الملك الأسطورة (1): فريد شوقي... التمثيل حلم الطفولة وأمنية الأب

نشر في 01-08-2011 | 22:02
آخر تحديث 01-08-2011 | 22:02
فريد شوقي... فنان وإنسان عملاق، ظلّ تحت الأضواء سنوات طويلة فزادته تألقاً، واستمرّ نجماً حتى الرمق الأخير من حياته، بعدما كسر كل قواعد النجومية من شباب ووسامة وشعر مصفّف، ليصبح نجماً يكبر مع الزمن بحسن الأداء وعمق التجربة الفنية وطيبة القلب وقوة الشخصية والسيطرة على الأضواء، التي استطاع ابتلاعها ولم يتركها تبتلعه، فتحوّل من فنان كبير له تاريخ، إلى أسطورة اتسعت وتعمّقت.

اعتادت الجماهير العربية أن تسمع أو تقرأ أو حتى تشاهد، تكريم من يعملون بالفن، غالباً بعد رحيلهم، وقلة منهم يتم تذكّرها في الوقت الضائع، لتجد من يُكرَّم منهم، يصطحبه أحد الشباب إلى منصة التكريم لعجزه عن المشي بمفرده، أو يدخل من خلفية المسرح على كرسي متحرك، لأنه لم يعد قادراً على الحركة، وإذا شاءت الأقدار وكُرّم أحد الفنانين وهو لا يزال قادراً على العطاء، فمن المؤكد أنه أحد المحظوظين النادرين في دنيا التكريم والعرفان بالجميل.

هذا الكلام ينطبق بدرجات متفاوتة على كل أهل الفن منذ مطلع القرن العشرين، حتى بداية الألفية الثالثة، كلّ وفق مكانته وتاريخه وعطائه، باستثناءات قليلة جداً، مثل السيدة أم كلثوم والموسيقار محمد عبد الوهاب والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، في الموسيقى والغناء ممن نالوا حقّهم في عنفوانهم.

أما في التمثيل فربما لم يكن هناك سوى فريد شوقي، على رغم أنه تتلمذ على أيدي جيل، وُصفت غالبيته بـ «العمالقة الرواد»، أمثال نجيب الريحاني، يوسف وهبي، أنور وجدي، إسماعيل ياسين، حسين صدقي، وغيرهم، فضلاً عن نشأته وخروجه وسط جيل من أطلقوا عليهم «الكبار»، وهم لا يقلون عنه فناً وقامة، أمثال شكري سرحان، يحيى شاهين، محسن سرحان، كمال الشناوي، رشدي أباظة، وآخرين، غير أن الأقدار أبت إلا أن يكون وحده فريد شوقي الذي ينفرد بكل هذا الحب، وكل هذه التكريمات، وكل هذه الفرص التي صنعت منه نجماً لامعاً فوق قمة الهرم الفني. فهو ممثل، كتب لنفسه قصصاً وسيناريوهات بعض أفلامه (ما يقرب من 22 فيلماً من تأليفه)، منتج له وللغير (أنتج حوالى 26 فيلما)، قام ببطولة ما يقرب من 15 فيلماً للسينما التركية نالت نجاحاً كبيراً، أدى بطولة ما يقرب من 18 مسرحية، كتب ومثّل أكثر من 12 مسلسلاً تلفزيونياً، قدّم ما يقرب من 400 فيلم، ما بين تمثيل وكتابة سيناريو وإنتاج، بداية من الأدوار الثانوية حتى البطولة المطلقة، حصل عنها على حوالى 92 تكريماً وجائزة، من بينها وسام الجمهورية للفنون من الرئيس جمال عبد الناصر.

مرّت حياته الفنية بأكثر من خمس مراحل، تنقّل فيها بين الصعلكة والشر والأكشن والكوميديا، ثم الدراما الاجتماعية والإنسانية. مثّل للسينما والمسرح والتلفزيون... منحه الجمهور ألقاباً كثيرة منها: «وحش الشاشة، ملك الترسو، زوربا المصري، أنتوني كوين الشرق، الملك»، عاش 78 عاماً، خصّص منها 60 عاماً للفن، تزوّج ثلاث مرات وأنجب خمس بنات سُعد جداً بهنّ، حتى أنه على كثرة ما أُطلق عليه من ألقاب، لم يسعد إلا بلقب «أبو البنات».

