إبراهيم خطّاب: قصائد الثورة لحظيّة وموتها سريع
الشاعر إبراهيم خطّاب: قصائد الثورة لحظيّة وموتها سريعفاز الشاعر والروائي المصري إبراهيم خطّاب بجائزة الدولة المصريّة التشجيعية أخيرا،ً وهو يرفض اعتبارها «تتويجاً لمشواره الإبداعي»، ويشير في حواره مع «الجريدة» إلى أن القصائد التي خرجت من رحم الثورة المصرية تحريضية أكثر منها إبداعية، وإلى ثقته في «الشعب المصري العظيم وقدرته على استكمال مسيرة ثورته حتى إنجاحها». عن قصته مع الشعر والجائزة أجرينا معه هذا الحوار...
متى بدأ اهتمامك بالشعر والأدب؟عملت في شبابي عتالاً أحمل «الطوب» الذي يُستخدم في بناء العمارات، لكنني كنت مشغولاً منذ صغري بالقراءة عموماً وبالأدب خصوصاً على رغم ضيق ذات اليد وانتمائي إلى أسرة من مساتير الناس كغيرهم من فقراء المصريين في أرياف مصر.أثناء فترة الراحة من العمل، كنت أقرأ من بين الكتب التي أحملها معي ما لذّ وطاب من غذاء الروح، وأذكر منها جيداً «يتحدث الطمي» للشاعر محمد عفيفي مطر و{لا تصالح» و{الكعكة الحجرية» لأمل دنقل و{مدينة بلا قلب» لأحمد عبد المعطي حجازي و{الناس في بلادي» لصلاح عبد الصبور، وكثيراً من أعمال محسن الخياط وفؤاد حداد وسيد حجاب وأحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ومحمد الماغوط وأدونيس ومحمود درويش وسميح القاسم وجيمس جويس وميللر وشكسبير وسونيكا... وغيرهم الكثير من أدباء وكُتاب حظيت بصداقتهم الإبداعية وما زلت.ما الجنس الأدبي الذي بدأت به تجربتك الشعرية، وهل برز في كتاباتك الأولى ملمح سياسي أو اجتماعي بعينه؟جاءت كتاباتي كافة في تلك الفترة بين القصيدة الزجلية والعامية، وحملت جميعها بين طياتها الطابع السياسي غير المؤدلج لمفهوم أو توجّه بعينه. ربما كانت المفاهيم والأيديولوجيات كافة عندي واضحة المعالم تماماً من خلال أسرتي البسيطة وأهل قريتي من الكادحين ورفاقي من العمال. وأتصوّر أن هؤلاء جميعهم أهم من الأحزاب والتيارات السياسية والأيديولوجيات، وسيبقون معي حتى نهاية العمر. هؤلاء هم «الطينة الخام» النقية الصافية غير المدنّسة، هؤلاء الذين لا يطمحون سوى الى الستر في الدنيا والآخرة، هؤلاء الذين لا يتاجرون بالدين ولا بالسياسة ولا بضمائرهم الحية المتوهّجة بالحب والتسامح والنبل للجميع، من دون اكتراث لما يملك هذا وذاك.مرت رحلتي بمحطات مهمة كثيرة، ربما كان أهمّها جلوسي كأصغر تلامذة الشاعر الكبير الراحل عبد المنعم الأنصاري في قصر ثقافة الحرية في الإسكندرية، وكانت أول قصيدة شعرية لي تنشر في جريدة «السفير» من خلال الشاعر الكبير الراحل محمد رخا، ولا أستطيع تصوُّر مدى فرحتي الغامرة آنذاك فتوجّهت إلى أمي فرحاً وكانت في السوق حيث كانت تبيع الخضراوات، وأنا أفتح لها الجريدة، وقد نسيت أن أمي لا تقرأ ولا تكتب، لكنها احتضنت الجريدة بين ضلعيها وهي تقبّلها قائلة لي: «روح يابن بطني إلهي ربنا يديك من السما ينزل ومن الأرض يطلع يا إبراهيم».هل ثمة قامة شعرية معيّنة تأثرت بها؟