شهرة ونجومية وتكريم ونجاح وتاريخ ومهارات، كلّها أمور لو تجمّعت في شخص واحد لملأته غروراً... لكن ذلك لم يحدث مع فريد شوقي.

 ابن السيدة زينب

كان فريد شوقي يذكر دائماً أنه من أصول تركية، غير أنه كان يفخر بمصريته فغرق فيها حتى النخاع، يفخر بأنه من «محاسيب الست أم هاشم» وبأنه عاش ونشأ بجوار السيدة زينب رضي الله عنها، فهو الإبن الأول أو كما يقولون «البكري» بين ثلاثة أشقاء هم: فريد وأحمد وممدوح، وشقيقتين هما نفيسة وعواطف، للوالد محمد عبده شوقي، الذي حمل بداخله كل مقومات الفنان الذي تمناه... وظل يحبسه بداخله ولم يخرجه بسبب عادات وتقاليد ومناخ عصره، فلجأ إلى الوظيفة الميري، كعادة الآباء والأجداد، حتى وصل إلى وظيفة «وكيل مصلحة الأملاك». راح يبذر في ابنه «البكري» حلمه الضائع فزرع بداخله عشق الفن، ولم يتوقّف عند هذا الحد بل راح يساعده على تحقيق هذا الحلم.

بعكس الأم التي أخذت من «أمينة زوجة سي السيد» الحب والحنان والطيبة، من دون الخضوع والخنوع، فكانت أكثر حزماً وحسماً للأمور، بحنان لا يخلو من القسوة أحياناً، خوفاً على مستقبل أولادها.

على عكس غالبية (إن لم يكن كلّهم) من عملوا بالفن في بداياته منذ مطلع القرن العشرين تقريباً، وحتى قيام ثورة 23 يوليو وتبدّل نظرة المجتمع إلى هذا المجال عموماً، وعلى عكس كل الذين واجهوا معارضة أهلهم وذويهم بمجرد شبهة عملهم بالفن، وجد فريد شوقي ترحيباً كبيراً من والده الذي طار فرحاً، كما لم يفرح سابقاً، حين حصل فريد على بكالوريوس معهد التمثيل، على رغم حصوله قبلاً على دبلوم الفنون التطبيقية وتخرّجه مهندساً، فأخذه والده من يده وقدّمه الى صديق عمره الفنان الكبير يوسف وهبي ليلحقه بالعمل في فرقة «رمسيس».

رأى الوالد الحلم الذي طالما راوده يتحقّق في نجله، بعكس الأم التي لم تكن ترحّب باتجاه ابنها الى التمثيل. وحين سألت إحدى المذيعات الفنان فريد شوقي ذات مرة في لقاء تلفزيوني في مطلع التسعينيات، عن دور الأسرة في مسيرته كممثل، وكيف استقبلت خبر عمل ابنها في التمثيل، راح فريد شوقي يحكي أمام الكاميرات عن دور والده وتشجيعه له منذ الطفولة، ثم استطرد في حديثه وهو يضحك ضحكته الشهيرة، مؤكداً للمذيعة مساندة والدته أيضاً ودعواتها الدائمة له، وهنا قاطعته المذيعة بدهشة:

* بس يا أستاذ فريد حضرتك سبق وقلت قبل كده إن والدتك مكانتش مرحبة ولا كانت تحب إنك تبقى ممثل..

= ده صحيح... كانت دايماً تلوم والدي الله يرحمه وتقوله انت اللي هتبوظ الواد ده.ً. الواد مش هينفع في مدارس بسبب دلعك له.

* غريبة... طيب لما ده كان موقفها... منين بقى كانت بتساندك في حبك للفن وبتدعيلك؟

= أصلها كانت كل ما تشوفني واقف قدام المرايا بمثل مع نفسي... كانت تقوللي: «والله مسيرك هتتجنن»... ولما تشوفني لامم ولاد الشارع حواليه بمثل لهم كانت تقوللي: «روح يا بني ربنا يفرج عليك خلقه»... وأهو ربنا استجاب لدعاها ومفيش حد من مخاليق ربنا مبيتفرجش النهاردة على فريد شوقي.

بقدر ما أسعده هذا اللقاء، بقدر ما آلمه لقاء آخر قبيل رحيله بأشهر عدة، لقاء لم يكن حاضراً فيه بجسده، وإن كان هو بطله الوحيد أيضاً كالعادة، ذلك عندما بثّ التلفزيون المصري في العام 1998، وتبعته وكالات الأنباء العربية والعالمية ـ خبراً على الهواء مفاده: «رحيل الملك فريد شوقي».

سمع فريد شوقي وهو على فراش المرض خبر رحيله، وشاهد بروفة لما يمكن أن يفعله صدى خبر وفاته، فقد قامت الدنيا ولم تقعد.

 شريط الذكريات

مات الملك فريد شوقي... انتقلت وكالات الأنباء والتلفزيونات العربية والدولية إلى بيته للتأكّد من الخبر، الذي اتضح أنه كاذب، وراح التلفزيون المصري يصحّح خطأه الجسيم بلقاء مع الملك وهو على فراش المرض يؤكد فيه أنه لا يزال على قيد الحياة وأن هذا الخطأ غير المقصود بقدر ما أحزنه، بقدر ما أسعده. فقد جاء في وقته ليعرف فريد شوقي أن «خلق الله» لم يكونوا مجرد متفرجين عليه فحسب، بل أحبوه كإنسان وفنان، أحبوه ورفعوه إلى مكانة استحقها، لم ينلها أحد قبله... وربما بعده.

أطفئت الأنوار، أُغلقت عدسات الكاميرات، وانتهى اللقاء التلفزيوني مع «وحش الشاشة» لتطمئن جماهيره العريضة وليبدأ هو باسترجاع شريط حياته من بدايته، فقد أعاده هذا الخبر إلى «البغالة» ذلك الحي الذي وُلد فيه عام 1922، بالسيدة زينب، بالقرب من قلعة صلاح الدين والأحياء الشعبية العريقة ذات التاريخ، مثل الحسين والغورية وعابدين ومحمد علي وباب الخلق.

كذلك أعاده إلى مدرسة «الناصرية الابتدائية» عندما التحق بها وهو في الثانية عشرة من عمره، وهي كانت إحدى أفضل المدارس آنذاك وأغلاها ثمناً، إذ كانت تكلّف والده 15 جنيهاً في العام، مقابل عشرة جنيهات في بقية المدارس، لذا كان تلاميذ هذه المدرسة في غالبيتهم من أولاد البكوات والباشوات، ولم ينسَ فريد أنه أصرّ وقتها على أن تكون هناك سيارة تقلّه مثل بقية زملائه، فهو ليس أقلّ منهم، فاستأجر والده «عربة حنطور» لتحضره إلى المدرسة ثم تعيده في نهاية اليوم إلى بيته. كذلك لم ينسَ فريد ما قاله له والده في اليوم الأول للدراسة:

* اسمع يا فريد... انت النهاردة بقيت راجل... دخلت المدرسة وكلها كام سنة وتبقى راجل ملو هدومك ومعاك الابتدائية... مش عاوزك تخذلني... عاوزك ترفع راسي قدام العيلة كلها.

= إن شاء الله يابابا... هتشوف ابنك فريد هيعمل إيه.

* مش بالكلام. أنا عاوز أشوف بالفعل... تذاكر دروسك أول بأول... وسيبك بقى من اللعب في الشارع والكلام الفاضي ده... انت النهاردة بقيت من أهل العلم وإلا إنت عارف...

= لا أرجوك يا بابا... بلاش وإلا دي.

* أيوااا... أي لعب وعدم مذاكرة هيبقى مفيش فسحة الخميس. يعني مفيش مسرح... لا فرقة رمسيس ولا كشكش بيه ولا حتى مجرد المشي في عماد الدين.

* إطمن حضرتك يا بابا. أنا بوعدك أعمل دروسي وواجباتي. بس بلاش والنبي تمنع المسرح... إعمل أي حاجة إلا المسرح.

= الشرط نور يا سي فريد... وآديك شايف الست والدتك بتقول إيه... متهماني إني بدلعك وإنك مش هتنفع في مدارس... وريني بقى الهمة علشان لما آجي أخدك للمسرح يوم الخميس يبقى بقلب جامد وبصدر منفوخ... وإلا انت عارف.

 لقاء الخميس

كان موعد الخميس من كل أسبوع مقدساً بين فريد ووالده للذهاب إلى إحدى فرق شارع عماد الدين، سواء فرقة «رمسيس» وبطلها يوسف بك وهبي، صديق الوالد، أو فرقة «كشكش بك»، أو علي الكسار أو فاطمة رشدي، وبعد مرور الشهر تكون الروايات قد تغيّرت فيعاودان المرور عليها مجدداً، بالترتيب نفسه.