تأثرت كثيراً بالشاعر المصري سمير عبد الباقي، فحينما توجّهت إلى القاهرة في منتصف الثمانينيات بدعوة من «حزب التجمع»، وكان يشاركني اللقاء الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر، وبعدما انتهيت من قصيدتي اصطحبني عبد الباقي إلى منزله في جزيرة بدران وأعطاني كل ما كنت أحلم به من شاعر لمبتدئ صغير من كتب ودواوين شعرية مختلفة وأعمال إبداعية مترجمة وخلافه، وسرعان ما كرّر معي الأمر الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر في قريته القريبة من قريتي مانحاً إياي قدراً كبيراً من علم الشعر في مناقشته لي، وكانت هذه المناقشة بمثابة نقطة التحوّل في حياتي الأدبية وتغيير مساري الإبداعي. كان حديث عفيفي لي يدور حول الحرية التي تنتزع ولا تمنح، مؤكداً أن الفارق كبير بين أن تكتب ما يرضي الناس وأن تكتب ما تستشعره أنت، حتى لو كان ذلك لا يتوافق مع المزاج العام، ومنذ تلك اللحظة بدأت أكتب إبراهيم خطاب الذي أعرفه وأحسّه بكل صدق، ولا أخفي عليك بدأت أواجَه بعاصفة من السخرية المرّة والاستهزاء المقيت حول ما أكتب.ماذا كان موقفك من تلك السخرية؟لم أردّ ولم أعقّب عليها، لكنى الآن والآن فحسب أقول لكم وبالحق أقول: «أنا أكتبني، وأكتبني فحسب كواحد من أبناء قرية «الدلجمون» من أبناء مصر، من أبناء الأمة العربية، كواحد من هذا الوجود الإنساني على بساط الكون فاسمعوا مني إن شئتم ولا تأخذوا عني».كيف تنظر إلى جائزة الدولة التشجيعية التي حصلت عليها أخيراً؟جائزة الدولة ليست تتويجاً لي على مشوار إبداعي بدأته منذ عشرات السنين، فهذا كلام مغلوط وغير حقيقي أبداً. لكني أقول إنها بداية لي في طريق أحاول فيه منذ سنوات كتابة الشعر الذي أعرفه وما زلت أحاول، وفي كل قصيدة أكتشف أنني لم أكتب ما كنت أرغب في التعبير عنه، فأكتب قصيدة أخرى محاولاً استكمال نقص القصيدة الأولى من جماليات وإحساس ومشاعر، فإذا بالقصيدة الثانية لا تزيد على القصيدة الأولى في مساوئها، فأحاول في الثالثة والرابعة والخامسة والديوان والدواوين جميعها... للأسف حتى هذه اللحظة الراهنة لم أكتب الشعر بعد، لكني أحاول أن أتهجى طريقي إلى كتابة قصيدة شعرية تخونني كل مرة، وتخرج قصيدة لكن لا علاقة لها في نظري بالشعر الذي أرغب في كتابته. فالسموات والأرض والجبال والنجوم والكواكب والقمر والبحار والأنهار والمحيطات وأصحاب المهن جميعهم والزراعة والحصاد والري... هذا كلّه وأكثر أحد أجود أنواع الشعر، لكن كيف نكتبه؟! يظلّ السؤال هنا طويلاً بلا إجابة.ما تقييمك للقصائد التي كُتبت عن الثورة منذ اندلاعها وحتى الآن؟أتصوّر أن غالبية القصائد الشعرية العظمى التي خرجت من رحم الثورة المصرية المباركة هي بمنزلة قصائد آنية ولحظية، لا يمكن محاسبة أصحابها عليها باعتبارها إبداعا خالصاً، فأنا أشك إلى حد كبير في مثل تلك القصائد قبل هضم الحدث والتعامل كحالة معايشة، إلا إذا كان ثمة من الشعراء مَن يملك القدرة على التعامل مع حدث عبر أسابيع عدة وإن كنت أشك في ذلك كثيراً. عموماً، في مثل هذه الأمور معظم القصائد ذو منحى تحريضي وثوري أكثر منه إبداعي، لأن هذا ما يلزم الثورات لاستنهاض الهمم ورفع درجة الحماسة والمؤازرة لدى الثوريين عموماً.في سطورإبراهيم خطاب شاعر وروائي مصري وعضو في «اتحاد كتاب مصر»، صدرت له أعمال شعرية وروائية عدة أبرزها: «جمانا... فراشة غيم، الدرويشة، عمد الجلالة، شجر الصراحة، البنت شمس الخيل، نبوية الماشطة، العباءة، مطايا الغفلة، بيت الصوالحة». كذلك أصدر دراسات شعرية عدة حول شعراء كبار مثل سيد حجاب وفؤاد قاعود وأحمد عبد المعطي حجازي، وله دواوين ودراسات نقدية عدة تحت الطبع أبرزها «تطور حركة الغناء المصري 1800 - 2010» و{شعر العامية المصرية السؤال والإجابة الغائبة».حصل خطّاب على جوائز أدبية عدة وكُرِّم في بلدان عربية وأوروبية من بينها: إيطاليا والأردن والعراق وليبيا. كذلك تُرجم بعض أعماله إلى اللغتين الإنكليزية والألمانية عام 2010.