تعوّد فريد على هذه الرحلة الأسبوعية منذ كان في السابعة من عمره، غير أن الفرقة الأهم من بين كلّ تلك الفرق كانت فرقة «رمسيس» حيث الأداء الراقي بالصوت الجهوري وجمل الحوار الممطوطة، والحكايات التي لا تخلو من الحكم والمواعظ.

كان يجلس فريد صامتاً، مشدود القامة منتبهاً الى كل كلمة ينطق بها كلّ من يظهر على خشبة المسرح، وليس بطل المسرحية يوسف بك فحسب، حتى أنه عندما كان ينتهي الفصل الأول وينطلق وسط الجماهير باعة المسرح ينادون على بضاعتهم من مأكولات ومشروبات، لم يكن يطلب فريد من والده شيئاً، بل ولا يلتفت إليهم، فهو مشغول بمراجعة ما شاهده في الفصل الأول مستعداً لما سيراه في الفصل الثاني، ولا مانع من أن يراهن نفسه ويخمّن ما قد يراه في الفصل الثاني.

لم يكن فريد ينتبه هذا الانتباه كلّه الذي يصل إلى حدّ حفظ الحوار، إلا لسببين، أولهما ليرسخ الحوار في ذهنه كي يستطيع استرجاعه عند اللزوم، ولا مانع من بعض الإضافات التي كان يراها مناسبة لتجاوز بعض مصاعب روايات يوسف بك وهبي، سواء في اللغة أو المواقف. أما السبب الثاني والأهم هو ذلك الامتحان الذي كان يجريه له والده فور انتهاء العرض وخروجهما من المسرح، والذي كان يستمرّ طوال المسافة التي تقطعها عربة «سوارس» من شارع عماد الدين حتى السيدة زينب، فكان يتمنى فريد لو أنه يغمض عينيه ويفتحهما ليجد الطريق قد انتهى، إذ كانت أسئلة الامتحان تنحصر جميعها في ما رآه تلك الليلة، والأهم من الامتحان هو العقاب نتيجة الرسوب فيه:

* بقى انت سبت الرواية كلها ماعجبكش فيها غير أنه كان بيسحر للستات كلها وبعدين ياخدهم يخنقهم ويموتهم؟

= لا يعني... هي الرواية كلها عجبتني... وخصوصاً الحته الأخيرة لما يوسف بيه كان بيخنق آخر واحدة وكان بيقولها موتي عليك اللعنة بعدد القبور التي فتحت من عهد آدم إلى الآن.

* يا سلام... دا إيه ده كله... وحفظت الجملة دى لوحدك... ده انت ممثل «نص لبه» وبعدين هو يوسف بيه كان بيقولها كده زي ما يكون عيان... دا صوته كان مجلجل وبيرج المسرح.

= لا ما أنا ممكن أقولها زيه بالظبط... بس لما نروح علشان ابقى واقف واتكلم براحتي.

* لا واقف ولا قاعد... انت بتبقى قاعد مش منتبه للرواية... الخميس الجاي أجيب أخوك أحمد بدالك... أحمد نبيه وبياخد باله.

= علشان خاطري يا بابا... آخر مرة... والله الرواية اللي جاية هاحفظها كلمة كلمة.. وبعدين أحمد أخويا مش بيحب المسرح.. ده بينام أول ما تبدأ الرواية.

لم يكن أي عقاب يلقاه فريد يساوي عقابه بالحرمان من رحلة الخميس إلى شارع عماد الدين، ليس لأنه سيُحرم من «الفسحة» والخروج في نهاية الأسبوع فحسب، بل لأنه سيحرم جمهوره الخاص من رواية جديدة، فهو تعوّد أن يأتي إليه كل يوم جمعة بالرواية التي شاهدها مع والده بالأمس.

المدهش أن جمهور المسرح في كل الدنيا يدفع نقوداً ليشاهد ممثّليه المفضّلين وهم يقدّمون له أحدث الروايات، إلا جمهور فريد بن محمد عبده فهو الوحيد الذي يتلقى مقدماً ليشاهد روايات ممثّله ومخرجه وكاتبه الوحيد، إذ حين كان يحصل فريد على مصروفه صباح يوم الجمعة، وقيمته «قرش تعريفه» ـ وهي جزء من مائتي جزء من الجنيه ويعد مبلغاً كبيراً كمصروف طفل في ذلك الوقت ـ حتى يصرف المبلغ إلى خمسة مليمات، وكل مليم إلى «نكلتين»، بعدها يبدأ بالمرور على أفراد الجمهور، كلّ في بيته، يطلق صيحة بفمه أسفل بيت كلّ منهم، كإشارة متّفق عليها في ما بينهم، ليكون التجمّع في الحديقة الصغيرة أسفل بيت فريد، عقب صلاة الجمعة. بعدها، كان يبدأ توافد جمهور فريد شوقي من أبناء الشارع واحداً تلو الآخر، فيقف فريد أمام باب المنزل، وكلما حضر واحد من الجمهور مدّ يده وناوله «نكله» ثم يأخذ مكانه في صالة العرض، التي كانت عبارة عن عدد من الصحف القديمة التي انتهى والده من قراءتها، فيفرشها على الأرض ليجلس عليها جمهوره، وما إن يكتمل النصاب، يعتلي «دكة» قديمة ـ طاولة من الخشب ـ يضعها في حديقة المنزل، ويبدأ التمثيل، حيث يختصر أشخاص الرواية التي شاهدها الليلة السابقة إلى شخصين فقط، يرى من وجهة نظره أنهما أهم ما في الرواية، بل إن دوريهما يلخّصان أحداث الرواية، التي يكون الجمهور على يقين وثقة أنها من بنات أفكار صديقهم الفنان، الذي ظلّ يوم الخميس وليلة الجمعة يؤلّف ويحفظ مشاهدها ليشخّصها لهم في اليوم التالي.

هنا فحسب، بعيداً عن عينيّ والده، وفوق هذه «الدكة» المتهالكة، كان يستحضر فريد شخصية يوسف بك وهبي وروحه، فيلوي لسانه وتأخذه «الجلالة» ويصدح صوته يجلجل:  

   * موتي... عليك اللعنة... أنت ملعونة بعدد القبور التي فتحت من عهد سيدنا آدم إلى الآن.

ثم يطبّق يديه على بعضهما، ويضعهما أمام مقدّمة رأسه التي عاد بها إلى الخلف، على طريقة يوسف بك وهبي الشهيرة في رواياته، ويثبت على هذا الوضع صامتاً للحظات، فمن المفترض أن هذه هي النقطة التي يصل فيها الفنان إلى الذروة، بعدها يجب أن يصفق الجمهور ويُسدل الستار معلناً انتهاء العرض... لكن جمهوره حديث العهد بالمسرح، وليس متمرّسا فيه مثله، لا يفهم هذا البرتوكول غير المكتوب بين صالة العرض وخشبة المسرح، وهنا كان لا بد من أن يلفت انتباههم... فاضطر الى قطع هذا الاندماج للحظات ليلفت نظر الجمهور:

* ما تصفق ياد انت وهو... الرواية كده خلصت.

بعدها عاد فريد سريعاً إلى حالة الاندماج التي كان عليها، ليستقبل تصفيق الجمهور، ثم يعتدل في وقفته ويرسم ابتسامة عريضة على شفتيه، وينحني انحناءة مبالغاً فيها يكاد يسقط معها من فوق «الدكة» ليرد تحية الجمهور له.

ينزل فريد من فوق المسرح أو «الدكة» ليبدأ تلقّي التهاني من الجمهور بشكل مباشر، ويكون من نصيب المهنئين الأوائل من جمهوره ما تبقى معه من «نكلات».

وفي إحدى المرات، انصرف الجمهور كلّه إلا ولد واحد هو أشرف بن عبد التواب أفندي، باشكاتب في دائرة «الأتربي باشا»، ظنّ فريد أن أشرف يريد نصيبه من «النكلات» الأخيرة التي وزّعها في نهاية العرض، غير أنه فاجأه بطلب آخر، وهو أن يعيد هذا العرض غداً في منزله، وعلى رغم تخوّف فريد من القيام بهذا الطلب بسبب قسوة وحزم عبد التواب أفندي والد أشرف، إلا أنه أدخل السعادة إلى قلبه، وأشعره بالفخر والاعتزاز، وأنه أصبح ممثلاً له قيمته، والجمهور يطلبه بالإسم في حفلات خاصة، حتى لو كان هذا الجمهور هو هذا الصديق فحسب.

البقية في الحلقة المقبلة

back to top